ملخص
رأى لوبراني أن النظام الإيراني كان يدخل مرحلة من التراجع التدريجي، بينما كانت الأوضاع الاقتصادية في البلاد تزداد سوءاً بصورة واضحة. ومع ذلك، فإن وتيرة هذا الانحدار لم تكن كافية بعد لإسقاط النظام. وأشار إلى أن رجال الدين بدؤوا يدركون تنامي حال السخط الشعبي وفقدانهم شيئاً من الهيبة والاحترام داخل المجتمع، لكن البلاد كانت في حاجة إلى حدث أو عامل حاسم يدفع باتجاه التغيير.
تكشف وثيقة دبلوماسية بريطانية، محفوظة ضمن ملف وزارة الخارجية البريطانية تحت المرجع FCO 93/8504، المعنون Syria: views on the Middle East Peace Process (MEPP)، عن جانب مهم من الرؤية الإسرائيلية المبكرة تجاه التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي. وجرى فتح هذا السجل رسمياً خلال الـ23 من يناير (كانون الثاني) الماضي.
وتظهر الوثيقة، من خلال لقاء جمع مسؤولين بريطانيين مع أوري لوبراني، أحد أبرز صناع القرار في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية آنذاك، ملامح تصور استراتيجي إسرائيلي كان يرى أن الخطر الإيراني لا يقتصر على الطموحات النووية فحسب، بل يمتد إلى مشروع أوسع، لبناء شبكة نفوذ إقليمية تعتمد على الميليشيات والتنظيمات العقائدية العابرة الحدود.
وتعكس الوثيقة إدراكاً مبكراً لدى دوائر صنع القرار الإسرائيلية لطبيعة الدور الإيراني المتنامي في كل من لبنان وسوريا، وربما العراق لاحقاً، باعتباره مشروعاً طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة عبر أدوات غير تقليدية، تجمع بين النفوذ الأمني والدعم الأيديولوجي والعمل عبر وكلاء محليين. وفي هذا السياق، بدت إيران وفقاً للوثيقة، لاعباً يسعى إلى ترسيخ حضور استراتيجي يتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية، مستفيداً من هشاشة البنى السياسية والصراعات الإقليمية.
وتكتسب الوثيقة أهمية خاصة، لأنها تقدم قراءة استباقية لتحولات أصبحت لاحقاً جزءاً أساساً من المشهد الشرق أوسطي، خصوصاً مع تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في لبنان والعراق وسوريا خلال العقود التالية.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على هذه التصريحات، تبدو كثير من تلك التقديرات وكأنها قراءة استباقية لمسار الأحداث التي شهدتها المنطقة لاحقاً، من تمدد "حزب الله" في لبنان، إلى صعود النفوذ الإيراني في العراق بعد عام 2003، مروراً بالحرب السورية، ووصولاً إلى تشكُّل ما يُعرف بمحور "الممانعة" الممتد من طهران إلى البحر المتوسط. وتكشف الوثيقة كيف كانت إسرائيل تنظر مبكراً إلى الترابط بين المشروع الإيراني، وضعف الدولة الوطنية العربية، واستغلال الفوضى الإقليمية لبناء نفوذ طويل الأمد.
في أواخر مايو (أيار) 1995، وتحديداً خلال الـ25 من الشهر، قام السفير البريطاني لدى إسرائيل السير روبرت أندرو بيرنز باصطحاب السيد جرينستوك في زيارة إلى أوري لوبراني، أحد المسؤولين البارزين في وزارة الدفاع الإسرائيلية. وعكست هذه الزيارة اهتماماً خاصاً بآراء لوبراني، نظراً إلى تأثيرها في فهم الأوضاع في دول الجوار، إذ قدم عرضاً شاملاً لموقف إسرائيل من قضايا إيران ولبنان وسوريا والعراق ضمن سياق إقليمي متوتر ومعقد.
استهل لوبراني حديثه بانتقاد السياسة الأميركية المعروفة بمفهوم "الاحتواء المزدوج"، معتبراً أنها مجرد شعار سياسي يفتقر إلى أساس عملي، مؤكداً أن التعامل مع إيران والعراق يجب أن يجري بصورة منفصلة، نظراً إلى اختلاف طبيعة التحديات التي يمثلها كل منهما.
إيران بين دعم "حزب الله" واحتمالات التحول الداخلي
انتقل لوبراني بعد ذلك للحديث عن إيران، معتبراً أنها تمثل التهديد الأكثر تعقيداً بالنسبة إلى إسرائيل في تلك المرحلة. موضحاً أن إسرائيل كانت تخسر جندياً تقريباً كل أسبوع نتيجة هجمات "حزب الله" في جنوب لبنان، ومؤكداً أن الحزب يعتمد بصورة كاملة على التمويل الإيراني. ومن هذا المنطلق، قال إن الإسرائيليين باتوا يفكرون في السبل الممكنة لإسقاط النظام الإيراني، إذ لا يمكن، بحسب رأيه، تحقيق أي سلام حقيقي مع إيران ما دام النظام الحالي قائماً.
وأضاف أن "حزب الله" يدرك جيداً أن بقاءه مرتبط بالدعم الإيراني، وأن حرمانه من هذا الدعم كفيل بإضعافه وربما انهياره. إلا أن المشكلة، كما وصفها، تكمن في أن القيادة الإيرانية الحالية شديدة التصلب، حتى وإن كان الرئيس هاشمي رفسنجاني يظهر قدراً من البراغماتية السياسية.
ورأى لوبراني أن النظام الإيراني كان يدخل مرحلة من التراجع التدريجي، بينما كانت الأوضاع الاقتصادية في البلاد تزداد سوءاً بصورة واضحة. ومع ذلك، فإن وتيرة هذا الانحدار لم تكن كافية بعد لإسقاط النظام. وأشار إلى أن رجال الدين بدؤوا يدركون تنامي حال السخط الشعبي وفقدانهم شيئاً من الهيبة والاحترام داخل المجتمع، لكن البلاد كانت في حاجة إلى حدث أو عامل حاسم يدفع باتجاه التغيير.
ولم يستبعد احتمال أن يوافق رجال الدين في مرحلة ما على التنحي وإفساح المجال أمام صورة من صور الحكم المدني، شريطة الحفاظ على مكانتهم وتأمين مصالحهم، إلا أنه أقر بأن توقيت حدوث ذلك ما زال غامضاً، على رغم إمكانية وقوعه في وقت أقرب مما هو متوقع.
السياسة الأميركية تجاه إيران
وفي سياق حديثه عن السياسة الأميركية، شدد لوبراني على ضرورة أن تكون واشنطن أكثر اتساقاً في مواقفها تجاه إيران. وقال إنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تمنع شركاتها رسمياً من شراء النفط الإيراني، ثم تتوقع في الوقت ذاته أن تؤخذ شعاراتها حول "إيران كدولة راعية للإرهاب" على محمل الجد. وأضاف أن الإيرانيين أنفسهم لا يمكنهم تصديق أن رئيس شركة "إكسون" يستطيع شراء النفط من إيران من دون موافقة مباشرة من الرئيس الأميركي.
وأكد لوبراني أن إيران كانت تبذل جهوداً حثيثة لتطوير قدراتها النووية، متوقعاً أن تتمكن من تحقيق تقدم ملموس خلال فترة تراوح ما بين عامين وسبعة أعوام، تبعاً لما قد تحصل عليه من مساعدات أو اختصارات تقنية، وبخاصة عبر التعاون مع روسيا.
وبرأيه، فإن إيران تمثل خطراً أكبر من العراق، لأن بغداد كانت آنذاك مقيدة بقرارات مجلس الأمن الدولي، في حين أن طهران كانت تتحرك بحرية أكبر.
أما نصيحته لبريطانيا والدول الغربية الأخرى، فتمثلت في ضرورة الاستمرار في إظهار عدم الرضا تجاه النظام الإيراني من داخل إيران نفسها، مع تكثيف استخدام هيئة الإذاعة البريطانية) بي بي سي) في مخاطبة الإيرانيين. وأوضح أن البث الفارسي لـ"بي بي سي" كان يتمتع بتأثير أوسع بكثير داخل إيران مقارنة بإذاعة "صوت أميركا"، التي كان يُنظر إليها باعتبارها مجرد انعكاس للحياة الأميركية.
وفي ختام حديثه عن إيران، أشار لوبراني إلى أن لطهران التزامات استراتيجية داخل لبنان، إذ تدعم المجتمع الشيعي بهدف ضمان نفوذ طويل الأمد في البلاد عندما يصبح الشيعة القوة السياسية الأكثر تأثيراً. واتهم إيران باستخدام الساحة اللبنانية لاستفزاز إسرائيل ودفعها نحو ردود فعل قد تؤدي في النهاية إلى تقويض عملية السلام.
لبنان في مفاوضات السلام
وفي ما يتعلق بالملف اللبناني، أوضح لوبراني أن أي اتفاق سلام محتمل بين إسرائيل وسوريا لا يمكن أن يتحقق ما لم يتم تفكيك "حزب الله" وبقية التنظيمات المسلحة بصورة كاملة، مع وجود أدلة واضحة وملموسة على هذا التفكيك. وأضاف أن السوريين باتوا يدركون هذه الحقيقة جيداً.
وشدد على ضرورة تقديم ضمانات حقيقية لسكان جنوب لبنان بعد أي انسحاب إسرائيلي، بحيث لا يتعرضون للمضايقات أو أعمال الانتقام. وأكد أن إسرائيل ستسعى للتأكد من اتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية هؤلاء السكان قبل تنفيذ أي انسحاب.
وبرأيه، فإن الرئيس السوري حافظ الأسد سيكون مضطراً في النهاية لاتخاذ قرار استراتيجي محسوب يوازن فيه بين خيار السلام مع إسرائيل وبين طبيعة علاقته بإيران. وأشار إلى أن اللبنانيين كانوا يشعرون بخوف حقيقي من احتمال التخلي عنهم، ومن أن يسمح للقوات السورية بالبقاء في لبنان إلى أجل غير مسمى.
وقال إن مسؤولية إخراج سوريا من لبنان تقع على عاتق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنه استبعد إمكانية حدوث ذلك بسهولة. ومع هذا، أوضح أن إسرائيل كانت ترغب في إظهار أنها بذلت كل ما تستطيع من أجل اللبنانيين. وأضاف أن السوريين، بحسب وصفه، كانوا "قوة احتلال أسوأ من الإسرائيليين أنفسهم".
وتحدث لوبراني عن وجود ما بين 800 ألف إلى مليون عامل سوري داخل لبنان، معتبراً أنهم يسحبون فرص العمل من اللبنانيين. وأضاف أن المواطن اللبناني العادي لم يكن قادراً على إنجاز أي معاملة تقريباً من دون دفع رشوة لأحد العناصر السوريين. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هذه المشكلة، على رغم حساسيتها، لم تكن كافية لعرقلة اتفاق سلام محتمل بين إسرائيل وسوريا.
وأوضح أن إسرائيل قد تقبل في نهاية المطاف باستمرار النفوذ السوري في لبنان، إذا كان ذلك هو "ثمن السلام"، لكن ليس قبل التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة لمحاولة التوصل إلى انسحاب سوري. واعتبر أن هذه القضية ستكون على الأرجح آخر الملفات التي ستحسم في أي مفاوضات نهائية.
وأضاف أن السوريين أنفسهم كانوا يواجهون مشكلات معقدة داخل لبنان، فضلاً عن التحديات الداخلية المتعلقة بخلافة الرئيس الأسد. فعلى رغم أن الأسد كان يعمل على تهيئة ابنه لتولي السلطة، فإن هذه المهمة لم تكن سهلة، خصوصاً مع وجود غالبية سنية واسعة داخل سوريا كانت تنتظر فرصة لانفتاح البلاد على التأثيرات الحديثة.
وفي الجنوب اللبناني، وصف لوبراني الجيش اللبناني بأنه كان يتخذ موقفاً سلبياً إلى حد بعيد، في حين كان "حزب الله" يفرض سيطرته على معظم المنطقة، باستثناء بعض المناطق المحيطة بجزين. وأشار إلى أن الحزب كان يعمل على تطوير ترسانته العسكرية باستمرار.
في المقابل، قال إن إسرائيل لم تكن ترغب في الانجرار إلى مواجهة واسعة النطاق، ولذلك بدأت تعتمد بصورة أكبر على العمليات الجوية الدقيقة باستخدام المروحيات، وهي عمليات كانت تتطلب معلومات استخباراتية عالية الدقة. وأضاف أن قدرات جمع المعلومات لدى إسرائيل شهدت تحسناً ملحوظاً، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب بصورة كاملة.
وتحدث أيضاً عن الضغوط والمضايقات التي كان يتعرض لها سكان المنطقة الأمنية في الجنوب اللبناني عند محاولتهم الانتقال نحو الشمال. ونتيجة لذلك، بدأ كثير من اللبنانيين في تلك المنطقة التوجه إلى داخل إسرائيل للحصول على العلاج الطبي أو الخدمات الأساس الأخرى.
أما القيود المفروضة على الصيادين اللبنانيين، فقال إنها لم تكن ثابتة، بل كانت تتفاوت صعوداً وهبوطاً بحسب الظروف الأمنية. ومع ذلك، أكد أن إسرائيل كانت تخشى بالفعل من استخدام الطرق البحرية لتهريب عناصر فلسطينية دربها "حزب الله" إلى داخل الأراضي الإسرائيلية.
وفي ختام هذا الجزء، أشار لوبراني إلى أن "حزب الله" يمتلك القدرة على إطلاق صواريخ الكاتيوشا باتجاه شمال إسرائيل. وعلى رغم أن هذه الهجمات لم تعد تتكرر بصورة منتظمة منذ "عملية المحاسبة"، فإن القلق الإسرائيلي من تدهور الأوضاع بقي حاضراً بصورة دائمة.
العراق بين الضغوط الداخلية والتقارب السياسي مع إسرائيل
وفي حديثه عن سوريا، رأى لوبراني أن التعاون الإقليمي في منطقة البحر المتوسط يمكن أن يشكل عاملاً مهماً على المدى الطويل في الحد من السلوك السوري وتعزيز استقرار المنطقة. وأوضح أن إدماج سوريا ضمن أطر إقليمية شبيهة بمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، لكن بصيغة متوسطية، من شأنه أن يجعل من الصعب عليها التصرف بعدوانية تجاه جيرانها.
وأضاف أن انخراط دمشق في مثل هذه الترتيبات الإقليمية قد يؤدي إلى تخفيف شعورها بالعزلة، وهو ما يمكن أن يخلق تأثيراً أكثر اعتدالاً في سياساتها الإقليمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما في ما يتعلق بالعراق، فقال لوبراني إن الأوضاع المعيشية بالنسبة إلى المواطن العراقي العادي كانت صعبة للغاية، إلا أنها لم تصل بعد إلى المرحلة الحرجة التي قد تهدد استقرار النظام بصورة مباشرة.
وتطرق كذلك إلى الاتصالات العراقية الأخيرة مع إسرائيل، معتبراً أن التفسير الأكثر ترجيحاً لهذه التحركات هو اعتقاد بغداد بأن التقارب مع إسرائيل، بحكم علاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة، قد يساعد في تخفيف الضغوط الأميركية المفروضة عليها.