ملخص
صحيح أن اهتزاز الثقة في الاقتصاد البريطاني لم يصل إلى الحد الكارثي كما حدث مع حكومة المحافظين عام 2022، لكن استمرار الضغط على ستارمر وارتفاع الأصوات من داخل حزبه التي تطالبه بالاستقالة مؤشر إنذار للمستثمرين.
على مدى الأسابيع الماضية، تعاملت الأسواق والمستثمرون مع الاقتصاد البريطاني على أساس توقعات تأثير الحرب في الشرق الأوسط في سياسات حكومة حزب "العمال" برئاسة كير ستارمر، وتوجه وزيرة الخزانة راشيل ريفز.
هذا إلى جانب تبعات الحرب على معدلات التضخم والإشارات المتضاربة من بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) في شأن السياسة النقدية وأسعار الفائدة.
لكن منذ الساعات الأخيرة من الأسبوع الماضي، وبعد ظهور نتائج الانتخابات المحلية في إنجلترا وانتخابات البرلمان الإقليمي لكل من إسكتلندا وويلز، تحول اهتمام الأسواق إلى الأزمة السياسية التي تواجهها حكومة ستارمر، التي منيت بهزيمة ساحقة في تلك الانتخابات.
على سبيل المثال، لم يتأثر سعر صرف العملة البريطانية (الجنيه الاسترليني) كثيراً بالأرقام والبيانات الصادرة قبل أسبوع والمتعلقة بالارتفاع الهائل في مستويات الدين العام. وظلت قيمة الجنيه ثابتة عند ما فوق 1.35 دولار للجنيه، لكن ما إن اكتملت نتائج الانتخابات حتى تراجع الاسترليني إلى نحو 1.34 دولار للجنيه.
صحيح أن قيمة الجنيه لم تشهد انهياراً كبيراً كالذي حدث عقب الموازنة التكميلية الكارثية لرئيسة الوزراء السابقة ليز تراس عام 2022، حين هوى الجنيه الاسترليني ليكاد يساوي دولاراً واحداً، لكن زيادة الضغط على رئيس الوزراء كير ستارمر من فصائل حزبه المختلفة كي يستقيل، باعتباره المسؤول عن الهزيمة الساحقة في انتخابات الخميس الماضي، تثير قلق الأسواق والمستثمرين في شأن عدم الاستقرار السياسي وما يستتبعه من عدم يقين اقتصادي.
احتمالات زيادة الضغوط
كان التأثير الأوضح في سوق السندات، إذ ارتفع العائد على سندات الخزانة البريطانية متوسطة الأجل لمدة 10 أعوام ليقارب مستوى خمسة في المئة مجدداً، والذي تجاوزه قبل أيام. وحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، فإن العائد على سندات الخزانة البريطانية وصل إلى مستويات الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ومعروف أن ارتفاع العائد يعني هبوط سعر السند، ومعنى وصول العائد على سندات الخزانة إلى 4.94 في المئة أن قيمتها تتراجع ومعها ثقة المقرضين في الاقتصاد البريطاني.
وفي تقدير لمدى زيادة الضرر الاقتصادي والمالي من الاضطراب السياسي الناجم عن نتائج الانتخابات والأزمة السياسية لحكومة ستارمر وحزب "العمال"، كتب الرئيس التنفيذي لشركة "ديفير غروب" للاستشارات المالية وإدارة الأصول نايجل غرين، مذكرة على موقع الشركة تحذر من الضغط على الاسترليني والسندات. وخلص غرين إلى أن "زيادة الضغط على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تهدد باضطراب الأسواق المالية وتضر بالجنيه الاسترليني، وتشعل مخاوف المستثمرين في شأن الاستقرار السياسي والمالي لبريطانيا.
جاءت مذكرة رئيس "ديفير" بعد إعلان النائبة العمالية في مجلس العموم (البرلمان البريطاني) والوزيرة السابقة في الحكومة كاثرين ويست أنها أطلقت حملة لإزاحة كير ستارمر من زعامة الحزب ورئاسة الحكومة.
وعلى رغم تصريحها على شبكة "سكاي نيوز" بأنها حصلت حتى الآن على تأييد 10 نواب من الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم كي تنافس ستارمر، فإن ذلك العدد يقل عن المطلوب لبدء عملية انتخاب زعيم جديد بديلاً لرئيس الوزراء، وهو 81 نائباً من الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم.
لكن تصريحات ويست أثارت قلق الأسواق أكثر من تصريحات عدد من نواب حزب "العمال" منذ ظهور نتيجة الانتخابات التي طالبوا فيها ستارمر بالاستقالة، أو في الأقل إعلان جدول زمني لتخليه عن السلطة وزعامة الحزب، فالأسواق والمستثمرون يدركون أن الاضطرابات السياسية تتطور بصورة غير متوقعة ويمكن أن "تتطور بسرعة إلى أزمة شاملة للسلطة"، وفق ما أشار غرين في مذكرته. وأضاف "إذا زادت وتيرة الجدل والخلاف داخل الحكومة وأصبحت هناك شكوك في شأن القيادة فإن السندات والجنيه سيتعرضان لضغوط متزايدة وستعيد الأسواق تقدير الأخطار لكل الاقتصاد البريطاني".
الأسواق لن تنتظر
لا يبدو إصرار رئيس الحكومة كير ستارمر على الاستمرار في منصبه على رغم الهزيمة الساحقة في الانتخابات المحلية والإقليمية مقنعاً تماماً للأسواق باستقرار الأوضاع في البلاد. صحيح أن اهتزاز الثقة في الاقتصاد البريطاني لم يصل إلى الحد الكارثي كما حدث مع حكومة المحافظين عام 2022، لكن استمرار الضغط على ستارمر وارتفاع الأصوات من داخل حزبه التي تطالبه بالاستقالة مؤشر إنذار للمستثمرين.
يحتاج المستثمرون الأجانب والمؤسساتيون إلى استقرار الوضع ليضخوا أموالهم في أي اقتصاد، ويرى كثير من المحللين والمعلقين أن التطورات السياسية في بريطانيا لا توفر ذلك الاستقرار الذي يعزز الثقة. ومثلما يقول بعض المعلقين فإن الأسواق والمستثمرين لن ينتظروا حتى تحل الحكومة وحزبها مشكلاتهم الداخلية. وبدأ بعض المستثمرين بالفعل إعادة تقدير الأخطار بالنسبة إلى السوق البريطانية في ضوء توقعات استمرار الاضطراب السياسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم تأكيد ستارمر أن "رسالة الناخبين وصلت" وأنه سيعمل على تحقيق الإنجاز والتغيير الذي يتوقعه البريطانيون، فإن ذلك لم يطمئن الجميع، بل إن الأسواق والمستثمرين ينظرون إلى ما هو أبعد من أزمة حكومة ستارمر الداخلية إلى طبيعة الوضع الذي أفرزته نتائج الانتخابات مع تغير الولاءات الحزبية في أنحاء بريطانيا.
بدأ المحللون والاقتصاديون بالفعل الحديث عن سيناريوهات محتملة في حال تفاقم الأزمة السياسية، وأثر ذلك على الاقتصاد البريطاني بصورة عامة.
كتب نايجل غرين أن أسواق السندات، إلى جانب العملة، هما الأكثر تأثراً بتلك الاحتمالات السياسية، وأشار إلى أن "كل ارتفاع في نسبة العائد على سندات الخزانة يؤثر مباشرة في الاقتصاد الحقيقي، وعلى الفور يشعر من لديهم قروض عقارية والأعمال التي تسعى للحصول على قروض ودافعو الضرائب بتأثير ارتفاع العائد على السندات".
تعتمد الثقة في العملة البريطانية بالأساس على اعتقاد المستثمرين الأجانب بأن تظل بريطانيا اقتصاداً محل ثقة، وهو ما تنال منه محاولات تحدي القيادة الحالية.
توقعات وتحديات
هناك سيناريوهات عدة لتطور الأوضاع السياسية ومن ثم تبعاتها الاقتصادية على بريطانيا، والسيناريو الأول هو استمرار حكومة ستارمر، مع بعض التغييرات السياسية التي بدأها بالفعل لكنها لم تبد مؤثرة كثيراً حتى الآن. وفي هذه الحال، ومع بقاء راشيل ريفز وزيرة للخزانة فإن التحديات التي تواجهها تشكل عبئاً آخر تتحسب له الأسواق.
تواجه ريفز "تحدياً ثلاثياً" بالفعل يتمثل في ارتفاع معدلات الدين العام في ظل الحاجة لتمويل الإنفاق على الخدمات العامة، والزيادة في الضرائب، مما يعني صعوبة فرض ضرائب جديدة لتوفير موارد للخزانة، كل ذلك في ظل عدم النمو الاقتصادي الذي يعني عبئاً آخر على موارد الدولة.
وحسب غالب التقديرات فإن ذلك يعني فجوة تمويلية ما بين 20 و41 مليار جنيه استرليني (27 و56 مليار دولار). ومن غير الواضح كيف ستتمكن وزيرة الخزانة من سد تلك الفجوة في ظل الوضع الحالي.
السيناريو الآخر الذي تتخوف منه الأسواق هو استمرار الاضطرابات السياسية والضغط على رئيس الحكومة واحتمالات سحب ثقة حزبه منه. في تلك الحال، إذا حدث وجرى تغيير كير ستارمر، فإنه سيكون هناك رئيس وزراء جديد بالتالي وزير خزانة جديد. وتلك حال عدم يقين إضافية تجعل الأسواق والمستثمرين في وضع لا يستطيعون فيه تحديد سياساتهم تجاه بريطانيا، وهو ما يعني مزيداً من انهيار الثقة الاقتصادية والمالية.
بغض النظر عن تحدي كاثرين ويست لستارمر، فإن الأسواق لا تحسب حسابها في توقعاتها وتحليلاتها، إنما هناك ثلاثة أسماء من قيادات حزب "العمال" يمكن أن يشكلوا تحدياً لرئيس الحكومة وزعيم الحزب، وأولهم وأكثرهم ترجيحاً هو عمدة مانشستر الكبرى أندي برنهام، لكنه ليس عضواً في البرلمان ومن ثمَّ لا يمكنه التقدم لمنافسة ستارمر على زعامة الحزب ورئاسة الحكومة.
هناك تكهنات بأن يخلي أحد نواب حزب "العمال" في أي دائرة في مانشستر موقعه بالاستقالة ليسمح لبرنهام بالترشح في انتخابات تكميلية طارئة ودخول البرلمان ليزيح ستارمر ويحل محله. لكن تلك عملية تستغرق وقتاً وليست مضمونة النتائج، بالتالي تزيد من عدم الاستقرار السياسي وفقدان الثقة الاقتصادية والمالية.
الاحتمال الثاني هو نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، والتي لديها مشكلة مع الضرائب عليها أن تحلها أولاً قبل أن تتقدم لمنافسة ستارمر. ومشكلة الأسواق والمستثمرين أن كلاً من راينر وبرنهام هما من جناح اليسار في حزب "العمال"، بالتالي فإن سياستهما الاقتصادية والمالية ستكون على الأرجح زيادة الإنفاق والضرائب بالتالي تفاقم الأزمة المالية.
المرشح الثالث للدخول في معركة إزاحة كير ستارمر هو الوزير ويس ستريتنغ، الذي يعد من جناح اليمين في حزب "العمال"، أو ما يسمى "العمال الأزرق". ومع أن ستريتنغ قد يكون مرضياً للسوق مع توقع سياسات أقرب لفترة توني بلير وغوردون براون، إلا أن فرصه في الفوز بثقة حزبه ذاته ليست مضمونة، وهو ما قد يعني مزيداً من الانقسامات والاضطراب السياسي، ومن ثم مزيداً من انهيار الثقة في الاقتصاد والأعمال.