Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كاكال"... التشجير غطاء لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم

تقدم دعماً للشباب اليهودي المتشدد وتمول برامج لنزع الملكية في البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية بالضفة الغربية

أقدمت مجموعة من مستوطنة "عادي عاد" جنوب نابلس بقطع وتدمير 1000 شجرة زيتون مثمرة (أ ف ب)

ملخص

أقرّ الصندوق القومي اليهودي ("كيرن كييمت ليسرائيل" – "كاكال") بأنه موّل برامج نفذت في بؤر استيطانية زراعية في الضفة الغربية استخدمت لاستقدام شبان والاستيطان فيها، ضمن أنشطة تأهيلية وتعليمية أُكدت أنها أسهمت في نزع ملكية الفلسطينيين عن أراضيهم، مع معطيات تظهر ارتباط هذه البرامج باعتداءات وتوسيع الوجود الاستيطاني في الضفة.

سجل مستوطنون إسرائيليون في مناطق عدة من الضفة الغربية خلال يوم واحد، سلسلة من الحوادث العنيفة التي اعتبرت تصعيداً نوعياً مباشراً يمس مصادر رزق الفلسطينيين، وليس مجرد أعمال تخريب.

وفيما أقدمت مجموعة من مستوطنة "عادي عاد" جنوب نابلس شمال الضفة الغربية بقطع وتدمير 1000 شجرة زيتون مثمرة في بلدة ترمسعيا شمال رام لله، اقتحم آخرون أراضي زراعية في قرية المغيّر شرق المحافظة، في محاولة للاستيلاء على نحو 150 رأس غنم، في وقت اقتحم مستوطن آخر بمركبته ساحة مدرسة في بلدة سيلة الظهر جنوب مدينة جنين شمال الضفة الغربية ولاحق طلبة داخلها مشهراً سلاحه مسبباً حالاً من الذعر.

تراكم تلك الأحداث المتفرقة في الضفة الغربية خلال الآونة الأخيرة وفق محللين لا تدع مجالاً للشك في أنها تحولت الى نمط متكرر يحمل طابعاً أكثر تنظيماً وجرأة من قبل المستوطنيين، كيف لا وقد وصلت الحال في بعضهم إلى الإعلان صراحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن نواياهم لطرد الفلسطينيين وإثارة المواجهات، بل إرسال دعوات تشجع آخرين على الانضمام، مما أكدته توثيقات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أخيراً حين قالت إن الهجمات التي تشمل الحرق والاعتداءات الجسدية والتخريب والسرقة، أصبحت شبه يومية للمستوطنيين، في الضفة الغربية بمعدل يقارب سبع هجمات يومياً.

وبحسب البيانات الحقوقية الرسمية المحلية والدولية، فقد قتل بالضفة الغربية بين أواخر فبراير (شباط) ونهاية أبريل (نيسان) الماضيين ما لا يقل عن 13 فلسطينياً بهجمات مرتبطة بالمستوطنين، وجرح المئات، فيما أُجبر أكثر من 600 شخص على مغادرة منازلهم.

ووفقاً لسجلات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن اعتداءات المستوطنيين في الضفة التي تشهد تصاعداً غير مسبوق ارتفعت 25 في المئة عن العام الماضي الذي سجل أكثر من 840 جريمة، بزيادة حادة شملت هجمات مسلحة وإحراق ممتلكات وتهجير تجمعات بدوية، في حين وثقت منظمة التعاون الإسلامي بين أعوام 2020-2025 نحو 10439 اعتداء من قبل المستوطنين شملت اقتلاع أشجار وسرقة مواشٍ واقتحام بلدات.

وبحسب تقارير حقوقية، فإن تقاعس الجيش الإسرائيلي عن التدخل، ومشاركته أحياناً في تلك الاعتداءات، مع عدم تقديم لوائح اتهام في أكثر من 90 في المئة من الحالات، زاد من احتمالات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية وقد يؤدي إلى خلق واقع معقد، يضغط على الفلسطينيين لإخلاء أراضيهم.

دعم وتمويل

وفي ظل انشغال المجتمع الدولي بالحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وتصاعد الدعوات الدولية خصوصاً من أوروبا والولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة إلى وقف ما يوصف بـ"عنف المستوطنين" مع فرض عقوبات على بعض المتورطين، أقرّ الصندوق القومي اليهودي ("كيرن كييمت ليسرائيل" – "كاكال") بأنه موّل برامج نفذت في بؤر استيطانية زراعية في الضفة الغربية استخدمت لاستقدام شبان والاستيطان فيها، ضمن أنشطة تأهيلية وتعليمية أكدت أنها أسهمت في نزع ملكية الفلسطينيين عن أراضيهم، مع معطيات تظهر ارتباط هذه البرامج باعتداءات وتوسيع الوجود الاستيطاني في الضفة.

 

 

وبحسب المعطيات التي نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية موّل الصندوق برامج تدريب مهني لشبان في تلك البؤر عام 2021، بموازنة خّص لها نحو 4.7 مليون شيكل (1.5 مليون دولار)، إلا أن عدداً من المستوطنيين لم يغادروها بعد انتهاء البرامج، بل استوطنوا فيها وشاركوا لاحقاً في اعتداءات على فلسطينيين، كان من بينهم أعضاء من منظمة "أرتسنو" الاستيطانية والمجلس الاستيطاني "ماتيه بنيامين" الذي تقع ضمن نطاقه بؤر عدة.

وقدم الصندوق خلال عامي 2023 و2024 تمويلاً لبؤرة استيطانية عشوائية لشبان حريديين (متشددين دينياً) قرب أريحا بنحو 900 ألف شيكل (300 ألف دولار) على رغم أنها صنفت "بؤرة عنيفة"، وفق تقارير حقوقية.

وأكد رئيس "كاكال" إيال أوسترينسكي في حديثه إلى الصحيفة أن هذه البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية التي مولت ودعمت من قبل الصندوق أقيمت بدعم من وزير المالية والوزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك (الصهيونية الدينية).

وعلى رغم أن أوسترينسكي أكد عدم استئناف الدعم إلا في حالات محدودة تؤكد أنها "تعليمية بحتة"، فإن تقارير حقوقية عدة أشارت إلى أن تمويل "كاكال" التي تأسست عام 1901 لشراء وتطوير الأراضي في فلسطين للاستيطان اليهودي، أصبحت تشكل مورداً حيوياً يساعد في إبقائهم ضمن تلك المواقع ويحفز وصول شبانٍ آخرين، خصوصاً بعد أن أعلن رسمياً عام 2021 عن تغيير سياسته لتشمل شراء الأراضي في مناطق الضفة الغربية كافة وخصص موازنة أولية لهذا الغرض، حددها بـ1.2 مليار دولار.

التفاف قانوني

وعلى رغم أن الكنيست الإسرائيلي صادق عام 1954 على قانون يحدد منطقة نشاط وعمل الصندوق القومي اليهودي، وحصره في المناطق والأراضي الخاضعة للقوانين والسيادة الإسرائيلية لتجنبه أية ملاحقة قضائية دولية، عُد نشاط الصندوق في الضفة الغربية مخالفاً للقانون الإسرائيلي والقانون الدولي الذي يعتبر الضفة بما في ذلك القدس الشرقية خارج دولة إسرائيل.

ووفق تحريات منظمة "السلام الآن" اليسارية الإسرائيلية، فقد نجح "كيرن كييمت" في إنشاء شركة تحمل اسم "هيمانوتا"، للالتفاف على القيود المؤسسية والقانونية، تمكن من خلالها بين أعوام 1967 و2020، شراء ما لا يقل عن 65 مليون متر مربع من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية عبر وسطاء وهميين، وأقام عدداً كبيراً من المستوطنات على تلك الأراضي، من بينها مستوطنات "إيتمار" و"ألفي منشيه" و"عيناف" و"كدوميم" و"جفعات زئيف" و"بيت ياتير" و"عتنئيل".

وأكد تقرير للمنظمة التي تعمل في مجال حقوق الإنسان، أن الصندوق تولى دوراً محورياً ومهماً في النشاط الاستيطاني منذ عام 1967، عبر الاستحواذ على الأراضي وتمويل مشاريع المستوطنات بمختلف أنواعها. وبين أعوام 2021 و2023 خصص الصندوق نحو مليون دولار لمشروع دعم المستوطنين الشباب الذين تركوا التعليم، ويقيمون في بؤر استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية.

نقطة تحول

ومنذ نشأته في أواخر القرن الـ 19، شكّل الصندوق نقطة تحول جوهرية في تاريخ الحركة الصهيونية، ولم يكُن عالم الرياضيات الروسي تسفي هرمان شابيرا على علم بأن صندوق التبرعات الذي كان يطالب به منذ عام 1884، بهدف امتلاك الأراضي في فلسطين التي كانت تحت الحكم العثماني، لتوطين اليهود فيها وإقامة المستوطنات اليهودية، أصبح اليوم بعد أكثر من 120 عاماً، يحقق دخلاً سنوياً يقارب 3 مليارات دولار، ناهيك عن جمعه تبرعات ضخمة عبر آلاف المكاتب التي يملكها في أكثر من 50 دولة، باعتباره "مؤسسة خيرية بيئية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وما إن تبنى المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1901، في بال بسويسرا قرار إنشاء صندوق قومي يهودي، حتى أصبح الصندوق أزرق اللون الذي يحمل شكل خريطة فلسطين التاريخية رمزاً للوطن القومي "للشعب اليهودي"، ووزعت ملايين النسخ منه حول العالم.

وتظهر البيانات الرسمية الإسرائيلية أن أنشطة الصندوق حتى عام النكبة 1948 تمكنت من الاستحواذ على أراضٍ مساحتها 933 مليون متر مربع من أصل مليار و734 ألف متر مربع كان يملكها اليهود في فلسطين آنذاك، والتي تساوي 6.6 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 26 مليار و305 آلاف متر مربع. وبموجب القانون الذي سنه الكنيست الإسرائيلي عام 1953 تم الاعتراف بالصندوق القومي اليهودي رسمياً مالكاً للأرض نيابة عن الدولة، ومنح صلاحيات سلطة عامة وامتيازات مالية من بينها خفض الضرائب، مع بقائه مستقلاً غير مدمج في هياكل الدولة.

وبحسب السجلات الرسمية الإسرائيلية الحالية، يمتلك الصندوق اليوم نحو 13 في المئة من الأراضي داخل إسرائيل والتي تُعد ملكاً أبدياً لليهود لا يجوز بيعها أو التصرف بها مع السماح بتأجيرها واستصلاحها وتشجيرها، وتوطين المهاجرين الجدد فيها وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية لهم، مع توفير فرص عمل لائقة.

وعام 1961 وبعد توقيع اتفاق تعاون مع الصندوق، تولت سلطة أراضي إسرائيل مهمة إدارة أراضي الصندوق القومي اليهودي في إسرائيل وبدأت بسياسة التشجير وإنشاء الغابات والحدائق أو إقامة المستوطنات وتوسيعها لمنع التمدد الجغرافي للفلسطينيين في مختلف المناطق بصورة حضرية وبيئية، ولا سيما في الجليل ومنطقة النقب، حيث يجبر البدو الفلسطينيين هناك على إخلاء قراهم لأغراض استيطانية وبيئية.

منظمة خضراء

لعقود روّج الصندوق القومي اليهودي نفسه حول العالم باعتباره منظمة خضراء، تزرع الأشجار لمحاربة التغيير المناخي وتحول الصحاري إلى غابات، حتى نجح خلال 100 عام من نشأته، بزرع 250 مليون شجرة وبناء أكثر من 200 سد وخزان، وسيطر على أكثر من مليار و50 مليون متر مربع، أنشأ فيها أكثر من 1000 متنزه.

 

 

ووفقاً للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، فقد تولى الصندوق القومي اليهودي على عاتقه قبل أعوام تنفيذ خطة "إعادة توطين دولة إسرائيل 2040"، الرامية الى ترحيل الفلسطينيين البدو من صحراء النقب، وإسكان مليون مستوطن مكانهم، إضافة إلى إسكان نصف مليون مستوطن في الجليل، وعقد تحالفات مع الحكومة الإسرائيلية والجيش وجهات أكاديمية إسرائيلية وقطاعات تجارية إسرائيلية وعالمية لتحقيق الخطة، معلناً نيته إنشاء 750 شركة واستقطاب 150 ألف يهودي في العالم لتحويل الجليل والنقب إلى منطقتين صناعيتين لتعليم التكنولوجيا المتطورة.

أبعاد دبلوماسية

تورط الصندوق القومي اليهودي في الاستيلاء والاستيطان على أراضٍ في الضفة الغربية خلال الأعوام الأخيرة، وكشف عن علاقته مع كل من شركة "هيمانوتا" "و"منظمة إلعاد" (منظمة إسرائيلية تتولى مسؤولية الاستيلاء على البيوت والعقارات الفلسطينية في أحياء القدس الشرقية المختلفة، بخاصة وادي حلوة وسلوان) دفع الحكومة الكندية عام 2024 إلى سحب صفة "المؤسسة الخيرية" من الصندوق، بعدما كشفت تحقيقات عن أن الصندوق يستخدم تبرعات معفاة من الضرائب لدعم البنية التحتية العسكرية للجيش الإسرائيلي، مما يخالف القوانين الكندية التي تمنع دعم الجيوش الأجنبية.

وأدت هذه التطورات إلى تصعيد الضغوط والمطالبات في بريطانيا لإلغاء الصفة الخيرية عن الفرع البريطاني للصندوق القومي اليهودي، بسبب تورطه في دعم المستوطنات والتهجير في الأراضي الفلسطينية، في حين يواجه في الولايات المتحدة الأميركية ضغوطاً قانونية وشعبية من حركة "أوقفوا الصندوق القومي اليهودي" التي تؤكد أن التبرعات التي يجمعها الصندوق تحت مسمى "أعمال خيرية"، يجري توجيهها لتمويل مشاريع استيطانية وبناء بؤر استيطانية ودعم البنية التحتية للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس.

ووفقاً لمحللين، فإن ظاهرة تفاقم اعتداءات المستوطنيين في الضفة الغربية نتيجة الدعم والتمويل، لم تعُد تعتبر في إسرائيل ملفاً أمنياً داخلياً وحسب، بل باتت تحمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية متزايدة، وضعت الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة معقدة، فمقابل ضغوطات أطراف يمينية تطالب بإطلاق يد المستوطنين في الضفة الغربية، هناك ضغوط خارجية متزايدة تطالب بخطوات حازمة لاحتواء التصعيد، تتزامن مع تحذير جهات داخل المؤسستين الأمنية والسياسية من تداعيات استمرار هذا النهج، سواء على مستوى الاستقرار الميداني أو العلاقات الدولية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير