Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة افتراضية بين "ناسا" وماسك ميدانها الفضاء

يُعدّ التزود بالوقود في المدار الأرضي المنخفض أحد أكبر التحديات التي تواجه الخطة الحالية لرحلة "أرتيمس" نحو القمر

ظهرت فكرة استخدام مركبات "ستارشيب الاستهلاكية" بوصفها حلاً وسطياً (سبيس إكس)

ملخص

ترجيحات أن شركة "سبيس إكس" لن تكون راضية عن الحل الأول المطروح هنا، وهو استخدام مركبات "ستارشيب الاستهلاكية"، فيما "ناسا" لن تكون راضية عن الحل الثاني، وهو تحميل الطاقم قبل تزويد المركبة بالوقود.

توصف رحلة أرتيمس الملحمية إلى القمر بكونها رحلة تتميز بتعدّد الشَراكات، خصوصاً الشراكة بين الفضاء الأميركي التجاري والحكومي. لكنّ ذلك جعلها أيضاً رحلة معقدة. فجميع الأطراف الرئيسة فيها وهي "ناسا" و"سبيس إكس" و"بلو أوريجين" تريد الإدلاء بدلوها في كل مرحلة من مراحل الرحلة، بل وتسيير الرحلة وفق مصالحها الشخصية وأهوائها. وفي هذا السياق، تجدّد أخيراً النزاع القديم بين "ناسا" بزعامتها الحالية تحت رئاسة جاريد إيزاكمان وبين "سبيس إكس" التي يمتلكها إيلون ماسك. أما سبب النزاع فهو تضارب حقيقي في المصالح، إذ تريد "ناسا" رحلة سلسة وآمنة إلى القمر، فيما يريد ماسك صناعة تاريخ جديد لمركبته الضخمة "ستارشيب" وبأي ثمن.

ما هي ستارشيب؟

ستكون "ستارشيب" التابعة لإيلون ماسك أكبر مركبة فضائية مأهولة تهبط على سطح القمر بفارق كبير عن غيرها من مركبات الفضاء في العالم، بما في ذلك مركبة "أوريون" التي خاضت فيها "ناسا" رحلة "أرتيمس 2".

وتهدف شركة "سبيس إكس" من رحلة "أرتيمس" الملحمية إلى القمر إلى إطلاق مليون طن من الحمولة إلى المدار سنوياً، معظمها من الوقود الدافع. ووفق خبراء فضاء، فإن ملء مستودع تخزين الرحلة بالوقود يتطلب ما بين 20 إلى 40 عملية إطلاق لمركبات التزوّد بالوقود. وهذا عدد إطلاقات شهري خيالي لم تصل إليه أية شركة فضاء في العالم حتى الآن، ولا حتى "سبيس إكس" ذاتها. ويقدر الخبراء أيضاً أنه لو وصل عدد الإطلاقات اليومية إلى رقم واقعي يتراوح بين 12 إلى 20 رحلة للتزود بالوقود، فإن هذا يظل عدداً كبيراً من عمليات الإطلاق أيضاً. إلا أنه ليس من المستبعد أن تتمكن شركة "سبيس إكس"، التي تُطلق حالياً ثلاثة صواريخ "فالكون" أسبوعياً، من إطلاق 12 مركبة "ستار شيب" أو أكثر شهرياً في المستقبل القريب.

من جهة ثانية، يرى الخبراء أنه، وفي مهمات "أرتميس" المُبكرة، "هناك طريقة بسيطة نسبياً لتقليل عدد عمليات إطلاق مركبات التزود بالوقود من دون الاضطرار لتعديل ‘ستارشيب‘". إذ يمكن لشركة "سبيس إكس" استخدام مركبات "ستار شيب الاستهلاكية" بدلاً من هبوطها وإعادة استخدامها مرة ثانية.

تصميم افتراضي

ضمن هذا السياق، ظهرت فكرة استخدام مركبات "ستارشيب الاستهلاكية" من جديد، وهي فكرة تُرضي "ناسا" ولكنها لا تحقق طموحات ماسك. وإذا أصرّت "سبيس إكس" على عدم استخدام مركبات استهلاكية من "ستارشيب"، فعليها الوصول إلى تصميم افتراضي مثالي للمركبة. وهذا يتطلب إجراء تعديلات جوهرية على المركبة التي تعد أضخم مركبات الفضاء في العالم اليوم.

مشكلة التصميم الجديد

لكن مشكلة هذا التصميم أو أي تصميم مطروح حتى الآن من قبل مهندسي "سبيس إكس"، أنه وباختصار يجب أن يخضع لمواصفات "ناسا" التي تظهر بالنسبة لماسك كمن يضع "العُقدة أمام المنشار". فـ"ناسا" باختصار تدفع "سبيس إكس" إلى استخدام نموذج استهلاكي من "ستارشيب" لا ترغب هي فيه. إذ يرفض أثرى رجل في العالم ومالك "سبيس إكس" الملياردير الأميركي إيلون ماسك أي تغيير "يناقض نهجه التاريخي"، ولا يُحقق إرثه الذي يَعتز به كثيراً في مجال صناعة الفضاء التجاري والقائم على استخدام الصواريخ الفضائية لأكثر من مرة واحدة.

ملاحظات "ناسا"

ومن أجل ملاءمة مركبة ماسك لشروط وملاحظات "ناسا"، يجب على "سبيس إكس" أن تقوم بتغييرات عدة على مركباتها وخطتها. ويمكن حصر التغييرات المطلوبة من "ستارشيب" قبل موعد "أرتيمس" المقبل نهاية عام 2027، في أمرين لا ثالث لهما حتى الآن. الأول هو إجراء تعديلات هيكلية على "ستارشيب" لتقليل عدد إطلاق الصواريخ وإعادة استخدامها، أما الأمر الثاني فهو أن تحل الشركة الرائدة بأسرع وقت ممكن معضلة التزود بالوقود في المدار، بما يضمن رحلة سريعة وآمنة لرواد "ناسا" وطاقمها.

معضلة التزود بالوقود

ويُعدّ التزود بالوقود في المدار الأرضي المنخفض أحد أكبر التحديات التي تواجه الخطة الحالية لرحلة "أرتيمس" نحو القمر. إذ يتعين على شركة "سبيس إكس" إطلاق نسخة من مركبة "ستار شيب" تكون بمثابة "مستودع" للوقود، ثم تزويدها بالوقود من خلال مركبة "ستار شيب الناقلة"، وبمجرد امتلاء هذا المستودع، تطلق "سبيس إكس" نسخة "الهبوط القمري" من "ستارشيب"، وتُزوّد أيضاً بالوقود، ثم تنطلق إلى مدار القمر. وهناك تنتظر "ستارشيب" طاقم رواد الفضاء على متن مركبة "أوريون" للهبوط بهم على سطح القمر، ثم يكون عليها إعادتهم إلى مداره من جديد في رحلة العودة. ويرى مراقبون كثر أن خطة "سبيس إكس" هذه طموحة جداً ومعقدة كثيراً، وقد تكون لها تداعيات خطيرة على طاقم "أرتيمس".

مسألة رفض مركبات "ستارشيب" الاستهلاكية

في ضوء هذا التضارب، ظهرت فكرة استخدام مركبات "ستارشيب الاستهلاكية" بوصفها حلاً وسطياً. وهي تعني أن يكون إطلاق المركبات إلى الفضاء لمرة واحدة من دون إعادتها إلى الأرض ومن دون معاودة استخدامها في إطلاقات جديدة. وفي هذا الشأن، تعتقد "سبيس إكس" ببساطة أن هذه الفكرة "عبثية وإضاعة للوقت". فصواريخ الإطلاق الواحد باتت فكرة بدائية، لذلك تقول الشركة بإصرار: "لقد ولّى ذلك العصر من دون رجعة". فـ"سبيس إكس" تنظر أبعد من الطيران والفضاء الأميركي الحكومي، وتريد تعديل "ستارشيب" لإحداث نقلة نوعية في صناعة إطلاق المركبات الفضائية. فيما تكمن المشكلة في صعوبة إيجاد خيارات ترضي كلاً من "ناسا" و"سبيس إكس" معاً. وفي هذا السياق، أكدت "سبيس إكس" أنه بمجرد ترسيخ عمليات "ستارشيب" وإجراء التعديلات المطلوبة على المركبة وصولاً إلى التصميم الافتراضي المثالي، لن يمثل إطلاق عشرات الصواريخ شهرياً مشكلة كبيرة لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصميم مبسط

في السياق ذاته، كتب الصحافي الأميركي المتخصص في مجال الفضاء الأميركي إريك بيرغر، والمعروف بكونه مقرباً من إيلون ماسك مقالاً بعنوان: "كيف سيبدو تصميم مبسط لمركبة ستارشيب إلى القمر؟"، أكد فيه أن المشكلة تكمن فعلاً في صعوبة إيجاد خيارات ترضي كلاً من "ناسا" و"سبيس إكس". وفي سبيل تبسيط الأمر للقارئ، بدأ بيرغر مقالته انطلاقاً من نقطة تاريخية في هذا النزاع، والتي أعادنا فيها إلى زمن رئيس "ناسا" الموقت السابق الوزير في حكومة ترمب شون دافي. وقال بيرغر في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025: "في خطوة يرجح أن تكون الأهم له كرئيس موقت لوكالة ناسا، صرح شون دافي الشهر الماضي أن الوكالة ستفتح باب المنافسة لتطوير مركبة هبوط قمرية تُنزل رواد فضاء على سطح القمر". ومن المعروف أنه وفي إطار هذه الخطوة، طلب دافي من شركتي "سبيس إكس" و"بلو أوريجين"، المتعاقدتين مع "ناسا"، تقديم خطط "أكثر مرونة" لتطوير مركبة الهبوط القمرية. فيما لم تفصح أي من الشركتين عن تفاصيل هذه الخطط علناً، لكن تحديثاً من "سبيس إكس" أشار أخيراً إلى نسخة مبسطة من نظام "ستارشيب" الذي تعمل على تطويره لمساعدة "ناسا" في إعادة البشر إلى القمر.

رد من "سبيس إكس"

ووفق بيرغر، ردت "سبيس إكس" على هذا الطلب حينها بالقول: "منذ توقيع العقد، كنا على تواصل دائم مع ناسا نظراً لتغير متطلبات مهمة أرتميس 3، وتبادلنا الأفكار حول كيفية تبسيط المهمة بما يتماشى مع الأولويات الوطنية. واستجابةً للطلبات الأخيرة، شاركنا ونجري حالياً تقييماً رسمياً لهيكلية مبسّطة للمهمة ومفهوم العمليات، نعتقد أنهما سيؤديان إلى عودة أسرع إلى القمر مع تحسين سلامة الطاقم في الوقت نفسه".

وعلى رغم ذلك، يرى بيرغر أنه من الصعب الجزم بشكل تصميم "ستارشيب المبسّط"، "لكن ثمة أفكاراً مثيرة للاهتمام مطروحة من قبل الشركة لتحقيق ذلك". وفي مقالته، وضع بيرغر بعض الافتراضات المتخيلة لمركبة "ستارشيب" الجديدة. فهو يرى أن أية محاولة لتقصير مدة مهمة "أرتميس 3"، "يجب ألا تتضمن تغييرات جوهرية في المكونات المادية لستارشيب". وهذا يستبعد تصميم نسخة مصغّرة من مركبة ماسك الضخمة، ولكنه سوف يتطلب "إعادة تصميم جذرية لأجزاء المركبة الداخلية". وباختصار، يرى بيرغر أنه "يجب أن تستخدم أية خطة جديدة لستارشيب مكونات موجودة في شكل وهيكل المركبة الحاليين". ويضيف "بالنسبة لشركة سبيس إكس، سنفترض أن التبسيط يعني عدم العمل مباشرة مع مقاولين آخرين غير المشاركين بالفعل في أرتميس 3".

توقعات

من الواضح أن الصحافي بيرغر الذي وصفه إيلون ماسك بكونه الأكثر دقة في تحليلاته ومعلوماته وأخباره عن الفضاء الأميركي، يتوقع أن يستخدم إيلون ماسك أكثر من حيلة واحدة للخروج من هذا الإشكال مع "ناسا". وعلى سبيل المثال لا الحصر، طرح ماسك سابقاً حلاً لمشكلة التزود بالوقود، ولكن من المرجح أن ينظر إلى هذا الحل على أنه خطير من قبل فريق السلامة في "ناسا"، نظراً لأن حل ماسك يقوم على التزود بالوقود في مدار قمري مع وجود طاقم على متنها. وهنا يروي بيرغر قصة تبين خطورة هذه الفكرة فيقول: "قبل عقد من الزمن، عندما اقترحت شركة سبيس إكس تزويد مركبة فالكون 9 بالوقود على الأرض مع وجود رواد فضاء على متنها، وهو إجراء يعرف باسم (التحميل والانطلاق)، ثار المهندسون المسؤولون عن سلامة الطاقم غضباً. وقال لي فيل ماكاليستر، رئيس قسم رحلات الفضاء التجارية في ناسا آنذاك: عندما أتت إلينا سبيس إكس وقالت إنها تريد تحميل الطاقم أولاً، ثم الوقود، ثارت ثائرة فريق السلامة لدينا".

ويضيف فيل ماكاليستر: "الأمر خطير للغاية، إذ كان من المتعارف عليه تحميل الوقود أولاً حتى يستقر حرارياً. فعملية التزويد بالوقود عملية ديناميكية للغاية، حيث يصدر عن المركبة أصوات فرقعة وأزيز مرعبة. وقد عارضت جهات السلامة لدينا هذا الأمر بشدة". وبناء عليه، فإن بيرغر يرجّح أن شركة "سبيس إكس" لن تكون راضية عن الحل الأول المطروح هنا، وهو استخدام مركبات "ستارشيب الاستهلاكية"، فيما "ناسا" لن تكون راضية عن الحل الثاني، وهو تحميل الطاقم قبل تزويد المركبة بالوقود.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم