Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أرواح أهالي البصرة صيد سهل لملايين الألغام التي خلفتها الحروب...ولا خلاص قريباً

انصراف الاهتمام الحكومي عن هذه المشكلة الخطيرة وعدم إنصاف الضحايا

ألغام جمعتها مفرزة عسكرية لغرض إتلافها (الارشيف الشخصي لمراسل "إندبندنت عربية")

16 عاماً مضت على آخر حرب دارت رحاها في محافظة البصرة التي ما زالت أراضيها متخمة بملايين الألغام والقذائف التي تسببت في غضون الأعوام الماضية بإزهاق أرواح، وإعاقة آلاف العراقيين، فالبصرة التي تشتهر عالمياً بوصفها مدينة نفطية تكثر فيها الأنهار، وغابات النخيل، ولها إرث أدبي حافل بالإبداع، هي من جانب آخر، المدينة الأكثر تلوثاً على مستوى العالم بالألغام والمقذوفات الحربية.

24 قتيلاً وجريحاً خلال شهرين

في وسائل الإعلام المحلية، تبدو الأنباء المتعلقة بانفجار ألغام وقنابل عنقودية بمواطنين في مستوى رتابة حوادث السير على الطرقات، فهي لكثرتها، من الأحداث التقليدية الشائعة في البصرة، لا سيما أن التقديرات تشير إلى وجود لغم تحت الأرض لكل فرد في المحافظة التي يعيش فيها ما لا يقل عن أربعة ملايين نسمة.

وقال مدير المركز الإقليمي لشؤون الألغام في جنوب العراق نبراس فاخر في حديث إلى "إندبندنت عربية" "الألغام والقنابل العنقودية التي خلفتها الحروب أسفرت عن مقتل وإصابة 24 مدنياً في البصرة خلال الشهرين الماضيين، أكثرهم من رعاة الأغنام والباحثين عن الكمأ (الفطر البري) في مناطق حدودية"، مبيناً أن "المركز شارك خلال عام 2014 في تنفيذ مسح لإحصاء عدد القتلى والمصابين نتيجة حوادث الألغام، إلا أن المسح توقف لأسباب مالية قبل إنجازه، وخلال مراحله الأولى، تم تسجيل خمسة آلاف حالة وفاة وإعاقة". ولفت فاخر إلى أن "الألغام والمقذوفات الحربية في البصرة تنتشر على مساحة شاسعة لا تقل من مليار متر مربع"، مضيفاً أن "أكثرها يوجد في قضاء الفاو المطل على الخليج، وقضاء الزبير الذي يشترك بحدوده الإدارية مع الحدود الدولية للعراق مع الكويت، وقضاء شط العرب المتاخم للحدود العراقية الإيرانية"

خطوات بطيئة وإمكانات محدودة

وأكد فاخر أن "جهود إزالة الألغام وإتلافها مستمرة بوتيرة متصاعدة، لكنها دون مستوى طموحنا بسبب ضعف الإمكانات ومحدودية الموارد المتاحة"، معتبراً أن "تطهير أراضي المحافظة في شكل كامل من الألغام يتطلب تخصيص أموال كافية من قبل وزارة المالية، وحضّ الدول الصديقة على المساهمة في تمويل مشاريع من هذا النوع، ودعوة منظمات أجنبية متخصصة في إزالة الألغام إلى العمل في المحافظة، فضلاً عن إعادة كتيبة الهندسة العسكرية التي كانت تعمل في البصرة ورحلت إلى محافظة الأنبار خلال مرحلة الحرب ضد (داعش)، ولم تعد بعد هزيمة التنظيم".

وبينما تتجه الأنظار إلى مديرية الدفاع المدني في البصرة، فإن مديرها العقيد تحسين علي ساري يقول "المديرية عالجت وأتلفت خلال الأعوام القليلة الماضية كميات هائلة من المتساقطات الحربية القديمة من صواريخ وقذائف في مناطق مختلفة من المحافظة، أما معالجة الألغام فهي من اختصاص مديرية الهندسة العسكرية في وزارة الدفاع"، موضحاً أن "قانون الدفاع المدني الذي شرّعه مجلس النواب عام 2013 لا يخوّل مديريتنا التدخل في قضية الألغام، إذ قيّدنا القانون بالتعامل مع المتساقطات الحربية فقط".

ووفق مصدر حكومي في البصرة ارتأى عدم نشر اسمه، فإن "قيادة عمليات البصرة، تضم سرية للهندسة العسكرية من واجباتها إزالة الألغام وإتلافها"، موضحاً أن "السرية فيها ضباط ذوو خبرة، لكنها تفتقر إلى الإمكانات المادية التي تمكّنها من ممارسة أعمالها بكفاءة، ولذلك تضطر الشركات النفطية العاملة في المحافظة إلى التعاقد بملايين الدولارات مع شركات ومنظمات أهلية متخصصة في معالجة الألغام من أجل تهيئة أراض لحفر آبار ومد خطوط أنابيب نفطية".

معاناة إنسانية وحقوق ضائعة

من بين قرى قضاء شط العرب الواقع شرق المحافظة، ثمة قرية تدعى (قرية البتران) لكثرة من بترت أطرافهم من سكانها، فالقرية تحاصرها حقول ألغام خلفتها حرب الخليج الأولى (1980 - 1988)، وفي القضاء نفسه، توجد منطقة ناحية عتبة التي هجرها سكانها مع بداية الحرب، ولم يتمكنوا من العودة، لأن بساتينهم التي كانت قبل الحرب عامرة بالنخيل وأشجار السدر، هي اليوم أراض قاحلة تحوي آلاف الألغام والقذائف، وأصدر مجلس محافظة البصرة أواخر العام المنصرم قراراً بإعادة تأسيس الناحية تمهيداً لتنظيفها من الألغام ودعوة سكانها إلى العودة، إلا أن القرار لم يترجم بعد إلى خطوات عملية على أرض الواقع.

ويرى مدير مكتب المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان مهدي التميمي أن "الألغام والقنابل العنقودية في البصرة هي مصدر تهديد حتى للأجيال المقبلة لأن أكثر أنواع الألغام لا يتعطل أو يتلف بالتقادم، ومنها نوع مغلف بمادة بلاستيكية يبقى فعالاً لخمسة قرون"، مبيناً أن "الألغام في حاجة إلى حملة وطنية كبرى لإزالتها، وما يدعونا إلى القلق هو انصراف الاهتمام الحكومي عن هذه المشكلة الخطيرة، وعدم إنصاف الضحايا". وأشار التميمي إلى أن "قانون تعويض ضحايا الإرهاب والمتضررين من العمليات الحربية والأخطاء العسكرية الذي شرعه مجلس النواب عام 2009، لا يشمل الذين تعرضوا إلى حوادث انفجار ألغام من مخلّفات الحروب التي حصلت قبل إسقاط نظام الحكم السابق عام 2003"، معتبراً أن "هذه الثغرة تستدعي من مجلس النواب تعديل القانون أو تشريع قانون آخر لإنصاف ضحايا الألغام، من حيث تعويض عوائل القتلى وتوفير رعاية طبية وتسهيلات معيشية للمعاقين".

وبكثير من الأسى والتعاطف والغضب، تداول عراقيون قبل أسابيع، مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي تم تصويره بهاتف نقال، لامرأة أربعينية كانت تنتحب وهي تعاين جثث أبنائها الثلاثة الذين لقوا مصرعهم بانفجار لغم في منطقة صحراوية كانوا يتجولون فيها بحثاً عن الكمأ، وفي ظل غياب الحلول الإستراتيجية لمشكلة الألغام في البصرة، فإن فصول المأساة لم تكتمل، ومن المحتمل أن تحمل الأيام مستقبلاً، المزيد من مشاهد الموت بشظايا الألغام.