Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعثر المفاوضات الأميركية – الإيرانية

لا تزال المواقف متباعدة بصورة جوهرية حول مسألة محورية واحدة: هل ينبغي أن يبقى النظام الإيراني قائماً أم لا؟

أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتصريحات مختلفة في شأن تغيير النظام بإيران (اندبندنت عربية)

ملخص

إن احتمالات تغيير النظام تتزايد، حتى من دون وجود قوات أميركية على الأرض، ففي نهاية المطاف، لا بد من أن يتولى الإيرانيون بأنفسهم زمام مصيرهم. لا أحد يستطيع أن يهديهم حريتهم، عليهم أن يكونوا مستعدين لانتزاعها بأيديهم.

يبدو أن مساعي باكستان إلى إطلاق مفاوضات بناءة بين إيران والولايات المتحدة لم تنجح بعد، مع تضاؤل آفاق إحراز أي تقدم، فبعد أسابيع من الوساطة لا تزال مواقف الأطراف متباعدة بصورة جوهرية حول مسألة محورية واحدة: هل ينبغي أن يبقى النظام الإيراني قائماً أم لا؟

خلال الفترة الأخيرة، أدلى دونالد ترمب بتصريحات مختلفة في شأن تغيير النظام في إيران، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، حثّ المواطنين الإيرانيين قائلاً "أمسكوا زمام المبادرة، وسيطروا على مؤسساتكم"، ثم عاد ليقول إنه حقق تغييراً في النظام، لأن قادة طهران الذين قُتلوا خلال الهجمات الأميركية - الإسرائيلية جرى استبدالهم، على رغم أن من باتوا في السلطة في طهران اليوم يبدون أكثر تشدداً من أسلافهم، مما يفنّد الحجة القديمة القائلة إن الثورة الإيرانية ستعتدل بمرور الوقت. قيل لنا: تحلّوا بالصبر، فمع الزمن ستحصل إيران على "حكومة وسطية"، لكن الاعتدال لم يتحقق.

اليوم، يؤكد ترمب أن هاجسه الأساس يتمثل في برنامج إيران النووي. وبالاقتران مع دعم النظام للإرهاب العالمي، وتنفيذه أعمالاً إرهابية، وممارسته الابتزاز الاقتصادي عبر السيطرة على مضيق هرمز، فإن تهديده النووي لا يطاول أميركا وإسرائيل فحسب، بل يمتد إلى الشرق الأوسط العربي والعالم بأسره.

هنا تكمن المعضلة الأساسية لترمب، فمن غير المرجّح أن يقدم رجال الدين الحاكمون والحرس الثوري تنازلات جدية في شأن أهدافهم بعيدة المدى ذات الأولوية القصوى، والمتمثلة في السيطرة على الشرق الأوسط والهيمنة على العالم الإسلامي. وفي المقابل، يكرر ترمب، بما في ذلك قبل أيام، أنه هو أيضاً غير مستعد لتقديم تنازلات، قائلاً "قال لي ستيف ويتكوف إن الولايات المتحدة عرضت على إيران تزويدها بيورانيوم مخصّب لأغراض طبية مجاناً إذا تخلّت عن برنامجها النووي، من دون أن يكلفها ذلك قرشاً واحداً. وقد رفضوا العرض، مما يوحي بأنهم لا يريدون اتفاقاً، وربما لم يكن عرضاً جدياً أصلاً، لأنني لم أكن لأوافق عليه، أنا لن أعطيهم شيئاً".

الإجابة الحاسمة الوحيدة على التهديد النووي الإيراني هي القضاء على النظام، وهو هدف أُحرز حياله قدر معتبر من التقدم، فحتى قبل الحرب كان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً أزمات حادة، مما أثار احتجاجات مناهضة للنظام بشكل شبه سنوي على مدى نحو عقد. وفوق ذلك، تشير التقديرات إلى أن الهجمات الأميركية - الإسرائيلية دمّرت نحو 40 في المئة من الاقتصاد الذي كان قائماً قبل الحرب. واليوم، يخنق الحصار الأميركي الفعّال في خليج عُمان معظم عائدات إيران من النفط والغاز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويسهم التداخل المدمر لهذه العوامل الثلاثة في إحياء موجة السخط الشعبي الواسع ضد النظام، التي جرى إسكاتها بوحشية في يناير الماضي، حين ارتكبت ميليشيا الباسيج، وحتى مقاتلون إرهابيون أجانب، مجازر أودت بحياة أكثر من 40 ألف مواطن إيراني. غير أن الشعب الإيراني لا يمكن إخضاعه إلى الأبد، فـ"البازار"، أي الطبقة التجارية الحاسمة المتمركزة في طهران، التي أدت دوراً محورياً في إسقاط حكم الشاه عام 1979، التي أسهم استياؤهم في تأجيج تظاهرات ديسمبر (كانون الأول) – يناير الماضيين، تعود اليوم عاملاً مؤثراً من جديد.

إلى جانب ذلك، فإن تصفية القيادات العليا في إيران خلال الحرب، والتأثير الهائل للدمار المادي الذي خلفته، يسهمان في تفكيك تماسك النظام من الداخل، وهو شرط أساس لانهياره في نهاية المطاف. ويكرر ترمب شكواه من عدم تلقيه مقترحات جدية من طهران، بسبب تعدد فصائل رجال الدين وضباط الحرس الثوري المتنازعين في ما بينهم، ويمكن توسيع هذه الشروخ وتسريعها عبر زيادة الدعم الخارجي لمعارضي النظام داخل إيران.

وعليه، فإن احتمالات تغيير النظام تتزايد، حتى من دون وجود قوات أميركية على الأرض، ففي نهاية المطاف، لا بد من أن يتولى الإيرانيون بأنفسهم زمام مصيرهم. لا أحد يستطيع أن يهديهم حريتهم، عليهم أن يكونوا مستعدين لانتزاعها بأيديهم.

يمكن للأطراف الخارجية، كالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربية، أن تقدم للمعارضة دعماً تنظيمياً وموارد، مثل تقنيات الاتصال، والتمويل، والسلاح. وعلى المعارضين داخل إيران التركيز على توسيع الشقوق داخل قيادة النظام، والبحث عن منشقين يدركون أن سفينة المرشدين تغرق ولا يريدون الغرق معها.

ينبغي أن يُستأنف العمل العسكري من قِبل أميركا وحلفائها لفتح مضيق هرمز مع الإبقاء على الحصار المفروض على الشحن الإيراني، والانتهاء من استهداف المواقع التي بقيت حين أعلن ترمب وقف إطلاق النار قبل أسابيع. وإذا تدفقت كميات أكبر من نفط الخليج إلى الأسواق العالمية، فإن أهم أوراق الضغط المتبقية لدى إيران ستتلاشى. ويمكن ممارسة مزيد من الضغط، على سبيل المثال، عبر محاولة استعادة الجزر الثلاث، أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.

الخلاصة أن اللحظة الراهنة بالنسبة إلى ترمب وإسرائيل ودول الخليج، ليست وقت تخفيف الضغط على إيران، بل على العكس، وقت تكثيف الجهود لإسقاط النظام، وربما إفساح المجال لحكومة عسكرية غير أيديولوجية تعيد فرض النظام، وتوفر فترة انتقالية تتيح للإيرانيين تقرير شكل نظامهم الدستوري المستقبلي عبر مشاورات ونقاشات مفتوحة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء