ملخص
يواصل مهرجان ميزوبوتاميا الدولي للشعر في هولندا، الذي اختتم أمس، دوره في تقريب الحياة الثقافية العربية من المتلقي الأوروبي، والهولندي بالأساس، وفي خلق أشكال تفاعلية بين ما يكتب من شعر في العالم العربي ومثيله في بلدان أخرى.
شهد المركز الفني "أمارا" في قلب مدينة لاهاي أنشطة الدورة الثامنة من المهرجان، وشارك فيها شعراء من العالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية، وحملت الدورة الجديدة شعاراً إنسانياً هو: "مواجهة العنصرية والتمييز عبر الكلمة".
اللافت أن المهرجان يعمل على توفير منصتين واحدة للمواهب الشابة داخل مدينة لاهاي، وأخرى لشعراء من خرائط شعرية مختلفة، ويحصل على منحة من صناديق دعم الأنشطة الثقافية في هولندا.
شارك في هذه الدورة أكثر من 30 شاعراً وشاعرة من جغرافيات مختلفة من بينهم: دانييلا روزاس من الشيلي، وإلينا أزكوندو من أسبانيا، وعلي الحازمي من السعودية، وعدنان الصائغ وعبدالهادي سعدون ودلال جويد وعبدالرزاق الربيعي من العراق، ومروان علي من سوريا، ورامون هانيوتيس من الأوروغواي، ومزوار الإدريسي وعلية البوزيدي من المغرب، وويلي كليس وريك فان بوكيل وستايكام موهكام سينغ من هولندا، ورضوان العجرودي من تونس، وجمانة طراونة من الأردن.
تعتمد فلسفة مهرجان ميزوبوتاميا الدولي للشعر على إحياء الصلة بين ثقافات الشرق والثقافة الهولندية، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الأدب الهولندي استلهم كثيراً من آداب الشرق على مر التاريخ، وبصورة خاصة في القرن الـ19، إذ أسهمت هذه الآداب في تحرير الأدب الهولندي من القصيدة المبنية على اللاهوت الديني.
احتفاء بالتراث الشرقي
وفي تصريح خاص بـ"اندبندنت عربية" يقول الشاعر والمترجم العراقي محمد أمين الكرخي، رئيس هذه التظاهرة: "يعد المهرجان منصة حيوية تكسر الجمود والقيود الأيديولوجية والسياسية المتعلقة بالعالم العربي، وتتيح للأصوات الشعرية العربية تقديم صورة وتقييم للواقع من منظور فكري وقيمي مغاير لما يقدمه الإعلام الغربي، إذ تقدم القصيدة سردية قائمة على القيم الإنسانية المشتركة وليس على الانحيازات الضيقة. كما يتبنى المهرجان شعار ’الشعر في مواجهة التمييز العنصري‘ بهدف استخدام الفن كأداة لمناهضة العنصرية، ويسعى إلى بناء جسور ثقافية بين الشعوب، وإثراء المشهد الأدبي من خلال تشجيع الترجمة وتقديم الأصوات الشعرية الحداثية والمعاصرة".
وإضافة إلى القراءات الشعرية، جرى عرض عمل مسرحي لشكسبير، مع حوار مفتوح مع المسرحية البريطانية جورجينا فان ويلي. كما جرى تنظيم ورش للشباب، وكانت مخصصة للشعر والرسم والعزف على الناي. وأحيت إدارة المهرجان سهرة لموسيقى الجاز، شهدت لحظة استعادة للموسيقي الأميركي الراحل كانونبول أديرلي، إذ قدمت فرقة إريك إينكس عدداً من مقطوعاته الكلاسيكية.
وقد حملت الدورة الثامنة اسم الشاعر الفارسي الهندي بيدل الدهلوي، أحد أبرز أعلام الشعر الصوفي والفلسفي في التراث الشرقي. ويقول رئيس المهرجان عن هذا الاختيار: "يأتي اختيار بيدل الدهلوي، الذي ولد لعائلة من بلاد ما وراء النهر وترك أكثر من 16 ديواناً شعرياً، إيماناً من القائمين على المهرجان بأهمية اسمه كجسر ثقافي. تميزت حياته ومنهجه الفكري بالتسامح والحرية، إذ كان مناهضاً للتعصب ومحارباً للتمييز العنصري، وانحاز في شعره للعامة بدلاً من مدح الأمراء. أسهم إرثه في تحرير الغزل الفارسي من قيوده التقليدية، وفتح آفاق جديدة للمضامين الفلسفية. وعلى رغم غموض بعض أشعاره، إلا أنه لا يزال محط اهتمام عالمي، إذ تجوب دراساته وبحوثه أرجاء العالم وتقام على ذكره المهرجانات، ويترجم شعره إلى اللغات الحية".
تكريم خوسي ساريا
وخصص المهرجان لحظة تكريم للشاعر الإسباني المعروف خوسي ساريا، ومنحه درع المهرجان، هو الذي ألف 50 عملاً في الأدب والنقد، متأثراً بالإرث الثقافي والفكري الأندلسي.
وفي تصريح خاص بـ"اندبنت عربية" يقول الشاعر والمترجم عبدالهادي سعدون، أستاذ الأدب بجامعة مدريد المركزية: "إن الحديث عن خوسي ساريا هو استدعاء لصوت شعري وناقد عرف كيف يتجاوز الحدود، جغرافية كانت أم ثقافية، ليستقر في فضاء رحب من اللقاء الخصب بين إسبانيا والعالم العربي. شاعر، وناقد أدبي، ومؤلف في مجال الفكر، وعضو مراسل في الأكاديمية الملكية بقرطبة، تشكل شخصيته إحدى الدعائم الراسخة للحوار بين الثقافات في عصرنا الراهن".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يضيف سعدون: "إن مسيرة ساريا موسومة بإنسانية عميقة تتغلغل في إبداعه الأدبي كما في التزامه الاجتماعي وعمله المتواصل كوسيط ثقافي، فمنذ دواوينه الأولى وحتى دراساته حول الأدب الإسباني - المغاربي، كان بصره يتجه دوماً نحو الهوامش: إلى تلك الأصوات التي تبني الجسور وتتحدى الصمت. وأعماله، المترجمة إلى لغات متعددة - الإيطالية والفرنسية والعربية والإنجليزية والرومانية - هي شهادة على روح منفتحة تدرك أن الكلمة الشعرية لا تنتمي إلى أرض واحدة، بل تزهر حيثما وجدت قراء وصدى".
ويضاف إلى ذلك جهده الدؤوب في تنظيم المؤتمرات والندوات والملتقيات، التي قربت الجامعات ومعاهد ثربانتس والمنتديات الثقافية في إسبانيا والمغرب وتونس. فمن غرناطة إلى طنجة، ومن قرطبة إلى فاس، دوى صوته كوسيط حقيقي، قادر على أن يجعل الإسبانية جسراً، والشعر فضاء مشتركاً. ومشاركته في معارض الكتب الدولية واللقاءات الأكاديمية عززت هذا الحضور كعقل ملتزم بفهم متبادل، مؤمناً بأن الثقافة هي الطريق الأمتن إلى السلام والاحترام.