ملخص
لا تقتصر الأزمة على بعد المسافة بين القرية والمدينة حيث يمكن للتلميذ متابعة دراسته الثانوية أو العليا، بل تمتد لتشمل غياب العدالة في توزيع الموارد والكفاءات التدريسية، مما يجعل حلم الاستمرار في الدراسة بعيد المنال لتلاميذ المناطق النائية.
يسند حكيم، يافع في ربيعه الـ14، ظهره إلى أحد جدران الحي الفقير الذي يقطنه في قرية بضواحي مدينة تمارة المغربية، يراقب ذهاب وإياب تلاميذ صغار إلى المدرسة الابتدائية الموجودة في الحي، متأسفاً على مغادرته العام الماضي مقاعد الدراسة.
حكيم هو واحد من 280 ألف تلميذ غادروا مقاعد الدراسة خلال عام 2025، وفق ما كشف عنه التقرير السنوي الأخير الصادر عن منظمة "اليونيسيف فرع المغرب"، مما يبرز استمرار آفة "الهدر المدرسي" التي تتحدى نجاعة المنظومة التعليمية في البلاد.
ويرى متخصصون تربويون أن قرار مغادرة المتعلم للمدرسة لا يأتي فجائياً، بل يُبنى تدريجاً تحت ضغط تراكم أسباب متداخلة. كذلك يعد هذا الهدر المدرسي آلية صامتة لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية، فتظل الفئات المعوزة الأكثر عرضة لهذا الإقصاء.
"إقصاء جغرافي"
غادر التلميذ حكيم مقاعد مدرسته الإعدادية في نهاية الموسم الدراسي الماضي، ولم يلتحق هذا العام بالمؤسسة الثانوية التي كان من المفترض أن يكمل فيها دراسته، لأسباب مختلفة ومتشابكة، أوجزها التلميذ في كلمتين اثنتين هما "البعد والحاجة".
ويشرح المراهق الذي لا يزال في قرارة نفسه متلهفاً لمتابعة دراسته مثل باقي أقرانه، أن المدرسة الثانوية تبعد كيلومترات عدة من البلدة حيث يقطن، مما اضطره إما إلى استعمال مختلف وسائل النقل مثل الحافلة وسيارات الأجرة ذات الحجم الكبير التي تربط بين القرى والمدن، أو شراء دراجة هوائية توصله إلى مدرسته.
وأكمل التلميذ السابق أنه في الحالين معاً، وجد نفسه عاجزاً عن تحقيق هذه الغاية. فالتنقل اليومي عبر وسائل النقل المختلفة يتطلب موازنة مالية لا يستطيع والده المريض ولا أمه التي تبيع النعناع تدبيرها، مما جعله يقرر بإيعاز من أسرته التوقف عن إكمال دراسته إلى أن تتحسن أحوالهم الاقتصادية.
هذا الإقصاء من الدراسة بسبب "العامل الجغرافي" متمثلاً في القرية والبادية، أكده تقرير حديث أيضاً لـ"اليونيسكو" لعام 2026، أبرز أن "الموقع الجغرافي" للميلاد هو المتحكم الأول والحاسم في الفرص التعليمية المتاحة للطفل.
وعلى رغم اعتراف المنظمة بالنجاح في تعميم تمدرس التلاميذ خلال العقدين الماضيين، فإن هذا الإنجاز التعليمي يصطدم بفوارق مجالية شاسعة تضع تلاميذ القرى في وضعية ضعف مقارنة بأقرانهم في المدن المغربية.
ووفق المصدر نفسه، فإن الأزمة لا تقتصر على بعد المسافة بين القرية والمدينة حيث يمكن للتلميذ متابعة دراسته الثانوية أو العليا، بل تمتد لتشمل غياب العدالة في توزيع الموارد والكفاءات التدريسية، مما يجعل حلم الاستمرار في الدراسة بعيد المنال لتلاميذ المناطق النائية.
عوامل متشابكة
ويقول في السياق الخبير في شؤون التربية والتكوين رشيد شاكري إن الهدر المدرسي في المغرب ظاهرة مركّبة لا يمكن تفسيرها وفق مقاربة أحادية، بل يجب قراءة أبعادها انطلاقاً من عوامل بنيوية ومؤسساتية ونفسية وثقافية متشابكة.
ويرى أن ضعف الرأسمال الثقافي للأسرة يُعد من أبرز عوامل الهدر المدرسي، إذ تعجز بعض الأسر عن مواكبة أبنائها أو استيعاب ما تتطلبه المدرسة منهم، إضافة إلى ما تعانيه الأسر المغربية من تفكك نتيجة الطلاق أو غياب أحد الأبوين أو الهجرة، مما يكرس ضعف التواصل بين الأسرة والمؤسسة.
ولم يغفل المتخصص نفسه عن الإشارة إلى "تأثير العوامل الجندرية، بخاصة في الوسط القروي، حيث تتعرض الفتيات للانقطاع عن الدراسة بسبب الزواج المبكر أو الأعباء المنزلية، أو رفض إرسالهن بعيداً من البيت والاستقرار في دور الطالبات".
واسترسل شاكري أن الفقر يُعد أحد أهم مسببات الهدر المدرسي، ليس فقط في ما يتعلق بالعجز عن تحمل كلف تعليم الأبناء كتأمين النقل، أو توفير المستلزمات، أو ضمان الإيواء، بل أيضاً ما يرتبط بحاجة الأسرة إلى إدماج الطفل في سوق الشغل المبكر.
وأردف أن "ضعف القيمة الاجتماعية للشهادة وارتفاع بطالة الخريجين يؤديان إلى تراجع ثقة الأسر بالمدرسة، مما يدفع بعضها إلى تبني منطق المنفعة العاجلة عوض الاستثمار طويل الأمد".
وأضاف شاكري عاملاً آخر يتمثل في "عقوبة المكان" وعلاقته بالهدر المدرسي، إذ تتحول المسافة وصعوبة التضاريس إلى عائق يومي، بخاصة في المناطق القروية والجبلية. فبعد المؤسسات وغياب النقل المدرسي وضعف البنى التحتية ونقص الداخليات، كلها عوامل تجعل التمدرس مرهقاً.
للمدارس يد أيضاً
هناك عوامل كثيرة أخرى تفضي إلى التسرب المدرسي في المغرب، من بينها وفق شاكري أسباب تتعلق بالمؤسسة التعليمية نفسها، من قبيل الاكتظاظ داخل المدارس وضعف جودة التعليم وعدم قدرة المناهج الدراسية على التطور والارتباط بالحياة العملية، وصرامة القوانين التنظيمية وافتقار المؤسسات التعليمية إلى الأنشطة الموازية وضعف العلاقة التربوية بين الفاعلين التربويين.
ونبه إلى أن التعثر المستمر يسهم أيضاً في إنتاج ما يسمى "النجاح التعسفي" أو إنجاح المتعلم إلى مستويات عليا من دون تمكنه من الحد الأدنى من مستلزمات هذه المستوى، مما يولد "العجز المتعلم"، فيفقد المتعلم الثقة بقدراته، ثم يقرر مغادرة الحياة المدرسية.
ومن أسباب الهدر المدرسي أيضاً، وفق شاكري الصورة السلبية التي قد يبنيها التلميذ عن ذاته حينما يصبح الفشل جزءاً من هويته، فالمتعلم في هذا الموقف لا يغادر المدرسة لأنه لا يريد التعلم، بل لأنه اقتنع كلياً بأنه "غير قابل للتعلم".
واستطرد شاكري أن العنف المدرسي والتنمر وضعف الإحساس بالانتماء، عوامل تسهم بدورها في دفع المتعلم إلى الانسحاب التدريجي، من دون إغفال البيئة التي تسود في المدرسة أو الفصل الدراسي والتي يغلب عليها ضعف التواصل وغياب الاعتراف بالقدرات الفردية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نزيف حقيقي
من جهتها تورد الباحثة في سوسيولوجيا التربية حسنية حسيب تداعيات هذا الهدر المدرسي التي لا تتوقف عند حدود مغادرة فصول الدراسة، بل تمتد لتشكل "نزيفاً" حقيقياً يضرب في عمق البناء المجتمعي. فما يبدأ كتعثر دراسي بسيط، ينتهي غالباً بمسار معقد من التهميش الاقتصادي والاجتماعي، محولاً الطاقات البشرية من قاطرة للتنمية إلى عبء ثقيل على الدولة والمجتمع.
ومن الناحية الاقتصادية، تقول حسيب إن المنقطعين عن الدراسة يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام واقع اقتصادي مرير، إذ لا خيار أمامهم سوى الدخول في "الاقتصاد غير المهيكل"، وهو قطاع يعيش في الظل ويفتقر إلى أدنى شروط الحماية والضمان الاجتماعي.
وأكملت أن "هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة تبقي هؤلاء الشباب الذين غادروا مقاعد الدراسة في دائرة الدخل المحدود والمهن الهشة. وبذلك، يظل الاقتصاد الوطني رهين "الكفاءات المنخفضة"، مما يعرقل طموحات التحول نحو اقتصاد المعرفة والابتكار.
أما على الصعيد الاجتماعي، وفق الباحثة، فإن الهدر المدرسي يعمل كآلية صامتة لإعادة إنتاج اللامساواة، إذ تظل الفئات المعوزة هي الأكثر عرضة لهذا الإقصاء. وعوض أن تكون المدرسة أداة للترقي الاجتماعي، يتحول الهدر إلى حاجز يعمق الفوارق الطبقية.
وخلصت إلى أن "ضعف الاندماج المدرسي يفتح الباب على مصراعيه أمام أخطار الانحراف والتطرف بأنواعه وتراجع الاندماج الاجتماعي، مما يهدد تماسك المجتمع المغربي في الصميم".
إعادة إنتاج الهشاشة
وعلاوة على التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لآفة الهدر المدرسي في المغرب، تستعرض حسيب تداعيات ثقافية، إذ يمثل الانقطاع المبكر عن الدراسة قطيعة مع أدوات التفكير النقدي والتواصل المنتج بما في ذلك التواصل الرقمي.
والنتيجة، تكمل الباحثة في سوسيولوجيا التربية، هي بروز "الأمية الوظيفية"، فيمتلك الفرد "قدرات محدودة لا تسعفه في فك رموز الحياة المعقدة أو الاندماج في الفضاء العام"، وهي عزلة معرفية تحرم المجتمع من مواطنين فاعلين قادرين على الإسهام في النقاش العمومي وبناء مغرب الغد.
وبخصوص التداعيات النفسية، تقول حسيب إنها تتجسد في الشعور بالفشل والدونية الذي يلازم "ضحايا الهدر" لأعوام، محطماً بذلك ثقتهم بالمستقبل. أما صحياً فتشير المعطيات إلى ارتباط وثيق بين مستوى التعليم والوعي الوقائي، فضعف التمدرس ينعكس سلباً على المؤشرات الصحية والمهارات الحياتية، مما يرفع كلفة الرعاية الصحية على المدى البعيد.
أما مؤسساتياً، وفق حسيب، فإن الهدر المدرسي يمثل استنزافاً هائلاً للموارد العمومية التي تُضخ في منظومة التربية والتعليم، والأخطر من ذلك هو "أزمة الثقة"، إذ تهتز صورة المدرسة كمؤسسة للترقي والنجاح. كذلك تبرز التأثيرات الديموغرافية بوضوح، بخاصة في صفوف الفتيات، من خلال عودة أنماط الزواج المبكر، مما يكرس دورة الفقر والحرمان عبر الأجيال.
وخلصت الباحثة التربوية إلى أن الهدر المدرسي ليس مجرد مشكلة تربوية تقنية، بل هو "مسار اجتماعي" كامل يعيد إنتاج الهشاشة، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً يتجاوز الحلول الترقيعية نحو إصلاح هيكلي يحمي مستقبل الأجيال الناشئة.