ملخص
تظهر بكين كشريك أكثر استقراراً، ويأتي ذلك قبيل زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي إلى الصين، وسط تحولات جيوسياسية قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة.
تتجه الأنظار إلى زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين في منتصف مايو (أيار) الجاري، إذ يعمل مئات المسؤولين في واشنطن وبكين على التحضير لهذا اللقاء الذي يُعد من أبرز الأحداث الدبلوماسية هذا العام، وسط ترتيبات أمنية ولوجيستية دقيقة تشمل نقل سيارات رئاسية مدرعة وفحص تفاصيل الزيارة بدقة عالية.
لكن، وبينما يمكن التحكم في الجوانب التنظيمية للقمة، يبقى السياق السياسي أكثر تعقيداً، إذ كان ترمب يأمل الوصول إلى بكين بعد تحقيق نصر حاسم في إيران، إلا أن الحرب كشفت، في نظر الصين، حدود القوة الأميركية في مواجهة التحديات الجغرافية والاقتصادية، مثل مضيق هرمز، والانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي، واستنزاف المخزونات العسكرية الأميركية.
تايوان في صدارة الحسابات الصينية
ومن المتوقع أن يضع الرئيس الصيني شي جينبينغ ملف تايوان على رأس جدول أعماله خلال اللقاء، ويختلف المحللون حول الدروس التي قد تستخلصها بكين من حرب إيران، سواء من حيث فعالية الطائرات المسيرة منخفضة الكلفة في مواجهة القوى الكبرى، أو إمكانية استخدام الحصار الاقتصادي كورقة ضغط، خصوصاً أن مضيق تايوان يمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 40 في المئة من حركة الحاويات العالمية تمر عبر مضيق تايوان، فيما قد يؤدي أي حصار طويل إلى خسائر اقتصادية عالمية ضخمة تصل إلى 5 تريليونات دولار.
تحول المزاج في جنوب شرقي آسيا
على رغم استمرار تفضيل الرأي العام في تايوان للولايات المتحدة، فإن المزاج في أجزاء من جنوب شرقي آسيا يشهد تحولاً ملحوظاً، فبعد أعوام من القلق إزاء التوسع الصيني في بحر الصين الجنوبي، بدأت دول مثل الفيليبين وفيتنام في تعزيز علاقاتها مع واشنطن، لكن الثقة في القيادة الأميركية بدأت تتراجع.
وتشير استطلاعات وفقاً لصحيفة "التايمز" إلى أن صناع القرار في دول مثل تايلاند وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا باتوا يميلون إلى الصين في حال اضطروا للاختيار بين بكين وواشنطن، في ظل تصاعد المخاوف من تقلب السياسات الأميركية.
أزمة الطاقة تغذي الغضب
تُعد آسيا الأكثر تضرراً من اضطرابات إمدادات النفط والغاز القادمة من الخليج، إذ تعتمد بشكل كبير على هذه الموارد، ويمر نحو 84 في المئة من النفط الذي يعبر مضيق هرمز باتجاه آسيا، مما يجعل أي اضطراب في الإمدادات ذا تأثير مباشر على اقتصادات المنطقة.
وأدت الأزمة إلى ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، إلى جانب تراجع التحويلات المالية من العمال الآسيويين في دول الخليج، مما زاد من حدة الاستياء الشعبي والرسمي تجاه الولايات المتحدة.
وصرح وزير الخارجية التايلاندي سيهاساك بوانغكيتكيو بأن الحرب "لم يكن ينبغي أن تحدث"، مشيراً إلى غياب الدعم الأميركي، في وقت تواجه بلاده ارتفاعاً حاداً في أسعار الأسمدة.
الصين تستفيد من دون جهد كبير
في المقابل، نجحت الصين في تقديم نفسها كطرف أكثر توازناً، إذ شاركت في جهود التهدئة ودعت إلى إعادة فتح مضيق هرمز، في وقت تصاعدت فيه التصريحات الأميركية الحادة.
وتستفيد بكين من احتياطاتها النفطية الكبيرة واستثماراتها في الطاقة المتجددة، إذ تواصل تصدير الألواح الشمسية منخفضة الكلفة إلى دول آسيا وأفريقيا، مما يعزز نفوذها الاقتصادي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن دول المنطقة تدرك طموحات الصين على المدى الطويل، فإن خيبة الأمل من السياسات الأميركية تجعل بكين تبدو خياراً أكثر جاذبية في الوقت الراهن.
إعادة تشكيل التوازنات في آسيا
وحتى حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بدأوا في إعادة تقييم علاقاتهم، في ظل اعتمادهم الكبير على الطاقة القادمة من الخليج، وترددهم في الانخراط عسكرياً في الصراع.
وفي النهاية، قد تجد الصين نفسها مستفيدة من تداعيات الحرب، من دون أن تبذل جهداً كبيراً، إذ تعيد دول آسيوية عديدة تموضعها تدريجاً ضمن رؤية بكين طويلة الأمد، في وقت تتراجع فيه الثقة بالدور الأميركي في المنطقة.