ملخص
الروبوتات البرية باتت لاعباً جديداً في حرب أوكرانيا، إذ تستخدمها قوات كييف لتقليل خسائر المشاة وتنفيذ مهمات خطرة تشمل الإمداد والإجلاء والهجوم وتثبيت المواقع. هذا التحول يمنح أوكرانيا تفوقاً ميدانياً وصناعياً متنامياً، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف أخلاقية من خفض عتبة استخدام القوة عن بعد.
بدأ الأمر بالمشاة، ثم جاءت الصواريخ، وبعدها الطائرات المسيرة.
والآن، بعد أكثر من أربعة أعوام من الحرب الدامية والطاحنة في أوكرانيا، بدأت الروبوتات البرية التي تُدار عن بُعد تفرض حضورها في ساحة المعركة.
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء الماضي، إن اللواء الهجومي المنفصل الثالث في الجيش الأوكراني كان قد استعاد، في عملية جرت العام الماضي بمنطقة خاركيف شمال شرقي البلاد، موقعاً باستخدام مزيج من مركبات برية من دون طاقم وطائرات مسيرة فقط، في مهمة وصفها بأنها الأولى من نوعها خلال الحرب.
وأضاف أن "قوات الاحتلال استسلمت، ونُفذت العملية من دون مشاة ومن دون خسائر في صفوفنا"، موضحاً أن قوات مشاة أوكرانية دخلت لاحقاً إلى الموقع الذي جرى انتزاعه أولاً بواسطة المركبات البرية المسيرة.
لقد غير هذا الصراع المتحول طبيعة الحرب التقليدية الحديثة، ولا سيما عبر الاستخدام الواسع للطائرات المسيرة، في مهمات الاستطلاع والهجوم. غير أن قادة ومهندسين أوكرانيين يقولون إن المركبات البرية المسيرة تمثل مستقبل الحرب الجديد، وهو مستقبل بدأ بالفعل.
ويقول ميكولا زينكيفيتش، المعروف باسمه الحركي "ماكار"، قائد وحدة "أن سي 13" للمركبات البرية المسيرة الهجومية التي نفذت عملية خاركيف، لـ "اندبندنت"، إن اللواء الهجومي الثالث في أوكرانيا يريد استبدال نحو 30 في المئة من قوات المشاة لديه بمركبات برية مسيرة، في مسعى إلى تقليل الخسائر البشرية المكلفة على خطوط الجبهة الشرقية.
ويضيف زينكيفيتش: "المنطق بسيط: حين يكون الخطر على الإنسان كبيراً، ينبغي استخدام الروبوت. فحياة جندي المشاة لا تقدر بثمن، والروبوتات لا تنزف". ويتابع: "نعمل على تطوير نموذج تتولى فيه المركبات البرية المسيرة أخطر المهمات، فيما تتحول قوات المشاة إلى قوة عالية التخصص تركز على ما لا تستطيع هذه المركبات القيام به".
أما ياروسلاف دروبيش، المعروف بالاسم الحركي "زوليك"، وهو مشغل المركبات والرقيب الأول في الوحدة، فيقول إن الاستخدام المتزايد للمركبات البرية المسيرة خفف بالفعل عبئاً كبيراً عن جنود المشاة، إذ باتت تنفذ عدداً من المهمات اللوجيستية وتنقل كميات كبيرة من الإمدادات والذخيرة من دون خسائر.
ويقول الرقيب دروبيش: "هذه مرحلة جديدة من الحرب".
ويضيف: "بعدما خضت تجربة جندي المشاة الهجومي، أدرك تماماً الثمن الذي يُدفع لاستعادة كل متر من أرضنا. لذلك أفهم بعمق قيمة القرارات التي تقلل الخطر على حياة البشر".
وتقول الوحدة التي ينتمي إليها الرقيب دروبيش إنها أول وحدة هجومية في العالم مخصصة للمركبات البرية المسيرة. وقد بدأت من الصفر، من دون أي عقيدة عسكرية جاهزة لاستخدام هذه المركبات في القتال الحديث. وتعد أوكرانيا اليوم من الدول الرائدة عالمياً في إنتاج هذه الأنظمة واستخدامها، إذ نما سوق المركبات البرية المسيرة فيها العام الماضي بنسبة 488 في المئة، وفق دراسة صادرة عن معهد كييف للاقتصاد ومنصتي "بريف وان" و"ديفانس بيلدر".
وقد أحدثت هذه المركبات تحولاً كبيراً بالفعل في الخدمات اللوجيستية داخل ساحة المعركة. ففي حين يستطيع جندي المشاة الحديث أن يحمل في المتوسط 20 كيلوغراماً من العتاد لمسافة طويلة، تستطيع المركبات البرية المسيرة نقل حمولة تراوح بين 200 و600 كيلوغرام إلى مواقع الخطوط الأمامية.
وتتولى هذه المركبات إيصال الإمدادات الحيوية، وإجلاء الجنود الجرحى، وتثبيت المواقع الميدانية، وتدمير مواقع العدو، وتنفيذ مهمات تخريبية، وزرع الألغام.
ويقول زينكيفيتش إن وحدته نفذت أكثر من 100 عملية هجومية باستخدام مركبات برية مسيرة خلال الأشهر القليلة الماضية. ويضيف: "خلال هذه المهمات، دمرنا قوات معادية وملاجئ ومراكز قيادة وأهدافاً أخرى عالية القيمة. هذا عمل قتالي يومي ومنهجي".
وعلى رغم قوله إن هذه المركبات غيرت مسار الحرب، يبدي زينكيفيتش قلقه من تباطؤ وتيرة تطويرها. وهو يدعو إلى زيادة التمويل، محذراً من أن تباطؤ هذا التطوير "أمر لا يمكننا السماح به".
ومن بين أكثر الوحدات الروبوتية استخداماً مركبة "تي دبليو 12.7"، التي تنتجها شركة "ديف درويد" الأوكرانية. وهي مركبة مزودة برشاش "براونينغ" مثبت على سطحها، واستخدمتها الوحدة على نطاق واسع في ساحة المعركة.
وفي وقت سابق من هذا العام، قال زينكيفيتش إن مركبة واحدة من طراز "تي دبليو 12.7" ظلت متمركزة على خط الجبهة ستة أسابيع، إذ كانت تتحرك إلى موقع أمامي لمراقبة أي تحركات روسية وتوفير نيران كابحة، قبل أن تنسحب مساء إلى موقع محمي.
ويقول أوليغ فيدوريشين، رئيس قسم البحث والتصميم في شركة "ديف درويد"، إن المركبات البرية المسيرة غيرت طريقة احتفاظ القوات الأوكرانية بمواقعها.
ويضيف لـ "اندبندنت": "تصبح السيطرة على منطقة لمدة 24 ساعة أسهل حين تكون جالساً في منطقة آمنة تبعد 50 كيلومتراً عن المركبة، ويمكنك أن تتناوب مع فريقك فيتولى شخص آخر المهمة".
ويبلغ متوسط كلفة المركبة البرية المسيرة التي تبيعها "ديف درويد" للجيش الأوكراني 30 ألف دولار، أي نحو 22100 جنيه استرليني. ويرتفع السعر إلى 50 ألف دولار إذا كانت مزودة برشاش "براونينغ"، ويزداد بصورة كبيرة إذا بيعت إلى أي جيش آخر غير الجيش الأوكراني.
ويتحفظ فيدوريشين على كشف عدد الروبوتات التي أنتجتها "ديف درويد" لأوكرانيا، لكنه يقول إن الرقم يتزايد بسرعة. ويضيف: "يزداد عاماً بعد عام، ويزداد كثيراً. لكنه ليس كافياً في الوقت الراهن. أعتقد أنه سيزيد كثيراً هذا العام والعام المقبل".
ويتجنب كشف تفاصيل مركبة برية مسيرة جديدة يقول إنها تخضع حالياً للتجارب لدى وحدات عسكرية، ولم يُكشف عنها علناً بعد.
وتبقى "ديف درويد" على تواصل مستمر مع الجنود في الميدان لمعرفة كيف يمكن تحسين الروبوتات الجديدة بما يلبي حاجاتهم بصورة أفضل.
ويقول فيدوريشين: "نحاول تطوير مركبات برية مسيّرة تظل فعالة بعد عام من الآن. نحاول استباق التغيرات في الظروف الميدانية وخطوط الجبهة والعالم من حولنا، حتى لا يصبح منتجنا متقادماً خلال سنة واحدة". ويضيف: "نتحدث معهم يومياً في هذا الشأن، وهم يزودوننا بملاحظات تساعدنا على تحسينها".
ويقدر فيدوريشين أن نحو 10 إلى 15 في المئة من الروبوتات التي أرسلتها "ديف درويد" فُقدت في المعارك. لكن كثيراً منها أُصلح وأُعيد إلى الألوية، ولذلك كان فقدانها موقتاً فقط.
غير أن خبراء يحذرون من أن الاستخدام المتزايد للروبوتات يحمل أخطاره الخاصة. فالانفصال المادي بين المشغل والسلاح القاتل يثير مخاوف تتعلق بكيفية استخدام القوة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوضح البروفيسورة إلكه شفارتز، المتخصصة في التقنيات العسكرية في جامعة كوين ماري في لندن: "حين تكون لدينا أداة تتيح استخدام القوة عن بُعد، يصبح هناك خطر يتمثل في انخفاض عتبة اللجوء إلى القوة... وقد تكون التجمعات المدنية عرضة لتحمل العبء الأكبر من هذا الاستخدام".
لكن شفارتز تشير إلى أن كييف تطور تكتيكات المركبات البرية المسيرة "بدافع الضرورة" وفي سياق تهديد وجودي.
وتضيف أن ذلك يمثل دفعة واضحة لاعتماد كييف على نفسها في الحرب: "غالباً ما تكون هذه الأنظمة محلية الصنع، ما يعني اعتماداً أقل على الإمدادات الخارجية، كذلك فإن الشركات التي تطور هذه المركبات البرية المسيرة يمكن أن تتوقع لاحقاً تصدير هذه الأنظمة إلى دول أخرى".
© The Independent