ملخص
بحسب تقرير نشرته خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، فإن روسيا نشرت نحو 2500 عنصر من الفيلق الأفريقي من أجل دعم العمليات القتالية ضد الجماعات المتشددة وأيضاً الانفصاليين الطوارق
أثار إعلان الفيلق الروسي عن تحرير رهينتين من قبضة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" أحدهما روسي والآخر أوكراني، تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان ذلك يكشف عن تشديد موسكو قبضتها على مالي، التي تشهد اضطرابات أمنية غير مسبوقة.
وفيما أبقت وزارة الدفاع الروسية على الغموض إزاء طريقة تحرير الرهينتين، حيث لم تكشف عما إذا حصل ذلك في اقتحام عسكري أو بعد مفاوضات، فإن الجدل تصاعد حول النفوذ الذي بات يملكه الفيلق الأفريقي الذي حل محل مجموعة "فاغنر" شبه العسكرية، التي خسرت مواقعها بعد تمرد قام به قائدها، يفغيني بريغوجين، قبل أن يلقى حتفه في حادثة تحطم طائرته.
والمحرران هما: أوليغ غريتا وهو روسي وُلد في عام 1962، ويوري يوروف وهو أوكراني من مواليد 1970، ويعملان في شركة روسية للاستكشاف الجيولوجي. وقد اختُطفا في منطقة مبانغا بإقليم تيلابيري جنوب غربي النيجر، الحدودية مع بوركينا فاسو ومالي، قبل أن ينقلا إلى الأراضي المالية.
ويحكم مالي مجلس عسكري برئاسة آسيمي غويتا وهو من أقرب الحلفاء الأفارقة إلى روسيا، إذ استعان منذ نجاحه في الوصول إلى السلطة في عام 2020 بقوات روسية لاستعادة الأمن، وذلك في خضم نشاط مكثف للجماعات المسلحة على غرار "نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "داعش" وغيرهما. وطرد غويتا القوات الفرنسية والغربية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، في خطوات بدت مثيرة لترسيخ قطيعة مع العواصم الغربية والتقارب مع موسكو.
متاعب كبيرة
وكانت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، التي تشن حصاراً على العاصمة المالية باماكو منذ أشهر قطع عنها إمدادات الوقود، قد نشرت تسجيلاً مُصوراً في أغسطس (آب) 2024 يُظهر الرجلين، وأعلنت مسؤوليتها عن احتجازهما.
وامتنعت السلطات المالية عن الإعلان عن عملية تحرير الرهينتين على رغم وجود اتفاق للتعاون العسكري والأمني جرى توقيعه مع موسكو منذ عام 2019.
وعد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، عيسى مونكايلا، أن "الجدل الذي رافق هذا الإعلان مشروع بالنظر إلى أن أوكرانيا لم تعلن عن تحرير أحد رعاياها في مالي، وحتى السلطات في باماكو لازمت الصمت حيال هذه العملية".
وتابع مونكايلا في حديث خاص "كذلك، هذا النجاح الأمني المفترض للفيلق الأفريقي لا يحجب المتاعب الكبيرة التي تواجهها روسيا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. فعلى رغم أن موسكو تروج لنفسها كبديل عن فرنسا وبقية القوى الغربية، فإنها لم تحقق أي إنجازات كبيرة لحلحلة الأزمة الأمنية المتصاعدة".
وشدد على أن "معظم أراضي بوركينا فاسو تقع خارج سيطرة السلطات وحليفها الروسي. وفي مالي تخضع العاصمة باماكو لحصار خانق منذ أشهر وشهدت أمس السبت هجمات دموية، فيما تعاني النيجر هجمات أيضاً، لذلك موسكو لا تسيطر على الوضع الأمني في مالي".
لا نتائج
وبحسب تقرير نشرته خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، فإن روسيا نشرت نحو 2500 عنصر من الفيلق الأفريقي من أجل دعم العمليات القتالية ضد الجماعات المتشددة وأيضاً الانفصاليين الطوارق.
وأنشأت روسيا هذا الفيلق في عام 2023 غداة مقتل بريغوجين وسط انتقادات لاذعة لعملياته، إذ تتهمه جماعات حقوقية بارتكاب انتهاكات في منطقة الساحل الأفريقي سواء بحق أقليات أو سكان محليين.
ويرى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن الجانب الروسي يحاول بطريقة أو بأخرى ترسيخ وجوده وإمكانياته الدفاعية في مالي، لكن ذلك ليس سهلاً.
وأردف تورشين أنه "على رغم النجاحات التي تقول روسيا إنها حققتها في مالي، فإنه لا تزال هناك عديد من الإشكاليات، وهو أمر عادي باعتبار أن هناك تفاهمات تحدث من هنا وهناك، والجماعات التي ظلت تحتجز الرهائن هي دائماً تطالب بفدية وغير ذلك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت المتحدث إلى أنه "في ظل الغموض الذي يحيط بتفاصيل عملية تحرير الرهينتين، فإنه لا يمكن الجزم بأن روسيا مسيطرة على الوضع الأمني في مالي لا سيما بعد أحداث السبت".
وبين تورشين أن "هذه الأحداث تؤكد أن الاستعانة بروسيا لم تحقق النتائج المرجوة منها بعد، بل أصبحت تشكل عبئاً حقيقياً وثقيلاً".
استباق للقمة الأفريقية – الروسية
ومع هذا الإعلان، تسود تكهنات بشأن ما إذا كانت روسيا ستوسع نطاق عمليات الفيلق الأفريقي في منطقة الساحل التي تشهد فوضى غير مألوفة، مع سعي الجماعات المسلحة إلى كسب مزيد من النفوذ.
وقال مونكايلا، "في اعتقادي هناك معطى لا يمكن إغفاله، وهو الحراك الذي يقوم به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل إنجاح القمة الأفريقية - الروسية الثالثة، وقد وجهت دعوة بالفعل لدول كونفيدرالية الساحل التي تضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر".
وأشار إلى أن "بوتين يحاول استباق هذه القمة المرتقبة بالترويج إلى انتصار أمني ربما يغري دولاً أفريقية أخرى لإبرام صفقات للتعاون الأمني والعسكري، لا سيما في ظل تراجع الدور الفرنسي في المنطقة".