ملخص
بات ملف الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل جزءاً من سلة تفاوض واحدة بين لبنان وإسرائيل، إذ تشير المعطيات إلى وجود نحو 24 محتجزاً مؤكداً في الأقل، فيما يبقى مصير 42 مفقوداً غير محسوم بين القتل أو الأسر أو الاختفاء الميداني، مما يجعل العدد الحقيقي مرشحاً للارتفاع. وفي هذا الإطار، تحول الأسرى إلى ورقة متعددة الأبعاد تجمع بين الضغط التفاوضي والاستخدام الاستخباراتي والتأثير النفسي في سياق المواجهة المفتوحة مع "حزب الله".
بعد حربين متتاليتين خاضهما لبنان على الجبهة الجنوبية عامي 2024 و2026، دخل ملف الأسرى مرحلة جديدة لم يعد فيها مجرد قضية إنسانية أو أمنية محدودة، بل تحول إلى عنصر ضاغط مباشر على موقع الدولة اللبنانية في أي مسار تفاوضي مع إسرائيل. فقبل هاتين الحربين لم يكن ملف الأسرى مطروحاً، ولم تكن هناك قوات إسرائيلية متقدمة داخل أراضٍ لبنانية تطرح مسألة انسحابها أصلاً كشرط تفاوضي. أما اليوم، ومع انتقال المفاوضات إلى واشنطن برعاية أميركية، يجد لبنان نفسه أمام جدول أعمال مختلف، انسحاب إسرائيلي من نقاط تقدم ميداني استجدت خلال الحربين، وملف أسرى لبنانيين وقعوا خلال العمليات العسكرية وما تلاها.
فبحسب مصادر أمنية لبنانية متابعة لملف الأسرى والموقوفين لدى إسرائيل منذ حرب 2024 وما تلاها من عمليات توغل وخطف موضعي داخل الأراضي اللبنانية، فإن العدد شبه المؤكد للبنانيين الذين ثبت احتجازهم لدى الجيش الإسرائيلي خلال تلك المرحلة وما بعدها بلغ 20 شخصاً، بينهم 11 أُسروا خلال العمليات العسكرية المفتوحة عام 2024، وتسعة آخرون خطفوا بعد وقف إطلاق النار خلال الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 ضمن عمليات ميدانية متفرقة على طول الحافة الحدودية الجنوبية، إضافة إلى ثلاثة ملفات قديمة تاريخياً لا تزال مفتوحة باسم يحيى سكاف وعبدالله عليان ومحمد فران.
بعد اندلاع الحرب
لكن هذا الرقم ارتفع بعد اندلاع الحرب الأخيرة خلال الثاني من مارس (آذار) الماضي، إذ تشير المعطيات إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن أسر عدد إضافي من عناصر "حزب الله" خلال العمليات البرية في الجنوب، بينهم عنصران من "قوة الرضوان" أُسرا في الـ23 من مارس الماضي، وعنصر آخر أعلن أسره خلال الـ31 من الشهر نفسه، وعنصر من "الرضوان" أعلن أسره في الـ23 من أبريل (نيسان) الجاري، مما يرفع العدد الموثق إلى 24 محتجزاً في الأقل، من دون احتساب الحالات التي لم تعلن رسمياً أو التي لا تزال قيد التدقيق الأمني.
وتشير مصادر إلى أن من أبرز حالات الاعتقال النوعية القبطان البحري عماد أمهز، الذي خطف من مدينة البترون بعملية كوماندوز بحرية إسرائيلية داخل العمق اللبناني، في تطور اعتبر تحولاً في قواعد الاشتباك التقليدية. وتشمل لائحة المعتقلين بعد وقف إطلاق النار حسين كركي وحسن حمود وعلي ترحيني ومحمد جوهر وعلي فنيش ومرتضى مهنا وماهر حمدان، إضافة إلى فؤاد قطايا وعلي يونس اللذين أوقفا خلال عملية ميدانية في الـ19 من يناير (كانون الثاني) 2024.
وتضيف المصادر أن هذه الحالات تندرج ضمن نمط اعتقالات نفذتها وحدات إسرائيلية خلال عمليات تسلل محدودة، أو مكامن ميدانية أو أثناء التمشيط داخل نطاق ما تصفه إسرائيل بـ"المنطقة العملياتية المتقدمة" شمال الخط الأزرق. وفي المقابل، تؤكد المصادر أن إسرائيل أفرجت خلال مارس 2025 عن أربعة موقوفين لبنانيين ضمن ترتيبات ميدانية غير معلنة التفاصيل، ثم أعقب ذلك إطلاق سراح الجندي اللبناني زياد شبلي الذي كان قد أصيب قرب كفرشوبا ونُقل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية قبل تسليمه عبر آلية تنسيق دولية.
لكن الأزمة الأكثر تعقيداً تبقى في ملف المفقودين. فإلى جانب الأسرى المثبتين، تبرز لائحة تضم 42 مفقوداً لم يعرف مصيرهم النهائي بعد، ولا يمكن الجزم بما إذا كانوا قد قتلوا خلال المعارك ولم يعثر على جثامينهم، أم إن بعض الجثامين نُقلت واحتجزت لدى إسرائيل، أم كان بعضهم ضمن حالات أسر غير معلنة. ومع اتساع الحرب الأخيرة منذ مارس الماضي، تتحدث مصادر أمنية عن وجود عشرات الحالات الإضافية قيد التحقق، مما يجعل العدد الإجمالي قابلاً للارتفاع، لا بسبب غياب المعطيات اللبنانية فحسب، بل وغياب لوائح إسرائيلية رسمية مكتملة أيضاً، وعدم إتاحة وصول منتظم وشفاف للصليب الأحمر الدولي إلى جميع أماكن الاحتجاز.
مسار التفاوض
وتشير مصادر رسمية لبنانية إلى أن الدولة اللبنانية لا تملك عملياً أية وسيلة مباشرة لتحرير الأسرى خارج إطار التفاوض غير المباشر، إذ إن ميزان القوة الميداني وتكرار المواجهات العسكرية خلال عامي 2024 و2026 وضعا ملف الأسرى ضمن سلة الترتيبات المرتبطة بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وإعادة المحتجزين، وهي ملفات باتت جميعها مطروحة اليوم على طاولة المفاوضات الدولية باعتبارها عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها بعضاً. وبحسب هذه المصادر، لا يوجد مسار واقعي آخر لمعالجة الملف خارج القنوات التفاوضية القائمة، مما يجعل نجاح هذه المفاوضات العامل الحاسم الوحيد القادر على فتح الباب أمام إطلاق الأسرى في المرحلة المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذا السياق، تستند الدولة اللبنانية إلى المعطيات التي وفرتها لجنة "الميكانيزم" خلال الحرب السابقة، إذ جرى توثيق نحو 23 حال احتجاز مؤكدة، وهو رقم يتقاطع مع تقديرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تلك المرحلة، في حين بقي ملف المفقودين خارج هذا الإطار بسبب غياب معطيات حاسمة حول مصيرهم. أما بعد اندلاع الحرب الأخيرة فلم تتوافر حتى الآن صورة نهائية أو مكتملة للأعداد، خصوصاً أن العمليات العسكرية لم تكن قد انتهت فعلياً على رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مما يعني أن عدد الأسرى المحتمل يبقى قابلاً للارتفاع.
وتؤكد المصادر أن الجهات اللبنانية المتخصصة تواصل العمل على توثيق الأسماء والتحقق من الحالات والتواصل مع الأطراف الدولية المعنية، إلا أن غياب لوائح إسرائيلية رسمية مكتملة وعدم إعلان العدد النهائي للمحتجزين في هذه المرحلة يبقي الملف ضمن مساحة واسعة من الغموض، ويجعل أي رقم متداول حتى الآن تقديرياً قابلاً للتعديل تبعاً لتطور مسار التحقيقات الميدانية والاتصالات الدولية الجارية.
مكسب استخباراتي وسياسي
برأي متابعين فإن تأثير ملف الأسرى لا يقتصر على البعد الإنساني أو التفاوضي المباشر، بل تحول إلى ورقة متعددة المستويات في يد إسرائيل، تحمل أبعاداً استخباراتية وسياسية ونفسية في آن. أولاً، يشكل الأسرى مصدراً معلوماتياً بالغ الأهمية، إذ يتيح احتجاز عناصر ميدانيين، وبعضهم من وحدات نخبوية، فرصة لاستخلاص معطيات تفصيلية حول بنية "حزب الله" العملياتية وأنماط انتشاره ومنظومة القيادة والسيطرة، وأساليب القتال ومسارات الإمداد والتواصل، وهي معطيات تستخدم عادة في بناء بنك أهداف وتحسين تقدير الموقف العسكري في أية مواجهة لاحقة.
ثانياً، استثمرت إسرائيل تصريحات نُسبت إلى بعض الأسرى في إطار المعركة الإعلامية والسياسية المرافقة للحرب، إذ جرى توظيف هذه الإفادات للإيحاء بأن "حزب الله" كان يحضر لسيناريو هجومي باتجاه الجليل على غرار نموذج هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في غزة، أو للإشارة إلى أن قرار القتال مرتبط باعتبارات إقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية. هذا الاستخدام الإعلامي لا يُقرأ فقط في سياق الحرب النفسية، بل أيضاً ضمن محاولة تثبيت سردية إسرائيلية تبرر العمليات العسكرية أمام الرأي العام الدولي.
ثالثاً، تحول ملف الأسرى نفسه إلى ورقة ضغط تفاوضية إضافية بيد إسرائيل في أي مسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، بحيث بات يضاف إلى ملفي الحدود والانسحاب من النقاط المتقدمة التي استحدثتها الحرب الأخيرة، مما يعني عملياً توسيع جدول الأعمال التفاوضي على حساب الموقع اللبناني. فبدلاً من أن يدخل لبنان المفاوضات من موقع المطالبة بتنفيذ قرارات دولية قائمة، أصبح مضطراً أيضاً لمعالجة نتائج ميدانية مباشرة للحرب.
أما على المستوى الرمزي، فقد سعت إسرائيل إلى توظيف صور الأسرى ومضامين التحقيقات معهم ضمن إطار حرب الصورة والهيبة، في محاولة لضرب السردية التي كثيراً ما قدم بها "حزب الله" نفسه داخل بيئته باعتباره قوة قتالية لا تكسر ولا تخترق. فإظهار وقوع عناصر في الأسر، وتسريب معطيات عن تعاون بعضهم في التحقيق، استُخدم كأداة لإضعاف صورة الردع المعنوي للحزب، ومحاولة التأثير في بيئته الحاضنة بقدر ما يستهدف الخصوم العسكريين مباشرة.
ورقة ضغط
في هذا السياق، يضع الكاتب السياسي قاسم قصير ملف الأسرى في قلب التوازنات التي فرضتها نتائج الحرب الأخيرة، معتبراً أن إسرائيل تتعامل مع هذا الملف بوصفه ورقة ضغط سياسية وأمنية مباشرة على لبنان، لا مجرد قضية إنسانية قابلة للمعالجة عبر قنوات تقنية أو قانونية. فبحسب قراءته، فإن تل أبيب تسعى إلى توظيف الأسرى ضمن سلة شروطها التفاوضية الأوسع، التي تشمل تثبيت وقائع ميدانية جديدة في الجنوب وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود، وهو ما يجعل من ملف الأسرى جزءاً من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تحسين موقعها التفاوضي على حساب الدولة اللبنانية.
ويرى أن التجارب السابقة تؤكد أن إسرائيل طالما استخدمت ملف الأسرى كأداة ابتزاز سياسي وأمني، سواء عبر إخفاء المعلومات المتعلقة بالمحتجزين أو عبر الامتناع عن تقديم لوائح واضحة بأسمائهم أو أماكن احتجازهم، مما يحول هذا الملف إلى وسيلة ضغط مفتوحة زمنياً تستخدمها تل أبيب عند الحاجة في أي مسار تفاوضي، مشيراً إلى أن ما يجري اليوم ليس استثناء، بل يعد امتداداً لسياسة إسرائيلية ثابتة تقوم على إدارة ملف الأسرى كجزء من معركة السيطرة على شروط التسوية، لا كملف إنساني مستقل.
في المقابل، يكشف هذا الواقع حجم محدودية قدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع الملف خارج الإطار التفاوضي الدولي، إذ لا تملك بيروت عملياً أدوات ضغط ميدانية أو سياسية مباشرة تفرض من خلالها إطلاق الأسرى، مما يجعلها مضطرة إلى انتظار نتائج المفاوضات غير المباشرة الجارية. وبحسب قصير، فإن إدراج ملف الأسرى ضمن مسار تفاوضي طويل ومعقد يعكس خللاً واضحاً في ميزان القوة، إذ تتحكم إسرائيل بإيقاع الملف وتوقيته، فيما يقتصر دور الدولة اللبنانية على متابعة الاتصالات عبر القنوات الدولية وتوثيق الحالات وانتظار أي تقدم سياسي مُحتمل.
ميزان الردع
ويرى المحلل السياسي اللبناني سامي نادر أن إسرائيل بعد حرب عام 2024 انتقلت من إدارة الردع المتبادل إلى محاولة فرض وقائع ميدانية تسبق أية تسوية سياسية لاحقة، إذ لم تعد تتعامل مع نتائج العمليات العسكرية بوصفها أحداثاً موقتة، بل عناصر تفاوضية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ملف الأسرى عن السيطرة على مناطق داخل الجنوب اللبناني، لأن الاثنين يشكلان جزءاً من سلة واحدة تهدف إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك شمال إسرائيل.
وبرأيه، لم يعد الأسرى مادة لتبادل محدود كما حصل بعد حرب عام 2006، بل أصبحوا جزءاً من عملية تثبيت نتائج الحرب نفسها، بحيث يتحول الإفراج عنهم إلى عنصر مرتبط بترتيبات أمنية أوسع تشمل انتشار الجيش اللبناني ودور القوات الدولية ومستقبل السلاح جنوب الليطاني، أي إنهم باتوا جزءاً من معادلة الردع الجديدة لا مجرد تفصيل إنساني في سياق المواجهة العسكرية.
أما الصحافي والكاتب السياسي اللبناني علي حمادة، فيقرأ ملف الأسرى من زاوية انعكاساته داخل البيئة السياسية اللبنانية، وخصوصاً داخل البيئة الحاضنة لـ"حزب الله"، إذ يرى أن الحزب الذي بنى جزءاً أساساً من شرعيته القتالية خلال العقود الماضية على شعار تحرير الأسرى يجد نفسه اليوم أمام واقع معاكس يتمثل بارتفاع عدد المحتجزين لدى إسرائيل بعد حربين متتاليتين، من دون القدرة على فرض صفقة تبادل سريعة تعيدهم.
ويشير إلى أن استخدام إسرائيل اعترافات بعض الأسرى ضمن خطابها العسكري والإعلامي لم يكن موجهاً فقط لتحقيق مكاسب استخباراتية، بل ولإحداث تأثير سياسي ونفسي داخل البيئة الحاضنة للحزب عبر إظهار حجم الخسائر التي تكبدها خلال الحرب الأخيرة. وفي هذا السياق، يتحول ملف الأسرى إلى عنصر ضغط داخلي مزدوج يعيد فتح النقاش حول نتائج المواجهة الأخيرة وكلفتها السياسية والاجتماعية، مما يجعل هذه القضية جزءاً من معادلة التوازن الداخلي في لبنان بقدر ما هي جزء من معادلة التفاوض مع إسرائيل.
صفقات تبادل
تاريخياً، لم يحسم ملف الأسرى بين لبنان وإسرائيل عبر مسارات تفاوضية تقليدية بين دولتين، بل جرى التعامل معه غالباً من خلال صفقات تبادل غير مباشرة قادها "حزب الله" مع إسرائيل برعاية أطراف دولية، أبرزها اللجنة الدولية للصليب الأحمر وألمانيا. وتشكل صفقة يوليو (تموز) 2008، المعروفة إعلامياً باسم "عملية رضوان"، النموذج الأبرز في هذا السياق، إذ أفرجت إسرائيل عن الأسير سمير القنطار وعدد من الأسرى اللبنانيين والعرب إضافة إلى تسليم رفات عشرات المقاتلين، مقابل تسليمها جثتي الجنديين الإسرائيليين إيهود غولدفاسر وإلداد ريغيف اللذين أسرا خلال حرب عام 2006.
وقبل ذلك أيضاً، شهد عام 2004 صفقة تبادل واسعة أطلق خلالها سراح مئات الأسرى الفلسطينيين وعدد من اللبنانيين، مقابل الإفراج عن رجل الأعمال الإسرائيلي إلحنان تننباوم وتسليم رفات جنود إسرائيليين. وكرست هذه الصفقة معادلة واضحة مفادها أن ملف الأسرى كان يدار خارج الأطر الرسمية للدولة اللبنانية، وضمن ميزان ردع غير مباشر فرضته المواجهة العسكرية على الحدود الجنوبية منذ التسعينيات وحتى ما بعد حرب عام 2006.
لكن الفارق الجوهري اليوم يتمثل في أن الظروف التي أنجزت فيها تلك الصفقات لم تعد قائمة بالصورة نفسها. ففي تلك المرحلة، كان ملف الأسرى يُدار ضمن توازن ردعي ثنائي بين "حزب الله" وإسرائيل، أما في المرحلة الحالية، فانتقل الملف إلى مستوى تفاوضي مختلف تقوده الدولة اللبنانية، ضمن مسار دولي أوسع يتداخل فيه وقف إطلاق النار وترتيبات الحدود والانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتقدمة، مما يجعل إعادة إنتاج نموذج صفقات التبادل السابقة أكثر تعقيداً وأقل احتمالاً بالصيغة التي كانت قائمة قبل عام 2008.