ملخص
أزمة الطاقة تعيد العمل عن بعد إلى الواجهة كحل عملي، لكن الشركات تتمسك بالعودة للمكاتب بدوافع رقابية وثقافية. رغم الأدلة على كفاءة النماذج المرنة، يظل تبنيها مشروطاً بالأزمات، ما يكشف تردداً مؤسسياً في تحديث أنماط العمل نحو خيارات أكثر استدامة.
عند الساعة التاسعة مساء، تغلق المتاجر والمطاعم والمقاهي أبوابها في جميع أنحاء مدينة القاهرة، إذ فرض حظر تجول صارم للتخفيف من أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الخليج. قد يكون من الصعب تطبيق هذا الإجراء بين الناس الذين اعتادوا على الأمسيات الطويلة والممتعة، لكن الوضع لا يبشر بالخير، إذ تشير التقارير الواردة من المناطق الداخلية إلى أن مخزون محطات الوقود آخذ في النفاد، مما يثير مخاوف من أن تمتد حالة الطوارئ إلى فترة أطول من المتوقع.
يبدو أن بعض مناطق أفريقيا وآسيا سبقت أوروبا في مواجهة ندرة الموارد، فقد اتخذ بالفعل عدد من الإجراءات الحاسمة: فرضت مصر العمل عن بعد ليوم واحد، وأقرت سريلانكا يوم عطلة أسبوعي إضافي، واعتمدت الفيليبين أسبوع عمل مدته أربعة أيام لموظفي القطاع العام، وأغلقت بنغلاديش حرم الجامعات، وفرضت ميانمار ضوابط على استهلاك الوقود، وبدأت جنوب السودان في تقنين الكهرباء.
وعلى رغم أن قيود الإمدادات قد تكون أقل حدة في أوروبا، فهذا لا يعني أنها في مأمن. وقد أقر مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن بذلك، محذراً من أن أوروبا تواجه "وضعاً خطراً للغاية" لا نهاية واضحة له.
وقد لفت الانتباه إلى توصيات الوكالة الدولية للطاقة، وتشمل هذه التوصيات العمل من المنزل حيثما أمكن، وخفض حدود السرعة على الطرق السريعة، وتشجيع استخدام وسائل النقل العام وتجنب التنقلات غير الضرورية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعتزم الاتحاد الأوروبي الآن طرح مبادرة غير ملزمة لتشجيع العمل عن بعد كوسيلة لتخفيف أزمة الطاقة، عن طريق تقليل تنقلات الموظفين واستهلاك الطاقة في المكاتب.
على رغم التوصيات والقيود الصارمة، فإن الخطاب السائد هو أن هذه الأوقات العصيبة تتطلب تدابير جذرية، وإن كانت موقتة، وبمجرد أن تمر الأزمة الحالية، سيعود كل شيء لطبيعته، وإذا بدا هذا الخطاب مألوفاً للغاية، فذلك لأننا مررنا بهذه التجربة من قبل.
استجابة مألوفة للأزمات
تتشابه هذه الإجراءات بصورة لافتة للنظر مع تلك التي اتخذت لمكافحة جائحة كوفيد-19، فيما يبرز عنصر واحد بينها بصورة خاصة، وهو العمل عن بعد. مرة أخرى، يعود العمل من المنزل ليستخدم في الاستجابة للأزمات، مما يعزز فكرة ضرورة وجود ظروف استثنائية فقط لتبرير تغيير أنماط العمل.
في عام 2020، كان الهدف هو "تسطيح منحنى العدوى"، بينما أخليت المكاتب اليوم بصورة شبه كاملة بهدف تقليل استهلاك الطاقة. ومع ذلك، فإن التهافت الحالي على اتخاذ تدابير غير متناسقة يذكرنا إلى حد كبير بسنوات الجائحة. فمرة أخرى، تبدو القيادات المؤسسية والتجارية والعمالية والسياسية وكأنها فوجئت بالأمر.
في غضون ذلك، تتجسد آثار الحرب في صورة ركود تضخمي (تضخم من دون نمو)، مصحوباً بانكماش التجارة العالمية على خلفية تزايد الضغوط البيئية. وتضطرنا هذه الضغوط المركبة إلى إعادة التفكير في تنظيم العمل، وفي الوقت نفسه تجعل الاستثمارات البنيوية في الاستدامة أمراً أكثر قابلية للتطبيق سياسياً.
باختصار، أصبح من الصعب للغاية تبرير مقاومة أساليب العمل "غير التقليدية"، التي يمكن أن تخفف الاعتماد على الطاقة المستمدة من الوقود الأحفوري.
وما يثير قلقاً مماثلاً هو احتمال أن تتأثر تجربة العمال مع الترتيبات المرنة بهذا النهج المتقلب الذي تحكمه الظروف الطارئة، إذ يرسلون إلى منازلهم عندما تواجه الحكومات أو الشركات ضغوطاً متزايدة، ويستدعون فوراً للعودة للمكتب بمجرد انتهاء تلك الظروف.
في بداية الجائحة، وجدت الحكومات والشركات وعامة الناس أنفسهم في مواجهة المجهول. فجأة، أجبر الآباء على التوفيق بين العمل ورعاية الأطفال والتعليم، بينما اضطر الموظفون الجدد إلى تجهيز مكاتب موقتة في شقق مشتركة صاخبة.
ويتكرر هذا النمط نفسه مع أزمة النفط الحالية، لكن الهجرة الجماعية من مقار العمل الرئيسة لا تنبع من حماية الصحة العامة أو الالتزام بتحسين ظروف العمل، بقدر ما تنبع من اعتبارات خفض التكاليف على المدى القصير.
توجيهات العودة للمكتب
في إطار النقاش العام، أصبحت مسألة العمل عن بعد موضوعاً مثيراً للانقسام الشديد، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الموقف الذي اتخذه بعض الرؤساء التنفيذيين، ومن بينهم رؤساء شركات مثل "أمازون" و"إكس" و"غولدمان ساكس"، إذ فرضوا توجيهات صارمة للعودة للمكتب. وفي بعض الحالات، استغلت توجيهات العودة للمكتب كآلية لدفع الموظفين إلى الاستقالة الطوعية، مما أدى في الواقع إلى خفض عدد الموظفين من دون الحاجة إلى عمليات تسريح رسمية.
تتزايد الضغوط على الموظفين للعودة للمكتب، في حين لا يسمح لهم بالعمل عن بعد إلا في ظل شروط محددة بدقة، إذ يمنع عدد من هذه الشروط العمل عن بعد أيام الإثنين والجمعة، على سبيل المثال، لتجنب تحويل مرونة العمل إلى حرية في التنقل.
علاوة على ذلك، استثمرت قلة من الشركات ما يلزم من وقت وموارد لتهيئة بيئة عمل مناسبة حقاً للعمل خارج مقر الشركة.
وتشير الأبحاث إلى وجود ريبة عميقة ومتواصلة في استقلالية العاملين غير الخاضعين للإشراف، وهو ما ينعكس بصورة متزايدة في استخدام تقنيات المراقبة مثل مراقبة النقر على لوحة المفاتيح، والتقاط لقطات شاشة دورية، ومسح البريد الإلكتروني.
عندما يسمح بالعمل من المنزل، يصبح هذا العمل أرضية خصبة لهذه الأدوات التي تعرف باسم "بوسوير" (أدوات المدير)، مما يعزز التصور بأن العمل عن بعد ليس سوى تنازل قسري.
في العمل عن بعد فوائد للجميع
تدحض الأدلة هذا النهج البالي، يوضح نيك بلوم، الخبير الاقتصادي في جامعة ستانفورد، أن نموذج العمل الهجين عن بعد قد ترسخ ليصبح "الوضع الطبيعي الجديد". ففي الولايات المتحدة، استقر هذا النموذج عند نحو 28 في المئة من أيام العمل المدفوعة المأجورة في 2025-2026، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة خمسة في المئة فقط قبل الجائحة، من دون أي تداعيات اقتصادية سلبية.
في أوروبا أيضاً، تكثر التجارب المبتكرة. يختبر أرباب العمل في مختلف القطاعات ترتيبات أكثر مرونة، من سياسات العمل غير المحدود من أي مكان إلى أسابيع العمل الأقصر، لجذب الكفاءات واستبقائها.
يتطلب تحقيق نموذج عمل فعال وحقيقي خارج مقر الشركة درجة كبيرة من الابتكار القائم على التدرج من القاعدة إلى القمة، لكن يمكن أيضاً الوفاء بالوعد المؤجل بإحداث ثورة إدارية من خلال إطار قانوني يوفر مزيداً من الدعم.
بدأ الاتحاد الأوروبي يشق هذا المسار بالفعل، بعد الدعوة التي أطلقها البرلمان الأوروبي عام 2021 إلى اتخاذ إجراءات. حتى الآن، نظمت جولتان من المشاورات مع الشركاء الاجتماعيين، بهدف إقرار حق العمال في فصل أنفسهم عن العمل وضمان العدالة في العمل عن بعد.
يبدو أن التصور الذي تستند إليه هذه المشاورات قد تشكل نتيجة لمزيج من المخاوف المشروعة، وإن كان يبالغ فيها في كثير من الأحيان. ينظر إلى العمل عن بعد على أنه دافع للاتصال الدائم بالإنترنت وتهديد للسلامة والصحة، لكن ما ينقص إلى حد كبير هو محاولة أعمق لاغتنام هذه اللحظة السياسية باعتبارها فرصة لإعادة النظر في تنظيم أوقات العمل.
لا تزال الأطر التنظيمية الحالية ترتكز على نموذج مستقيم وصارم وهرمي ومتحيز للرجال، لكن ما يتطلبه الواقع بدلاً من ذلك هو الانتقال نحو طرق أكثر تنوعاً واستدامة وتعاوناً وتمكيناً لتنظيم الوقت والمكان.
كفوا عن الارتجال، وابدأوا بالتوقع
يمكن للمؤسسات على جميع المستويات أن تتخطى نطاق النوايا الحسنة وتبدأ في تنفيذ ما تدعو إليه، وفقاً لمسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي لعام 2024 الخاص بالموظفين الحكوميين، فإن نحو اثنين من كل خمسة (37.2 في المئة) منهم لا يعملون عن بعد أبداً، في حين أن واحداً فقط من كل خمسة (22.6 في المئة) يفعل ذلك لمدة يوم إلى يومين في الأسبوع.
ومع ذلك، يرتبط العمل الطوعي عن بعد، سواء كان منتظماً أم عرضياً، بمستويات أعلى من الراحة. وينطبق هذا بصورة خاصة على العاملين في وظائف الدعم الإداري أو مقدمي الخدمات للمواطنين عبر الاتصال الهاتفي، الذين غالباً ما لا يكون حضورهم في المكتب ضرورياً.
وإذا كان الحديث عن العمل عن بعد أثناء الأزمات يبدو تافهاً، فإن التمسك بطرق العمل البالية هو أمر تافه أيضاً. فالموظفون الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المكتب من أجل المشاركة في مكالمات "زوم" مع العملاء، أو المديرين الذين يعلقون في زحام المرور لمجرد الوصول إلى مكاتبهم وكتابة رسائل عبر البريد الإلكتروني، أو المستشارون الذين يسافرون من أماكن بعيدة لتقديم عرض مدته 10 دقائق، كل هذا يعكس ثقافة متخلفة كان يجب التخلي عنها منذ زمن طويل، كما أنه يكشف عن حدود نموذج يفترض أن موارد العالم غير محدودة.
لم تعد الأجيال الشابة مستعدة للتضحية بحريتها وتطلعاتها في مقابل الحضور والطاعة، وينبغي الآن توقع درجة أكبر من النضج الإداري.
لا ينبغي التعامل مع عملية إعادة تنظيم مسارات التعاون وهياكل العمل وأساليب التنظيم على أنها حل موقت، بل يجب اعتبارها استثماراً طويل الأجل (تترتب عليه آثار إيجابية في الإنتاجية)، وفي إطار هذا التحول، يجب أن تكون إعادة النظر في مواعيد العمل هي الخطوة التالية لكسر محظورات راسخة منذ زمن طويل.
اليوم، بينما تواجه أماكن العمل أزمتها الثالثة خلال ست سنوات، ليس السؤال الحقيقي هو إذا ما يجب أن يكون العمل عن بعد هو القاعدة، بل لماذا يتطلب الأمر كارثة أخرى لتغيير الطريقة التي ننظم بها العمل.
أنطونيو ألويزي هو أستاذ مشارك في قانون العمل الأوروبي والمقارن بجامعة "آي إي" IE الإسبانية. أعيد نشر هذه المقالة من موقع "ذي كونفرسيشن" The Conversation بموجب ترخيص "كرييتف كومنز". لقراءة المقالة الأصلية.