ملخص
اليهود التوراتية المتشددة كانوا الأكثر ترحيباً بإسرائيل في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وأكثر من غيرهم من الفئات الهندية الأخرى، خصوصاً بعد اعتراف أكبر الحاخامات في إسرائيل بحقيقة يهوديتهم الضاربة في نسل الأسباط الـ10 من اليهود الضائعين، بعد اجتياح الغزو الآشوري عام 722 قبل الميلاد لبلاد الشام وفلسطين.
تمارس إسرائيل في خطابها السياسي الإعلامي اليوم محاولة جديدة لسردية الأحداث تلمع نهجها العسكري في المنطقة كنصر ديني روحي مرتقب منذ 40 عاماً، وذلك بناء على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال مقابلة له على قناة "فوكس نيوز" الأميركية الأسبوع الماضي.
ومنذ أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تلا ذلك من تداعيات وحتى الحرب ضد إيران التي اندلعت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، ترى القيادة الإسرائيلية أن هذه الحرب هي حرب الخلاص والنصر ضد إيران وأنصارها في المنطقة، وهذه السردية المسوق لها كإنجاز سياسي روحي تأتي بنبرة ثقة، بعد أن اكتسبت إسرائيل حليف جديد يعطي زخماً وصداقية لرؤية وأهداف إسرائيل السياسية في المستقبل، أو بالأحرى تعزيزاً لصورة نتنياهو البرلمانية قبل الانتخابات التشريعية نهاية عام 2026.
من زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل في الـ25 من فبراير الماضي، وتصريح نتنياهو في هذه الزيارة بأن إسرائيل تتصدر وجهه الحضارة الشرقية وتخرج عن عزلتها بعد تحالفها الوثيق مع الهند، وعزمها على محاربة "الإرهاب الإسلاموي المتطرف في الشرق الأوسط"، وفق ما ذكر، يتضح لنا انسجام واتفاق هذا التحالف منذ بدايته.
وتشير دلالات هذه الزيارة الاستثنائية في كونها ذات بعد روحي ديني، نلاحظه بعد أن ألقى رئيس الوزراء الهندي خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي، الذي أكد فيه وقوف الهند بجانب إسرائيل بثبات وبقناعة راسخة تؤمن بحق اليهود في إسرائيل، وهذا يعني ترسيخ العلاقات على مستوى أعمق ومتطور أكثر مما كان عليه في السابق، بل ومختلف عما كان عليه، لا سيما بعد تغير موقف الهند من القضية الفلسطينية وتأكيد كلا الطرفين في الزيارة الأخيرة أن هناك تاريخاً من الدعم الإسرائيلي العسكري للهند خلال حروبها مع باكستان ونزاعاتها مع الصين، مما أسس لبنية تعاون استراتيجي عميق نراه اليوم، ويؤكد ذلك ما ذكرته صحيفة "يسرائيل هيوم" بأن زيارة رئيس وزراء الهند تتويج لتحالف استراتيجي وعسكري.
وذكرت الصحيفة حينها أنه جرى توقيع 16 اتفاقاً ثنائياً جديداً بين مودي ونتنياهو بقيمة تتجاوز 10 مليارات دولار، في واحدة من أكبر الصفقات بين البلدين، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في التسعينيات.
من الواضح أن هدف الهند من هذه الصفقات زيادة استيراد الأسلحة الإسرائيلية التي اختبرت فاعليتها في صراعها الأخير مع باكستان، وتحديث قطاعها الصناعي والتكنولوجي المتأخر، وإسرائيل من ناحية أخرى مستفيدة بلا شك من العنصر البشري الفائض في الهند في حرب دعت لها تيارات داخلية في إسرائيل من دون نظر في عواقب هذه الحرب في الداخل الإسرائيلي.
من الكريكيت والعنصرية إلى استيطان مرحب به
من العنصرية التي مارسها اليهود ضد الهنود إلى التآلف الذي نشهده اليوم، نسترجع تاريخياً مرحلة تطور العلاقات بين البلدين المختلفين لغوياً والمتوافقين عقائدياً، إذ نجد أن اليهود في الهند يشكلون أقلية لا تزيد على بضعة آلاف اليوم بعد هجرة كثير منهم عقب استقلال الهند 1947 إلى إسرائيل وإنجلترا وغيرهما من البلدان، مع احتفاظهم بهوياتهم المغلقة كهنود كوشير وكاريين ومنشنيين، في حين أن دافع الهجرة آنذاك كان عقائدياً، بخاصة إذا كانت الهجرة إلى إسرائيل، واقتصادياً أكثر من أي شيء آخر إلى البلاد الأخرى، وذلك بعد أن اكتسبت الهند طابعاً اتحادياً جديداً يدمج بين ولاياتها بعد الاستقلال.
ويذكر محمد نصر المتخصص في التاريخ والحضارة في كتابة "الهند القديمة ودياناتها" أن أكثر الفئات اليهودية هجرة هي فئة يهود بني مناشيه الهندية، المنحدرين من شمال شرقي وغرب الهند، فهجرتهم هجرة دينية لأرض الميعاد إسرائيل في نظرهم.
ومن الملاحظ أن كونهم من فئة اليهود التوراتية المتشددة كانوا الأكثر ترحيباً بإسرائيل في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وأكثر من غيرهم من الفئات الهندية الأخرى، خصوصاً بعد اعتراف أكبر الحاخامات في إسرائيل بحقيقة يهوديتهم الضاربة في نسل الأسباط الـ10 من اليهود الضائعين بعد اجتياح الغزو الآشوري عام 722 قبل الميلاد لبلاد الشام وفلسطين.
ولكن في فترة التسعينيات ومع زيادة الهجرة اليهودية واتساع المستوطنات في إسرائيل وعلى رغم تطور العلاقات بين الهند وإسرائيل، كان هناك تحفظ من الكنيست الإسرائيلي على توافد الهجرة الهندية لإسرائيل، وتشدد من وزارة الهجرة على استقبال الهنود اليهود لعدم التأكد من حقيقة يهوديتهم، على رغم حق العودة الذي يضمن لأي يهودي في العالم حق الهجرة والإقامة في إسرائيل، فكان هناك تشديد على تأشيرة القدوم والدخول، ولم يكن من السهولة اندماجهم في بداية الهجرة في المجتمع الإسرائيلي، إذ كان هناك تمييز مورس ضدهم في بدايات استقرارهم زاد من حدته تداول النشطاء اليهود المتطرفين تساؤلات عدة حول المهاجرين وأعراقهم، ومن هو اليهودي الحقيقي؟
وفي الحقيقة استطاع الهنود اليهود أكثر من غيرهم في إسرائيل التغلب على حواجز عنصرية فرضها الإسرائيليون منذ البداية، كحصر التعليم النخبوي في اليهود الأشكناز من دون الهنود ذوي البشرة المختلفة وإصدار فتوى حاخامية تمنع الزواج منهم، وتمكنوا من الاندماج في المجتمع الإسرائيلي بعد استيطانهم في مدينة بئر السبع ومساهمتهم في تنمية المدينة تجارياً وتنوعها ثقافياً عبر إنشاء مطاعم هندية ونشر التقاليد الهندية، إضافة إلى تمكنهم من تأسيس أول ناد لرياضة الكريكيت في بئر السبع في ستينيات القرن الماضي، مما أدى إلى تطور هذه الرياضة وتأسيس اتحاد يمثل إسرائيل عالمياً.
واليوم مع تطور العلاقات بين البلدين يشغل كثير من الإسرائيليين من أصل هندي وظائف مرموقة داخل الحكومة وفي القطاع الخاص، كما أنهم يترشحون في الانتخابات المحلية بعد زيادة عددهم في عام 2021.
حزب بهاراتيا اليميني والتوافق مع الليكود
يشكل عام 1992 بداية ازدهار العلاقات الإسرائيلية مع الهند، إذ تعمقت على المستوى الدبلوماسي وتبادل الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وصولاً إلى تعمقها على المستوى التجاري وعقد الصفقات العسكرية، وسهل تطور هذه العلاقات سيطرة حزب "بهاراتيا جاناتا" على سدة الحكم في تلك المرحلة، وهو الحزب اليميني الهندوسي الذي يحمل رؤية أيدولوجية ترتكز على القومية والنيوليبرالية الاقتصادية ونشر ثقافة الهندوتفا التي فيها معيار الدين وثقافة تقديس العرق حاضرة، وهي حركة اقتبست مفاهيمها من الفاشية والنازية التي طغت على أوروبا خلال الحربين العالميتين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستطاع هذا الحزب إدارة التحالف الوطني الديمقراطي الهندي ودفع به للترحيب بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرئيل شارون في عام 2003 وتوطيد العلاقات بصورة أعمق، وذكرت صحيفة "هآرتس" العبرية أن العلاقات شملت تعزيز التبادل الزراعي والتكنولوجي وتسهيل عمليات بعثات علمية بين البلدين.
في عام 2014 فاز بنيامين نتنياهو بانتخاب قيادة حزب "الليكود" بعد رحيل شارون، ولم يكن من المصادف أن يتغير موقف الهند من القضية الفلسطينية في تلك الفترة، بل كان مرتباً ومتفقاً عليه بعد زيارة نتنياهو للهند عقب انتخابه وفوزه تلك السنة، والسبب يعود لعدد من المعطيات، أولها يستلزم تسهيل عدد من الصفقات بين الهند وإسرائيل والتراجع عن بعض المواقف السياسية بالنسبة إلى الهند التي تحتاج إلى مورد دفاعي واقتصادي قوي غير روسيا والصين، وحاجة إسرائيل إلى ولاء بشري غير متأثر في هواه بالقضية الفلسطينية والعداء المستحكم من العرب ضد إسرائيل، إضافة إلى صعود حزبين متوافقين في الخلفية الفكرية ذات الرؤية القومية المشتركة.
تموضع جديد للعلاقة الهندية في صالح إسرائيل
ومع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الأخيرة إلى إسرائيل، وما رافقها من تصريحات داعمة لتل أبيب بصورة غير مسبوقة في تاريخ الهند المستقل، أصبح من الواضح أن الهند تتجه إلى تموضع استراتيجي جديد يتناقض كلياً مع إرثها الدبلوماسي الذي اعتدنا عليه، وهو عدم الانحياز، ويظهر أن هناك تحالفات جديدة تسعى لها إسرائيل ليس مع الهند فقط، بل ستتجه إلى دول أفريقية، لا سيما إثيوبيا التي تحوي نسبة من يهود فلاشا التوراتية.
يؤكد ذلك قول الباحث التاريخي في الشأن الإسرائيلي الفرد ليلينتال مؤلف كتاب "ثمن إسرائيل" أن المسيحي العادي لم يكن له أي شعور عميق إزاء العداء المستحكم في الشرق الأوسط، ولكن هواه استغل لصالح إسرائيل، التي عرض له تقدمها ونموها في فيض من القصص المثيرة للشعور والعطف، وبالتالي يتعين على إسرائيل البحث عن هوى جديد يستغل، وينطبق الأمر على ما يبدو على الهنود اليوم.