Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مودي يدفع باتجاه خريطة انتخابية جديدة قد تحدد من يمسك بالهند لعقود

فيما تربط الحكومة الهندية التغييرات الواسعة في الدوائر البرلمانية بزيادة تمثيل النساء، يحذر قادة المعارضة من أن هذه الإصلاحات صممت لخدمة الحزب الحاكم في الانتخابات العامة المقبلة، بل وما بعدها

شن مودي هجوماً لاذعاً على المعارضة لرفضهم التعديلات المقترحة (غيتي)

ملخص

معركة ترسيم الدوائر في الهند تحولت إلى صراع مفتوح على شكل التمثيل السياسي وتوازن القوة بين الشمال والجنوب، وسط اتهامات لمودي باستغلال حصة النساء لإعادة توزيع النفوذ قبل انتخابات 2029. المواجهة لم تعد تقنية أو إجرائية، بل تمس بنية الديمقراطية الهندية نفسها، لأن إعادة رسم الخريطة الانتخابية قد تعيد تحديد من يمسك بالسلطة لعقود مقبلة.

ارتفعت ألسنة اللهب سريعاً في قيظ أبريل (نيسان) الجاف في جنوب الهند، فيما وقف رئيس حكومة ولاية تاميل نادو إم كيه ستالين أمام حشد اتشح بالسواد، ممسكاً نسخة من مشروع قانون حكومي وقداحة. وسرعان ما تحول ما يسمى "القانون الأسود"، الذي من شأنه توسيع عدد مقاعد مجلس النواب الهندي من 543 إلى ما يصل إلى 850 مقعداً، إلى رماد، بينما كان أنصار الحزب يهتفون بشعارات مناهضة للحكومة الفيدرالية.

ولم يكن الاحتجاج مجرد مشهد سياسي استعراضي، بل مثل الشرارة الأولى في ما قد يتحول إلى واحدة من أهم المعارك السياسية في الهند منذ عقود، صراع حول التمثيل والسلطة والبنية نفسها التي يقوم عليها أكبر نظام ديمقراطي في العالم.

وفي صلب هذا الجدل مسعى يقوده رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإعادة ترسيم الدوائر البرلمانية وتوسيع مجلس النواب، وهي خطوة يقول حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم إنها ضرورية لتطبيق قانون أقر عام 2023 يفرض شغل النساء 33 في المئة من مجمل المقاعد في الهيئات التشريعية الفيدرالية وتشريعات الولايات.

ويرى منتقدون أن لا ضرورة للربط بين المسألتين، إذ يمكن ببساطة تطبيق الحد الأدنى من الحصة المخصصة للنائبات ضمن البنية الحالية للبرلمان، أما الهدف الحقيقي للمقترح برأيهم فهو أكثر استراتيجية بكثير، ويتمثل في إعادة معايرة موازين القوة قبل الانتخابات العامة المقبلة في عام 2029.

ولم تجر الهند إعادة توزيع جوهرية للمقاعد البرلمانية منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد نفذت هذه العملية، التي تتولاها "لجنة ترسيم الدوائر" المنشأة بموجب القانون، للمرة الأخيرة بعد تعداد عام 1971.

وفي عام 1976، حين كان عدد سكان الهند يقارب 550 مليون نسمة، جرى تجميد عدد مقاعد مجلس الشعب "لوك سابها" عند 543 مقعداً. وكان الهدف من هذه الخطوة ضمان ألا تعاقب الولايات التي نجحت في خفض معدلات الإنجاب بتقليص تمثيلها، نظراً إلى أن حجم الدوائر كان مرتبطاً بعدد السكان. وكان يفترض أن ينتهي هذا التجميد بعد تعداد عام 2001، إلا أن حكومة "بهاراتيا جاناتا" السابقة برئاسة أتال بيهاري فاجبايي مددت العمل به حتى عام 2026 في الأقل.

وكانت حكومة مودي تتحرك لإنهاء هذا الوضع القائم منذ زمن طويل.

ويهدف مشروع قانون ترسيم الدوائر الذي تقدمت به إلى توسيع مجلس الشعب "لوك سابها" ليصل عدد مقاعده إلى 850 مقعداً، وإعادة ترسيم الدوائر استناداً إلى آخر تعداد أجري عام 2011. كما يربط تنفيذ قانون حجز المقاعد للنساء، الذي أقر عام 2023 ولم يطبق بعد، بهذه العملية. ولهذا الغرض، دعي البرلمان إلى دورة خاصة استمرت ثلاثة أيام من الـ16 إلى الـ18 من أبريل (نيسان)، لمناقشة التعديلات اللازمة لإقرار هذه التغييرات قبل انتخابات 2029.

غير أن مشروع قانون التعديل الدستوري رقم 131 لعام 2026 فشل في الحصول على غالبية الثلثين المطلوبة لإقرار التعديل الدستوري، إذ صوت 298 نائباً لمصلحته في مقابل 230 نائباً ضده.

وقال زعيم المعارضة راهول غاندي في منشور على منصة "إكس" بعد دقائق من سقوط المشروع: "سقط مشروع التعديل، لقد استخدموا حيلة غير دستورية باسم النساء لكسر الدستور".

ورفضت الحكومة هذا الاتهام، وقالت إنها ستواصل حملتها دفاعاً عن حصة النساء. وقبل طرح المشروع على التصويت، قال وزير الداخلية أميت شاه في البرلمان: "نساء هذا البلد لن يغفرن لكم".

وشن مودي هجوماً لاذعاً على المعارضة السبت في خطاب وجهه إلى الأمة، وقال: "كل مواطن في الهند يرى كيف سحقت أحلام نسائنا"، مضيفاً أن "النضال من أجل تمكين نساء الهند تعطل بسبب الأنانية السياسية لأحزاب المعارضة".

وشبه مودي موقف المعارضة بـ"بهرون هاتيا"، أي "وأد الأجنة الإناث"، متهماً أحزاباً مثل "المؤتمر" و"درافيدا مونيترا كازاغام" و"سامجوادي" و"ترينامول" بأنها "قتلت" مقترح حجز المقاعد للنساء منذ طرحه للمرة الأولى، بحسب ما أفادت به تقارير. وقال: "قد تنسى المرأة أشياء كثيرة، لكنها لا تنسى الإهانة أبداً".

في المقابل، أكدت أحزاب المعارضة أنها تؤيد حجز مقاعد للنساء، لكنها ترفض ربط تنفيذ ذلك بعملية ترسيم دوائر على مستوى البلاد باستخدام بيانات سكانية قديمة، في وقت يجري فيه تعداد 2026-2027. كما قالت إن الاعتماد على أرقام عام 2011 قد يضعف التمثيل النسبي للولايات الجنوبية والشمالية الشرقية، حيث تباطأ النمو السكاني بوتيرة أسرع مما حدث في عدد من الولايات الشمالية.

وقالت راديكا خيرا، المتحدثة باسم حزب "بهاراتيا جاناتا"، لـ"اندبندنت": "عملت الهند ببيانات عام 1971، وهو ما أدى عملياً إلى إسكات أصوات الملايين. وترسيم الدوائر في 2026 لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بالتوازن الديمقراطي".

ووصفت توسيع "لوك سابها" بأنه "صمام أمان"، يضمن أنه بينما تحصل الولايات الأعلى سكاناً على تمثيل أكبر، لا تخسر الولايات الأخرى قوتها الحالية. وأضافت: "من خلال توسيع العدد الإجمالي، نضمن أن تحصل الولايات ذات الكثافة السكانية الأعلى على تمثيلها المستحق".

وقالت: "العدالة تعني ألا تقل قيمة صوت أي مواطن عن صوت غيره، بغض النظر عن الجغرافيا".

وفي ما يتعلق بقرار استخدام تعداد 2011، تقول الحكومة إن انتظار الإحصاء السكاني المقبل، الذي كان يفترض إنجازه في 2021، ولم يعد متوقعاً قبل 2027، سيؤدي إلى تأخير تنفيذ حجز المقاعد للنساء حتى عام 2034 في الأقل.

وتقول خيرا: "نحن نختار التمكين الفوري بدلاً من التأجيل إلى أجل غير مسمى".

لكن المقترح أثار قلقاً عميقاً في الولايات الجنوبية، إذ يتمتع حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم بحضور أضعف عموماً. ويكمن جوهر هذا القلق في معادلة بسيطة: إذا جرى توزيع المقاعد البرلمانية على أساس عدد السكان وحده، فإن الولايات ذات النمو السكاني الأعلى، ومعظمها في شمال الهند، ستحصل على عدد أكبر من النواب، فيما سيتراجع النفوذ النسبي للولايات الجنوبية.

ويرى ب. ويلسون، وهو نائب عن حزب "درافيدا مونيترا كازاغام" الحاكم في تاميل نادو، أن ذلك يمثل خرقاً مباشراً لتفاهم سياسي قائم منذ عقود.

ويقول: "قيل للولايات: اضبطوا النمو السكاني، وسيأتي ترسيم الدوائر لاحقاً. أما اليوم فقد ذهب ذلك أدراج الرياح".

ويضيف: "أنتم تكافئون الولايات التي لم تلتزم ضبط السكان، وتعاقبون تلك التي التزمت به بدقة. فأين المساواة الآن؟".

وتتمتع ولايات مثل تاميل نادو وكيرالا وكارناتاكا بمعدلات خصوبة أقل ومؤشرات اجتماعية واقتصادية أقوى. كما تسهم في الاقتصاد الهندي بصورة أكبر من الولايات الشمالية الأعلى سكاناً. ويقول قادتها إن إعادة التوزيع القائمة على عدد السكان وحده تتجاهل هذه الإنجازات.

ويردد سارال باتيل، المتحدث باسم حزب "المؤتمر" المعارض، هذا القلق، واصفاً ما يجري بأنه "تحول بنيوي في ميزان القوى الفيدرالي في الهند".

ويقول: "إذا كان عدد السكان هو المعيار الوحيد، فأنتم تعاقبون الولايات على حسن إدارتها".

 

وبالنسبة إلى المعارضة، يثير توقيت هذه الخطوة أسئلة إضافية. ويقول ويلسون في إشارة إلى حزب "بهاراتيا جاناتا": "الاستعجال سببه الانتخابات، هم يفكرون دائماً بعقلية انتخابية".

ويضيف: "عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، سيفعلون أي شيء".

ويرى أن حضور الحزب الحاكم الأضعف في الولايات الجنوبية يسهم في رسم سياسات الحكومة، ويقول: "الولايات الجنوبية رفضتهم، ولذلك لا يريدون أن يسمع صوت هذه الولايات".

أما زعيم حزب "المؤتمر" راهول غاندي فذهب أبعد من ذلك، إذ وصف المقترح بأنه "محاولة للاستيلاء على السلطة" عبر التلاعب بالحدود الانتخابية.

كما يلفت قادة المعارضة إلى تسلسل الأحداث: تأخير إجراء التعداد السكاني العشري، ثم إقرار قانون حجز المقاعد للنساء، ثم ربط هذا الإصلاح بترسيم الدوائر. ويقول باتيل: "إذا نظرت إلى هذه العملية كلها زمنياً، بدا الأمر وكأنها تسرع لتناسب جداول سياسية، لا متطلبات سياسة عامة حقيقية".

وترفض الحكومة هذه الانتقادات، وتقول خيرا: "القول إنه ينبغي كبح التمثيل لأنه قد يفيد حزباً ما، هو في جوهره موقف مناهض للديمقراطية". وتضيف: "نحن لا نهندس الانتخابات، بل نعيد هندسة نظام أصابه الجمود".

ولا يختلف كثيرون على الحاجة إلى زيادة تمثيل النساء، فالنساء لا يشكلن اليوم سوى 14 في المئة من مجلس النواب، أي أقل من نصف الحصة المقترحة، لكن ربط هذا الإصلاح بترسيم الدوائر يبقى أحد أكثر جوانب المشروع إثارة للجدل.

ويقول ويلسون: "أي شخص عاقل يعرف أنهم يتسترون وراء حجز المقاعد للنساء، فما الذي يمنعكم من تطبيقها ضمن 543 مقعداً؟".

ويقول باتيل إن ثمة بدائل عملية: "لا يوجد أي عائق بنيوي. وكان يمكن تنفيذ ذلك من خلال التناوب أو التوزيع الداخلي، لكن ربطه بترسيم الدوائر يخلق وضعاً يبدو فيه الاعتراض على أحد الأمرين وكأنه اعتراض على الآخر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، يصر حزب "بهاراتيا جاناتا" على أن ترسيم الدوائر ضروري لتطبيق الحصة بصورة عادلة، وتقول خيرا: "يجب أن يستند التمثيل إلى دوائر جغرافية محددة بوضوح، ولا يمكن ببساطة تعيين نساء في المقاعد، نحن ندرج الحصة في النسيج نفسه للدوائر الانتخابية الجديدة".

وبعيداً من السجال السياسي، لا تزال بعض المسائل التقنية من دون حل. فمنتقدو مشروع القانون يبدون قلقهم من سقف الـ850 مقعداً، وغياب منهجية واضحة لتوزيع المقاعد بين الولايات، وكيفية اختيار الدوائر المخصصة لحصة النساء، بخاصة أن حصصاً قائمة بالفعل مخصصة لـ"الطبقات المصنفة" و"القبائل المصنفة"، وهي مجموعات عانت تاريخياً التهميش.

ويقول ويلسون عن السقف المقترح: "لا توجد منهجية"، متسائلاً عن النسبة "الاعتباطية" بين عدد النواب وعدد الناخبين. ويضيف: "تحددون رقماً، ثم تضيفون مقاعد حيثما يلائمكم الأمر".

أما خيرا فتدافع عن التوسيع المقترح بوصفه تسوية مدروسة بين التمثيل والجدوى العملية.

وتقول: "في حين أن اعتماد نسبة صارمة واحد إلى واحد وفق عدد السكان الحالي قد يوحي بوجود نحو 1200 مقعد، فإن علينا أن نوازن بين التمثيل والفعالية".

وتضيف: "برلمان بهذا الحجم سيكون صعب الإدارة، وقد يضعف جودة النقاش".

وتصف المقترح بأنه "توسيع محسوب، لا تضخم منفلت"، مشيرة إلى أن الوقت لا يزال مبكراً للتعليق على الأرقام النهائية، لكنها تؤكد التزام الحكومة بضمان ألا تخسر أية ولاية تمثيلها.

ومن المتوقع أن تتمتع "لجنة ترسيم الدوائر"، التي يرجح أن يترأسها قاض متقاعد من المحكمة العليا، بصلاحيات واسعة لإعادة رسم الحدود، مما يثير مخاوف إضافية في شأن الشفافية والرقابة.

ويرى باتيل أن "العملية برمتها تتعلق بمن سيمسك بالسلطة في الهند خلال العقود القليلة المقبلة".

وفي العودة لناماكال في تاميل نادو، كانت بقايا مشروع القانون المحترق لا تزال متناثرة على الأرض، فيما تعهد المحتجون بالتصدي لهذه التغييرات. وبينما ينعقد البرلمان لمناقشة المشروع، من المتوقع أن تشهد أنحاء البلاد تظاهرات مماثلة خلال الأيام المقبلة.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من دوليات