Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر عبد اللطيف اللعبي في مرآة الذات والعالم

أعماله التي تصدر بالترجمة العربية تجدد إطلالة الرائد المغربي على المشهد الراهن

الشاعر المغربي الرائد عبد اللطيف اللعبي (دار الرافدين)

ملخص

يشكل الكتابان الشعريان "قاب قوسين من الجحيم" و"نخب الانصراف" للشاعر عبداللطيف اللعبي حلقتين جديدتين مهمتين في سلسلة أعماله الكاملة مترجمة إلى اللغة العربية، التي تجعله في صدارة المشهد.

بعد صدور الأعمال الشعرية الكاملة باللغة الفرنسية في ثلاثة أجزاء للشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي، يأتي مشروع إصدار مجموعاته الشعرية مترجمة إلى العربية ليعزز حضور الشاعر الرائد، المولود في فاس عام 1942 ويقيم في فرنسا منذ عام 1985، في المشهد الإبداعي، كواحد من الشعراء الفاعلين والمؤثرين. وقد صدر أخيراً ديواناه "قاب قوسين من الجحيم" و"نخب الانصراف" بترجمة محمد خماسي واللعبي نفسه عن دار الرافدين (بيروت، بغداد، 2026)، وهي الدار التي نشرت من مجموعاته الشعرية "لا شيء تقريباً"، و"الأمل عنوة"، و"الشعر لا يهزم"، إلى جانب مؤلفاته المسرحية، ونصه السردي "الهرب إلى سمرقند".

في إصداريه الجديدين، "قاب قوسين من الجحيم"، و"نخب الانصراف"، تتبلور تجربة اللعبي الشعرية العريضة كصاحب منجز جمالي وموقف فكري وإنساني في آن، إذ تنغمس الكتابة دائماً في الهم البشري، وتحضر القضية بكثافة بمعناها الواقعي وتمثلاتها الكونية والفلسفية.

وتحت هذه المظلة، أسس اللعبي منذ بداياته عام 1966 مجلة "أنفاس"، التي اضطلعت بدور ملموس في التجديد الأدبي والثقافي المغربي، واكتست بنكهة سوريالية في بعض تجلياتها.

وبعد دراسته الأدب الفرنسي في جامعة محمد الخامس في الرباط، يمضي اللعبي في مزج كتابته الإبداعية برؤاه الفكرية ونشاطه السياسي ودعواته التحررية، مما دفع به إلى السجن عام 1972 لسنوات عدة قبل هجرته إلى فرنسا.

ومع توالي إصدارات اللعبي، يبرز اسمه عالمياً على نطاق واسع، على رغم أنه يجد ذاته متصالحاً دائماً مع الهامش ومع العاديين والمهمشين خارج المتن. ويضم الشاعر إلى جعبته جوائز دولية مرموقة، منها: جائزة آلان بوسكيه، وجائزة غونكور للشعر، والجائزة الفرنكفونية الكبرى التي تمنحها أكاديمية اللغة الفرنسية، وجائزة محمود درويش من أجل الحرية والإبداع، وجائزة روجر كوالسكي للشعر (جائزة الشعر الكبرى لمدينة ليون)، وغيرها.

الفنيات والمسؤولية

يشحن عبداللطيف اللعبي فنيات القصيدة بحمولات ثرية، مبعثها الضمير الحي، والوعي الفردي والجماعي في آن، فصوت الشاعر هو صدى الداخل، وهو أيضاً مرآة الإنسان أينما كان. القصيدة لديه مسؤولية جمالية، بفنياتها التعبيرية والأسلوبية والتصويرية ولغتها وبنيتها وموسيقاها وسائر عناصرها ومفرداتها. وهي، في الوقت نفسه، مسؤولية إنسانية، وفق مفاهيم الالتزام والتوحد مع الآخرين في كل مكان وزمان، خصوصاً المستضعفين والمقهورين "سنذهب إلى الجحيم، لأننا قد استحققناه، بهذا القدر أو ذاك. بما أننا جاورناه، منذ غابر الأزمان، إلى يوم الناس هذا، في مطلع الشمس. لأننا سمعنا جيداً، صراخ المعذبين، نداءات استنجادهم، من دون أن نحرك ساكناً. نعتقد أننا ندير ظهورنا للجحيم، بينما هو على بعد خطوتين أمامنا"، بحد قوله في ديوانه "قاب قوسين من الجحيم".

هذا الإحساس المسؤول، إذا جاز التعبير، هو الذي يضع الشاعر تحت وطأة العجز والعار و"جبن المتفرج" و"جريمة اللامبالاة"، وهو يطالع الجرائم الإسرائيلية التي ترتكب على أرض فلسطين. وهنا، في قصيدته "أحاول أن أكتب قصيدة عن غزة" من ديوانه "نخب الانصراف"، ينأى الشعر عن الترف، ويتمسك بفكرة أن تكون الكلمات حصناً ضد الهمجية. ويجرد الشاعر هذا المنظور السياسي المحدود، ليصير صيحة أعمق وأشمل وأرحب، تدوي في كل الأرجاء والفضاءات، ناشدة العدالة والحرية ونيل الحقوق، ومناهضة الدمار والقتل والتنكيل والترويع "صرختي الأثيرة، اختنقت في حنجرتي. أصبحت بدوري: لا حياً ولا ميتاً، موتهم لا يشبه موتي، ولا موتكم. لكثرة ما هو ملموس، غدا مجرداً تماماً. أمواتهم لم يعودوا سوى أرقام، نحلجها في شرود، على أطراف الشفاه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم الشتات والتشظي، فلا ينفك عبداللطيف اللعبي في ديوانيه الجديدين يطارد بوصلة الحقيقة، رافضاً الانخراط في لحظات السيولة ومدارات الخراب ومتاهات السراب. هو يتمسك بالرمق الأخير، ذلك الذي يراه عنواناً وحيداً للأمل والبقاء، في خضم صفحات الموت المخضبة بالفزع والهلع، والمسودة بأحبار الدماء. وهكذا، قد تكفي أحياناً ابتسامة صغيرة لإطفاء حرائق واسعة من العهر الذي يصبغ خلايا الحياة الفاسدة "هنا وهناك، أنتزع من وجهي ابتسامة. وعندما أضحك فاغراً فمي، أفكر دائماً، في نظرة الدخيل الحاقد، بالمدية التي يلوح بها القاتل: شاب، في عمر حفيدي. أحياناً، أبكي في قرارة نفسي، وبكل حنق أدير ظهري للحياة، تلك العاهرة!".

يتحرك اللعبي من منصات الثورة والتمرد والغضب المباشر في أعمال سابقة، إلى قدر من الصور الذهنية المضغوطة، ومساءلات الوجود، والحكمة التأملية الفلسفية، المأزومة والمهزومة في طابعها. ولكنها مسكونة أيضاً بخميرة نشطة، سرية، سحرية، قادرة على أن تصنع من أوجاع الذات ومن تأوهات المتألمين والمسجونين والمنفيين نوافذ في الجدران، تسمح بالعبور وكسر الحصار ومراوغة السجان "الشجرة، الحيوان، الطوطم، أو النجمة التي نختارها. هذه الصباحات، تفتح لنا نافذة، على صباح العالم".

وفي غابات الجفاف والجفاء، يعري الشاعر لغته ذات الجرس المنطفئ، مثلما يعري ذاته المحترقة، ويفضح سوءات الآخرين. يفكك البنية التقليدية للقصيدة، بشذرات لغوية، ومقاطع قصيرة، وتوترات دلالية مكثفة. لا يسعى إلى بناء معمار مكتمل، بقدر ما يكتب نصاً مفتوحاً، متفتتاً، يعكس هشاشة الحالة الكائنة. لا مجازات، ولا زوائد، أمام الأهوال الواضحة المتكدسة، التي لا تقبل التأويل المتعدد. هو مبضع قاس في يده، ولكنه الوحيد الناجع في تشريح واقع أكثر قسوة بتلونه وتلوثه "من الواقع، الذي مثل أمامنا، كل واحد أدرك وجهاً أو اثنين، أو حتى ثلاثة، وصبغها بالألوان، التي توفرت له".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة