ملخص
تكشف استطلاعات رأي عن تدن غير مسبوق في مستوى تأييد الأميركيين لإسرائيل الذين كثيراً ما شكلت تاريخياً القاعدة المركزية لشرعيتها.
وسط ترقب لما ستؤول إليه التطورات السياسية والعسكرية خلال الساعات المقبلة، مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، وواشنطن وإسرائيل من جهة أخرى، في ظل أجواء سياسية وأمنية متوترة، تتجه التحولات في الرأي العام الأميركي بثبات نحو مزيد من الرفض لسياسات إسرائيل. فمع تفاقم الانقسامات الدولية حول الحرب وسياسات تل أبيب العدوانية، تكشف استطلاعات رأي عن تدنٍ غير مسبوق في مستوى تأييد الأميركيين لإسرائيل، الذين كثيراً ما شكلوا تاريخياً القاعدة المركزية لشرعيتها، والتي جاءت في سياق تطور لافت أيضاً لمواقف النخب السياسية في بعض الدول الأوروبية، إزاء تفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة واتساع العمليات العسكرية في لبنان، وتبنيها إجراءات عقابية في محاولة لردع إسرائيل.
وعلى رغم أن تل أبيب حظيت بدعم واسع وشبه مطلق من الولايات المتحدة، عقب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فإن هذا التأييد بدأ يتآكل تدريجاً بصورة مقلقة لإسرائيل، وفق محللين. فبعد نحو شهر من اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي دخلت لاحقاً في هدنة، أظهر استطلاع حديث للرأي أجراه مركز "بيو" للأبحاث في الولايات المتحدة، أن نظرة الأميركيين إلى إسرائيل أصبحت أكثر سلبية، في ظل استمرار النزاعات في الشرق الأوسط، لدرجة أن فئة الشباب على وجه الخصوص لا يحملون مجرد انتقادات عابرة، بل بات شعورهم بالإحباط العميق جراء سياسات الحكومة الإسرائيلية، وفقاً للأرقام، يشكل أزمة أعمق لتل أبيب تمس مكانتها السياسية.
أزمة حادة
الاستطلاع الذي أجراه مركز "بيو" للأبحاث نهاية مارس (آذار) الماضي، وأظهر أن غالبية الجمهور الأميركي بمن في ذلك من هم داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي دون سن الـ50 يحملون مواقف سلبية أو سلبية جداً تجاه إسرائيل، تلقفه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بنوع من القلق، كيف لا وصورة إسرائيل في الرأي العام الأميركي تمر بتحول نوعي ملموس لم يسبق له مثيل، إذ إن نسبة الذين ينظرون إليها بصورة سلبية خلال العام الحالي وصلت إلى 60 في المئة مقارنة بـ53 في المئة العام الماضي، و42 في المئة عام 2022. ولعل أكثر الأرقام إثارة للجدل بالنسبة إلى المعهد، أن هذا التغيير يتركز في أوساط جيل الشباب (18-29 سنة)، من القواعد الجمهورية التي كانت تعد معقلاً ثابتاً للتأييد، إذ يحمل 64 في المئة منهم آراء سلبية تجاه إسرائيل، وهي نسبة كشفت عن أن تل أبيب تواجه اليوم أزمة حادة ومتفاقمة في مكانتها داخل الولايات المتحدة، تتخطى حدود أي تراجع عابر مرت به سابقاً.
كل هذا دفع المعهد للتحذير من فقدان فئة الشباب التي تعد "مرتكز دعم أساسياً" داخل النظام السياسي الأميركي، سيؤدي لتآكل الدعم التقليدي الذي اعتمدت عليه الحكومات الإسرائيلية خلال العقد الأخير، وبخاصة أن التأثير وصل للمسيحيين الإنجيليين، إذ إن 50 في المئة منهم ممن هم دون سن الـ50 يحملون نظرة سلبية لإسرائيل، مما يشير إلى أن استراتيجية رهان الحكومات الإسرائيلية على اليمين الأميركي كداعم دائم بدأت تصل إلى طريق مسدود. وأظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً في القوة السياسية للجالية اليهودية المنظمة وتزايد الانتقادات الموجهة لأنشطة اللوبي المؤيد لإسرائيل. فنحو 60 في المئة من الأميركيين اليهود يعارضون الحرب الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، ويفضل 63 في المئة منهم المسار الدبلوماسي. كذلك سجل التقرير الإسرائيلي ارتفاعاً في نسبة اليهود الذين يميل تعاطفهم نحو الفلسطينيين لتصل إلى 30 في المئة، مع انقسام حاد حول المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، إذ لم يعد يؤيد استمرار هذه المساعدات في أوساط الأميركيين اليهود من دون شروط سوى 31 في المئة، بينما طالب 44 في المئة بربطها بمدى التزام إسرائيل بالقانون الأميركي.
وكشف استطلاع رأي سابق لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية نشر نهاية العام الماضي، أن غالبية اليهود الأميركيين يرون إسرائيل ترتكب "جرائم حرب" في قطاع غزة، ويشعرون باستياء شديد من الحكومة الإسرائيلية الحالية.
تحولات عميقة
ووفقاً لمحللين، فإن خطورة التدهور المتسارع في صورة إسرائيل على الساحة الأميركية أظهر مدى التحولات العميقة التي تفاقمت بصورة حادة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، وتتسارع منذ بدء الحرب الحالية على إيران، كذلك ينذر بمزيد من الازدياد.
وبين من يرى أن الضرر الذي لحق بالمدنيين في غزة ولبنان وعنف المستوطنين المتصاعد في الضفة الغربية، قوض القدرة على الدفاع عن السياسة الإسرائيلية في المحافل الأميركية، ذكرت استطلاعات الرأي أن فئات واسعة من الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل جرت الولايات المتحدة نحو حرب "لا تخدم المصالح الأميركية"، وتسببت في "إزعاج" للمجتمع الأميركي.
وبحسب ما جاء في تقرير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن النقد تجاه إسرائيل لم يقتصر على الخطاب الإعلامي الأميركي بل وصل إلى اتخاذ إجراءات تشريعية، إذ صوت 40 سيناتوراً ديمقراطياً لمصلحة تقييد مبيعات معدات عسكرية حساسة لإسرائيل، وانضم إليهم سيناتورات يصنفون تاريخياً كمؤيدين لإسرائيل، وهو ما اعتبره باحثون إسرائيليون مؤشراً خطراً على زيادة شرعية "تكييف المساعدات".
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فقد رصدت مؤسسات ومراكز إسرائيلية بروز شخصيات يمينية أميركية تروج لفكرة أن إسرائيل تمثل عبئاً استراتيجياً يجر واشنطن لحروب غير ضرورية، كذلك تعهدت شخصيات ديمقراطية بارزة مثل ألكساندرا أوكاسيو كورتيز بالمعارضة التامة لأي تمويل أمني مستقبلي، مع التوقيع على مطالبة إسرائيل بتمويل مشترياتها الدفاعية بنفسها، مما يعكس وفق إسرائيليين تحولاً جذرياً في طبيعة الدعم المالي والعسكري. وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي أعلن قبل أيام لائحة الأشخاص الذين يمثلون تهديداً لمصالح إسرائيل حول العالم، بسبب نشاطهم خلال العام الماضي، والتي نال فيها ناشطون أميركيون حصة الأسد بين غيرهم.
وتضمنت اللائحة الناشط المؤسس لحركة "أميركا أولاً" القومي اليميني نيك فوينتيس، كذلك ذكرت الناشطة السياسية والإعلامية كانديس أوينز والمؤثر الأميركي دان بيلزيريان وصانع المحتوى الشهير إيان كارول.
لكن الوجه الأبرز الأكثر إثارة للجدل بين الإسرائيليين كان الإعلامي تاكر كارلسون، الذي وظف برنامجه الأسبوعي خلال الأشهر الأخيرة لمحاسبة حليفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بسبب الانغماس "غير المبرر"، على حد وصفه، في خدمة إسرائيل على حساب مصالح واشنطن. ولعل أكثر ما يقلق الحكومة الإسرائيلية من كارلسون من دون غيره بحسب شيكلي، أنه عمل في قلب حركة "ماغا" اليمينية، التي شكلت العصب الشعبي الذي أوصل ترمب إلى البيت الأبيض، تحت شعار "أميركا أولاً". وتخشى ما تخشاه أن صوته المؤثر داخل هذا المعسكر، يشكل خطراً محدقاً بمصالح إسرائيل، خصوصاً داخل الولايات المتحدة الأميركية ولوبي (AIPAC) أو لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، التي تعد أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة وتأسست عام 1954، بهدف التأثير في السياسة الأميركية لتعزيز العلاقات مع إسرائيل.
معاداة السامية
بحسب بيان وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية، فإن هؤلاء المؤثرين والناشطين الأميركيين هم من بين 10 إعلاميين وناشطين من مختلف دول العالم منخرطون بـ"معاداة السامية". وأنه بناءً على أفعالهم وتصريحاتهم ومدى تأثيرهم، فقد ورد ذكرهم في اللائحة السوداء من بين الأكثر تأثيراً في الساحة العالمية على إسرائيل خلال العام الماضي. وكشف استطلاع أجرته اللجنة اليهودية الأميركية عن ارتفاع كبير في قلق اليهود داخل الولايات المتحدة من معاداة السامية، إذ غير 56 في المئة منهم سلوكهم بسبب الخوف من الاعتداءات المعادية لليهود، مقارنة بـ46 في المئة عام 2023 و38 في المئة عام 2022. وأظهر الاستطلاع أن 33 في المئة من المشاركين تعرضوا لهجوم معاد للسامية خلال العام الماضي، لكن 78 في المئة منهم لم يبلغوا عن الحادثة.
ووفقاً لتقرير حديث صادر عن الوكالة اليهودية لإسرائيل، فقد بلغت معاداة السامية في أوروبا مستويات مقلقة خلال العام الماضي، إذ أفاد أكثر من 40 في المئة من اليهود بتعرضهم للتمييز بصورة مباشرة أو داخل أسرهم. كذلك كشفت الدراسة أن أقل من نصف اليهود الأوروبيين يشعرون بالأمان في بلدانهم، مما يثير مخاوف في شأن المناخ الاجتماعي في المنطقة.
وتستند هذه البيانات إلى استطلاع أجرته شركة "إيبسوس" بين سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، بمشاركة أكثر من 1400 شخص في إسرائيل و18 دولة في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا وأميركا الجنوبية. وتعكس النتائج اتجاهاً عالمياً متزايداً للقلق إزاء تصاعد معاداة السامية، التي لم تعد مجرد تهديد، بل واقعاً يومياً لشريحة كبيرة من المجتمع اليهودي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأفاد 43 في المئة من اليهود الأوروبيين بتعرضهم لحوادث معادية للسامية خلال العام الماضي، وهي نسبة أعلى من النسبة المسجلة في أميركا الشمالية والبالغة 35 في المئة. علاوة على ذلك، أفاد 45 في المئة فقط من اليهود في أوروبا بشعورهم بالأمان داخل بلادهم، مقارنة بـ71 في المئة داخل إسرائيل و70 في المئة داخل أستراليا وأميركا الجنوبية. ويعد الوضع حرجاً للغاية في فرنسا، إذ أفاد 22 في المئة فقط من المشاركين في الاستطلاع بشعورهم بالأمان.
ويتجلى هذا الخوف أيضاً في الحياة اليومية، فقد أفاد 43 في المئة من اليهود الأوروبيين بشعورهم بعدم الارتياح عند استخدام الرموز الدينية في الأماكن العامة. ويعكس هذا الرقم تراجعاً في الشعور بالأمان والحرية الدينية داخل عدد من دول القارة. حتى بين الإسرائيليين المسافرين إلى الخارج، أشار 69 في المئة منهم إلى أنهم يتجنبون إظهار الرموز اليهودية أو الإسرائيلية خوفاً من ردود فعل عدائية. وتشير دراسة حديثة أجراها "معهد أبحاث السياسات اليهودية" إلى أن معاداة السامية تدفع نحو واحد من كل خمسة يهود بريطانيين للتفكير في مغادرة البلاد.
منعطف حرج
في السياق ذاته، أظهر استطلاع للرأي نشرته رابطة مكافحة التشهير اليهودية أن 46 في المئة من البالغين في العالم – نحو 2.2 مليار شخص – لديهم آراء معادية للسامية، مشيراً إلى أن "المشاعر المعادية لليهود في أعلى مستوياتها على الإطلاق عالمياً"، وأن "معاداة السامية" تضاعفت منذ أول دراسة أجرتها المجموعة خلال عام 2014.
وحذر مؤسس معهد تل أبيب لمكافحة معاداة السامية هين مازيغ من أن تداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023 غذت مشاعر معاداة السامية بصورة غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم، عازياً أن نشاط شخصيات ذات صدى دولي كانت سبباً في تدهور صورة إسرائيل عالمياً، معرباً عن خشيته من عدم إدراك الحكومة الإسرائيلية والهيئات الرسمية مدى سوء الموضوع.
وبحسب تقييمات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن إسرائيل تمر اليوم بـ"منعطف حرج" يهدد أحد أهم أسس أمنها القومي، محذراً من أن محاولة استنفاد دعم الإدارة الأميركية الحالية لتحقيق أهداف قصوى في جبهات الحرب كافة قد تقوض فرص استعادة مكانة إسرائيل مستقبلاً، لأنها تعزز صورة إسرائيل كطرف يتلاعب بالسياسة الخارجية الأميركية بما يتعارض أحياناً مع مصالح واشنطن، وهو ما قد يفاقم حال النفور المتصاعدة، بل ويحولها إلى مسار يصعب عكسه.