ملخص
لم تكن الخطوات التي اتخذتها هذه الدول استجابة للضغوط الدولية فحسب، بل كانت التزاماً ببناء عالم أكثر أماناً وسلاماً.
اتخذت دول عدة عبر التاريخ الحديث قرارات استثنائية بالتخلي عن أسلحتها النووية، مفضلة السلام والدبلوماسية على القوة العسكرية. وبينما ينظر إلى الترسانات النووية غالباً كرمز للقوة والأمن، اختارت هذه الدول مساراً مختلفاً، متخلية طواعية عن قدراتها النووية العسكرية.
ولم تكن الخطوات التي اتخذتها هذه الدول استجابة للضغوط الدولية فحسب، بل كانت التزاماً ببناء عالم أكثر أماناً وسلاماً، وبذلك أثبتت أن نزع السلاح النووي هدف واقعي وقابل للتحقيق، فمن هذه الدول؟
جنوب أفريقيا
تعد جنوب أفريقيا أول دولة في العالم تتخلى طواعية عن أسلحتها النووية التي طورتها محلياً. بدأ الإنتاج النووي في جنوب أفريقيا في خمسينيات القرن الماضي، عندما تعاونت مع الولايات المتحدة في إطار برنامج "الذرة من أجل السلام" لتطوير مفاعل بحوث نووية. وتمكنت جنوب أفريقيا من التخلص من اعتمادها على اليورانيوم الأميركي بفضل اكتشاف رواسب اليورانيوم التي سمحت لها باستخراج خام اليورانيوم محلياً. وفي عام 1971 طورت برنامجاً للتفجيرات النووية السلمية لاستخدامه في قطاع التعدين.
في سبعينيات القرن الماضي، بدأت جنوب أفريقيا التعاون مع فرنسا وإسرائيل لتطوير أسلحة نووية. وفي عام 1977، أبلغ الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة عن استعدادات جنوب أفريقيا لإجراء تجارب أسلحة نووية في صحراء كالاهاري، لكن جنوب أفريقيا أغلقت موقع التجارب النووية تحت ضغوط الدول الغربية.
انتهى برنامج الأسلحة النووية في جنوب أفريقيا عام 1989، وأرجعت الدولة الأفريقية قرارها بإنهاء برنامجها النووي إلى مخاوفها من تداعيات انتشار الشيوعية في أنحاء القارة الأفريقية، ورغبتها في استعادة صدقيتها.
بيلاروس
توقفت خطط إنشاء محطة طاقة نووية في جمهورية بيلاروس الاشتراكية السوفياتية خلال ثمانينيات القرن الماضي مع كارثة مفاعل "تشيرنوبيل" في عام 1986. ومع تفكك الاتحاد السوفياتي في عام 1991، نالت جمهورية بيلاروس الاشتراكية السوفياتية استقلالها تحت اسم جمهورية بيلاروس، وسيطرت فعلياً على 81 صاروخاً نووياً تابعاً للاتحاد السوفياتي على أراضيها.
إلا أن بيلاروس قررت التخلي عن ترسانتها النووية فوقعت على معاهدة "عدم انتشار الأسلحة النووية" في عام 1991 و"مذكرة بودابست" في شأن الضمانات الأمنية خلال عام 1994، واكتمل بعدها نقل الصواريخ من بيلاروس إلى روسيا بحلول عام 1996.
أوكرانيا
كانت جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية تمتلك ثلث مخزون الاتحاد السوفياتي من الأسلحة النووية. ومع تفكك الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا، سيطرت الدولة الجديدة فعلياً، إن لم يكن عملياً، على ما يقارب 5 آلاف سلاح نووي.
لكن أوكرانيا اختارت عدم الاحتفاظ بهذه الأسلحة ووقعت على معاهدة "عدم انتشار الأسلحة النووية" في عام 1991 و"مذكرة بودابست" في شأن الضمانات الأمنية عام 1994. ونقلت الأسلحة إلى روسيا بحلول عام 1996 حيث جرى تفكيكها لاحقاً.
كازاخستان
شهدت جمهورية كازاخستان السوفياتية الاشتراكية مئات التجارب النووية التي أجراها الاتحاد السوفياتي بين عامي 1949 و1989. ومع تفكك الاتحاد السوفياتي، نالت جمهورية كازاخستان استقلالها ووقعت إلى جانب بيلاروس وأوكرانيا، معاهدة "عدم انتشار الأسلحة النووية" و"مذكرة بودابست"، وأتمت نقل 1400 سلاح نووي إلى روسيا بحلول عام 1995.
ونتيجة لحركة مناهضة الأسلحة النووية التي انتشرت خلال ثمانينيات القرن الماضي، أغلقت محطة الطاقة النووية الوحيدة في البلاد عام 1999، وأخرجت من الخدمة نهائياً عام 2001.
البرازيل
خلال حكم المجلس العسكري في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت البرازيل العمل على برنامج سري للأسلحة النووية بالتوازي مع برنامجها المدني للطاقة. لكنها قررت أن الأسلحة النووية لن تجدي نفعاً في مواجهة التهديد اليساري الداخلي، الذي كان يعد حينذاك التحدي الاستراتيجي الأكبر للبلاد. وعلى رغم امتلاك البرازيل القدرة التقنية على إنتاج الأسلحة، فقد وقعت على معاهدات عدة تتعهد فيها بعدم القيام بذلك.
تايوان
امتلكت تايوان برنامجاً نووياً سرياً في سبعينيات القرن الماضي، وبعد ضغوط أميركية شديدة ووعود ببيعها أسلحة تقليدية مقابل التخلي عن برنامجها النووي، وافقت تايوان على التخلي عن البرنامج، على رغم أن الرئيس السابق لي تنغ هوي أشار إلى إمكان إحيائه وسط التوترات مع الصين في عام 1995.
كوريا الجنوبية
بدأت سيول برنامجاً للأسلحة النووية خلال سبعينيات القرن الماضي، ولكن بحلول وقت وقعت فيه حكومتها معاهدة "عدم انتشار الأسلحة النووية" في عام 1975، زعمت أنها تخلت عنه. لا تزال أسباب تخلي كوريا الجنوبية عن البرنامج غير واضحة، وعلى الغالب بدا لها استمرار الوجود الأميركي والمظلة النووية هناك كمؤشرين كافيين للدفاع. وأبدى الخبراء منذ عقود قلقهم من أن امتلاك كوريا الجنوبية لسلاح نووي قد يزعزع استقرار المنطقة أكثر من امتلاك كوريا الشمالية لترسانة نووية، كونه قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي مع اليابان أو غيرها من المنافسين الإقليميين.
السويد
أدارت السويد برنامجاً نووياً خلال خمسينيات وستينيات القرن الـ20، إذ طورت الطاقة النووية وأجرت بحوثاً مكثفة على الأسلحة. ولكن نظراً إلى كلفة البرنامج وصعوبة تطوير نظام إيصال كونها لم تكن تمتلك صواريخ خاصة بها، فقد اختارت عدم إنتاج أسلحة نووية، ووقعت على معاهدة "عدم انتشار الأسلحة النووية" في عام 1968.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الدول العربية
أما في العالم العربي فكانت الجزائر أنشأت خلال ثمانينيات القرن الماضي مفاعلاً قادراً على إنتاج كمية كافية من البلوتونيوم لصنع قنبلة، لكنها وافقت بعد ذلك على الخضوع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما أطلق الرئيس العراقي السابق صدام حسين برنامجاً للأسلحة النووية في سبعينيات القرن الماضي، لكنه واجه انتكاسات عدة، بدءاً من حادثة قصف سلاح الجو الإسرائيلي لمفاعل "أوزيراك" العراقي في عام 1981، وصولاً إلى عملية "عاصفة الصحراء" عام 1991 التي دمرت بعض المنشآت، وأجبرت العراق على السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش. وكانت مزاعم امتلاك العراق ترسانة من أسلحة الدمار الشامل مبرراً لإدارة جورج دبليو بوش لشن حرب العراق في عام 2003، ولم يعثر حينها على أي أسلحة نووية بعد الغزو الأميركي.
وبعد حرب العراق في عام 2003، توصلت بريطانيا لاتفاق وافقت بموجبه ليبيا على تفكيك برنامجها لأسلحة الدمار الشامل مقابل تحسين العلاقات مع الغرب. وفي العام الذي يليه، قامت الولايات المتحدة بتفكيك البرنامج النووي الليبي ونقل المعدات النووية جواً. من جانبها، استكشفت سوريا تطوير أسلحة نووية، وفي سبتمبر (أيلول) 2007 قصفت إسرائيل ما زعمت أنه مفاعل نووي سري في دير الزور شرق سوريا.