Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية الملا الذي ينسيه الحب التزامه الديني

 الروائي الإيراني جواد جواهري يكشف عمق الصراع بين السلطة والذات

لوحة فوتوغرافية للفنان الإيراني شادي غديريان (صفحة الفنان - فيسبوك)

ملخص

تقدم رواية "الملا كان يحب زوجته أكثر من الله" (دار غاليمار 2026) للكاتب الإيراني جواد جواهري رؤية سردية مركبة تجمع بين التاريخي والإنساني، الحميمي والفلسفي، الواقعي والأسطوري. تتداخل في الرواية الحكاية العائلية والتحولات الكبرى، التي عرفها المجتمع الإيراني.

رواية "الملا كان يحب زوجته أكثر من الله" هي الثالثة للروائي والقاص والسينمائي الإيراني جواد جواهري بالفرنسية، وكان أصدر مجموعتين قصصيتين بالفارسية. في سن العشرين، اضطر إلى مغادرة إيران والاستقرار في فرنسا، وعاش سنوات عدة كلاجئ سياسي، منتظراً العودة إلى وطنه. ويقول إنه خلال تلك السنوات لم يرغب في امتلاك أي شيء لا يمكن وضعه في حقيبة سفر.

وعندما يُسأل: من أين أتيت؟ يجيب بأنه وُلد مرة في إيران، ثم وُلد مرة ثانية في سن العشرين في مدينة رين الفرنسية، التي أصبحت مدينته بالتبنّي. ومنذ ذلك الحين، لم يعد إلى إيران، "مما سمح لي بالحفاظ في ذاكرتي على صور بلد لم يعد موجودًا".

أنتج أفلاما وشارك في كتابة عدد من السيناريوات. نُشرت روايته الفرنسية الأولى "تنهد الملاك" لدى دار" دو لوب"، بينما صدرت روايته الثانية "نصيبي منها" والثالثة "الملا كان يحب زوجته أكثر من الله" عن دار "غاليمار".

الرواية الجديدة تدور عموماً حول شخصية مريم، وهي كانت تزوجت في الـ15 من سيد عيسى، رجل دين مرموق درس في النجف. منذ البداية، تبدو مريم شخصية غير مألوفة، فهي امرأة تمتلك شغفاً عميقاً بالمعرفة ونزعة فكرية لافتة، مما يجعلها غير منسجمة مع محيطها التقليدي المحافظ.

الأرملة الصغيرة

تبدأ مريم حياتها كأرملة صغيرة، لكن تحولها الاجتماعي هذا لا يجعل منها شخصية خاضعة أو هامشية، بل على العكس، فهي تمارس نوعاً من المقاومة الصامتة. تتعلم وتفكر وتؤثر في مجتمعها بعيداً من الصدام المباشر، مما يمنحها قوة خفية  تحفزها على تجاوز القيود المفروضة عليها. ومع تقدمها في السن، تتحول مريم إلى ذاكرة حية للعائلة ومصدر حكمة طبيعية او فطرية غامضة. هكذا، تتجاوز مريم كونها شخصية واقعية لتصبح رمزاً ليجسد تحول الإنسان إلى أسطورة داخل الذاكرة الجماعية.

لكن الزواج، مع مرور الوقت، لا يبقى مجرد علاقة اجتماعية تقليدية، بل يتحول إلى فضاء معقد تتصارع فيه العاطفة مع الإيمان، والرغبة في المعرفة مع القيود الدينية.

يطرح عنوان الرواية إشكالاً مركزياً يتمثل في إمكان أن يتقدم الحب الإنساني على الالتزام الديني؟ هذا السؤال يتجسد في شخصية سيد عيسى، الذي يمثل رجل الدين الملتزم والمحافظ، والإنسان الذي يجد نفسه أمام حب يربكه ويعيد صوغ يقينه. لكن العلاقة بينه وبين مريم تصبح مساحة من التوتر الدائم بين المقدس والإنساني، ولا تسعى الرواية إلى حسمه، فهي لا تبحث عن أجوبة ثابتة، بل تترك المجال مفتوحاً أمام التأويل.

تعتمد الرواية بنية سردية معقدة تقوم على الحكايات المتداخلة، المستوحاة من التراث القصصي الفارسي. تبدأ الأحداث في الزمن الحاضر مع اختفاء مريم، التي أصبحت جدة معمرة. هذا الاختفاء يدفع العائلة إلى رحلة البحث عنها، فإذا الرحلة تكشف تدريجاً، طبقات من الأسرار والذكريات الممتدة عبر أجيال متعددة. ومن خلال هذه البنية المتعددة الطبقات، تتحول الرواية إلى شبكة من الأصوات والذكريات التي تجعل الحقيقة  ناقصة أو غير مكتملة دوماً، وكأن الماضي يعاد بناؤه باستمرار عبر السرد.

في خلفية القصة العائلية، يرسم الكاتب لوحة واسعة عن التحولات التاريخية والاجتماعية في إيران، خصوصاً غداة دخولها في مسار الحداثة، وما رافقه من صدام بين التقاليد القديمة والتغيرات الجديدة. تصبح الشخصيات، في هذا السياق، مرآة لهذه التحولات، ويبدو أن كل فرد يعيش صراعاته الخاصة بين ما ورثه من الماضي وما يفرض عليه الحاضر.

الضحية والبطلة

تحتل المرأة في الرواية موقعاً محورياً، فمريم تقدم بصفتها شخصية معقدة تتجاوز ثنائية الضحية والبطلة. فهي لا تتمرد مباشرة، بل تسعى إلى معاودة تشكيل العلاقات من الداخل. فالرواية  تقدم رؤية غير نمطية إلى المرأة في المجتمع التقليدي، ويظهر التغيير بصفته فعلاً بطيئاً وعميقاً أكثر منه ثورة صاخبة.

أما السؤال الذي تطرحه الرواية عن العلاقة بين الحب والإيمان فيصبح ذا بعد فلسفي ورمزي: هل يمكن التوفيق بينهما أم يظلان في حال من التناقض الدائم؟ فمن خلال شخصية سيد عيسى، يبرز الصراع المفتوح والدائم، بين الواجب الروحاني المعلن والانجذاب الإنساني ، بين السلطة الدينية والضعف البشري.

ولعل جمع الرواية بين الواقعية التاريخية والبعد الأسطوري المستلهم من الحكايات القديمة، يمنح الرواية طابعاً سردياً يجعلها أقرب إلى ملحمة إنسانية تتجاوز حدود الزمن الأفقي، لتصبح سرداً عن الذاكرة والتحول والهوية. بل تطرح الرواية أسئلة كبرى حول الحب، الإيمان، الحرية الشخصية، الذات، والهوية، حاملة القارئ في رحلة إنسانية تعتريها مشاعر متناقضة، ورموز ومعان عرفانية.

يجسد السيد عيسى صورة الرجل الممزق بين سلطته الدينية وسريرته العاطفية ، وبصفته رجل دين يمثل القيم التقليدية والسلطة الذكورية، يكشف عبر علاقته بمريم عن جانب إنساني ضعيف وهش. فهو يتعلق بها بشدة وينسحق امامها ويجد نفسه في صراع وجودي ووجداني، يهز ثوابته. هذا التناقض لا يمثل فقط أزمة شخصية، بل يكشف أيضاً عن حدود المؤسسة الدينية عندما تصطدم بالمشاعر الإنسانية وخصوصاً الحب والعشق، مما يضفي على شخصيته بعداً إنسانياً عميقاً بعيداً من الصورة النمطية لرجل الدين.

الأجيال الضائعة

أما الأبناء والأحفاد، فيمثلون أجيالاً تعيش على تخوم الماضي والحاضر، فهم يسعون إلى فهم حقيقة مريم، بين ما هو واقعي وما هو أسطوري. تؤدي هذه الأجيال دوراً محورياً في تفكيك لغز مريم، خصوصاً بعد اختفائها في بداية الرواية. فهؤلاء  ينتمون إلى عالم أكثر حداثة، لكنهم مثقلون بإرث الماضي، مما يدفعهم إلى البحث عن جذورهم وفهم حقيقة جدتهم.

ومن خلال تعدد وجهات نظرهم، تتجلى مشكلة الذاكرة وصعوبة الوصول إلى حقيقة واحدة، فالبحث الذي يقومون به، لا يؤدي إلى حقيقة ثابتة، بل يكشف عن تعدد الروايات وتشظي الهوية، فكل جيل يعيد  تشكيل صورة مريم وفق تصوراته. الذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي فعل إعادة بناء مستمرة.

تحضر الشخصيات النسائية الثانوية في الرواية، لتضيف إلى الرواية بعداً واقعياً مختلفاً، ولتظهر أوضاع المرأة في مجتمع تقليدي ومغلق. فتبرز التجارب النسائية على اختلافها، بين الخضوع والمعاناة والصمت. بعضهن يقبلن القيود المفروضة، بينما تعاني أخريات منها، وهو ما يبرز تميز مريم ليس في كونها حالة معزولة، بل كعنصر ممكن داخل السياق الاجتماعي نفسه وليس كنموذج مثالي.

وفي حين تمثل الشخصيات الدينية والاجتماعية الأخرى قوة جماعية ضاغطة تحدد معايير الحرية الفردية، وتؤطر صراعات الشخصيات الرئيسة، فهذه الشخصيات لا تُقدم كأفراد بمقدار ما تجسد نظاماً متماسكاً يفرض سلطته على الجميع، مما يعمق الإحساس بالاختناق الذي تعيشه هذه الشخصيات داخل المجتمع.

تعتمد الرواية أسلوب الحكايات المستلهمة من التراث، المتداخلة والمتقاطعة والمتناسلة بعضها من بعض. إنها رواية لا تكتفي بالسرد و"الحكي"، بل تترك القارئ أمام شبكة من السرديات التي لا حدود فيها بين الواقعي والمتخيل، بين التاريخي والخرافي، وتفتح أفقاً للتأمل في الإنسان بوصفه فرداً، والبشر بوصفهم جماعة، والتحولات التي تفرض نفسها داخل مجتمع يبحث عن مستقبله المجهول.

مقطع مترجم من الرواية: اختفاء مريم

كانت "دا" مفقودة، وقد اضطر المسكين محسن إلى تمشيط أركان البيت الواسع مراراً، حتى لم يعد يسمع له سوى صوته المتخيل، وهو في وضع المعهودة واقفاً في الدهليز، غارقاً بالعرق، منحني الظهر، يمسك في يده هاتفاً قديماً ثقيلاً، وفي الأخرى يعبث بعصاه، وهذه الإيماءة الغريبة تلازمه منذ أن يفقد رباطة جأشه، حين ينخرط في شرحٍ أو يستغرق في فكرة حتى يبدو كأنه غائب. إنها حيلة نفسية، كأنها صمام أمان، بلا شك، لتجنب الغرق في قلق أشد، أو في خبر جديد يجب إعادته. فليس هذا أول اختفاء لـ"دا"، بل لعله الـ10 على الأقل من دون أن تتكرر الحكاية بالطريقة نفسها.

كنا قد شهدنا ذلك مرات عديدة، وكان الأمر دائماً يتعلق بـ"دا". هل كان في حياة هذا الرجل ما يشغله غيرها؟ هكذا ينفجر محسن غضباً، حين تمرض، أو حين تتخذ قراراً غريباً. ولكن هذه المرة، حدث شيء ما غير مجرى الرواية، مما ألزمنا بأن نقضي وقتاً أطول في تهدئته. هو، محسن، الذي فهم حكايته على رغم ارتباكها، وقد استطعنا أن نستخلص منها مقتطفات، كانت كافية لندرك أن "دا" قد اختفت، وأن كل شيء يوحي بأنها فعلت ذلك عن قصد. والغريب أننا لم نقلق كثيراً، لا بد أن يقال إننا، منذ معظم اختفاءاتها، وكان آخرها قد مضى عليه زمن، كنا نترقب بصمت تلك اللحظة.

في آخر مرة اختفت فيها، خرجت، لا يعرف كيف، من البيت بأناقتها الكاملة، وسارت إلى الشارع الرئيس، واستقلت سيارة أجرة، وحددت للسائق وجهة، خمنت، نحو رجل يدعى الحاج مرادي، الذي لم ير منذ عقود، مع أنها ادعت أن بينها وبينه صلة قرابة، وهو أمر لم تذكره قط. وعندما وصلوا إلى المكان، بعد ساعة، كان سائق التاكسي قد جاب الشوارع المحيطة بحثاً عن باب شديد التحديد، كانت الزبونة تصفه بكل التفاصيل: المادة، واللون، وشكل المصاريع، والمطرقة، وحلقة في فم أسد، إلى آخره، لكنها رفضت النزول ما لم تجده. ومع ذلك، لم يعد الباب موجوداً، ولم يعد الحي يشبه أوصاف المرأة العجوز.

أما اسم مرادي، فقد كانت تردده أمام المارة والتجار، فتلقى منهم نظرات جهل وهزات رؤوس، ما خلا رجلاً مسناً في بقالة صغيرة. رجل شجاع، كأنه بقايا زمن انقضى، ما زال يحتفظ بدكانه القديمة، وبعصاه، في وسط الحي. وحين رأى العجوز تصرخ، تعرف عليها كأنما بمعجزة، وأبلغ العائلة. لولا ذلك لكانت "دا" قد انتهت في مكان لا يعرف. ثم لاحقاً، عندما سئلت لماذا وافقت على العودة، اكتفت بالقول: "كنت أدين له ببضع كلمات شكر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منذ تلك الحادثة، أغلقت مداخل البيت بإحكام، وصار دخول الناس وخروجهم يتمان عبر باب واحد في مقابل جناح محسن.

"باب أشد صلابة من أبواب سجن قزل حصار"، قالها وهو ينفخ عضلاته التي لم تعد كما كانت. "أبواب قزل حصار لا وجود لها"، هكذا قال. وكأن، حتى لو لم يعد يقف منتصباً، ظل محسن حازماً:

"لا يمكن لـ’دا‘ أن تغادر البيت بأية حال."

في هذا البيت، يكاد الأمر يكون واحداً: لا نستطيع أن نتخيل المكان من دونها. كأن كل جدار، وكل عمود، وكل لبنة قد وضعت من أجلها أو بسببها. ومع ذلك، يظل هذا بيتاً غريباً. قصر واسع بني على ضفة نهر، حول فناء داخلي مستطيل. تعود أصوله لما يقارب القرن، وقد شهد منذ ذلك الحين تحولات كثيرة. أضيف إليه طابق، واتسع بجناح جديد، وطلي وأعيد طلاؤه. واليوم، تضم حديقته أروع الأشجار المثمرة، وأشجار الرز ذات الظلال الكثيفة، بفضل خصوبة الأرض التي تنبت فيها السرخسيات والياسمين المتسلق والورود البرية. والممر الذي يتوسط الأزقة المستقيمة، حتى من دون أن يجري الاعتناء به، يظل ثابتاً في مكانه. هنا، يعيش الزمن وكأنه توقف، أو كأنه يسير في زمن آخر.

ثلاثة سلالم تؤدي إلى الطابق العلوي، اثنان من الحجر، وواحد من الخشب. وللبيت أيضاً ثلاثة أبواب، يقع كل منها عند أسفل أحد السلالم. الباب الكبير المزخرف يطل على ساحة صغيرة في الحي، لم يستعمل منذ الغياب الأول للجدة، وقد مضى على ذلك زمن كاف حتى غزا الإهمال إطاره وممره. أما الباب الآخر، الأصغر، الذي لا يزال قيد الاستعمال، فيطل على الشارع التجاري. وهناك باب ثالث لم يعد موجوداً، ولكن يمكن رؤية أثره في صورة قوس لا يزال ظاهراً تحت طبقات الجص. وحتى لو سد قبل زمننا، فقد احتفظ باسمه، وما زلنا نسميه، بنوع من الاحترام، "باب آغا".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة