ملخص
تتشكل تجربة الشاعر والروائي والمترجم التونسي محمد علي اليوسفي بوصفها كتابة على تخوم العالم، لا تستقر في جنس أدبي واحد ولا تنتمي إلى جغرافيا ثابتة. بين الشعر والرواية والترجمة ينسج مساراً تتداخل فيه الأصوات كما تتداخل الأمكنة: من باجة إلى دمشق وبيروت ثم قبرص، حيث لم يكن الترحال مجرد انتقال، بل شرطاً من شروط الكتابة نفسها، واختباراً دائماً لحدود اللغة.
ليس سهلاً أن تكتب عن مسيرة شاعر، وأنت تقرأ الأثر وصاحبه في لحظة واحدة، من دون فصل بين الكتابة والحياة. ويزداد هذا التعقيد حين تُصغي إلى كاتب يتكلم بأكثر من صوت: شاعر يقتنص اللغة من هشاشتها، وروائي يوسّع العالم داخل السرد، ومترجم ينطق بألسنة كتّاب من عوالم أخرى، قبل أن يعود، كل مرة، ليبحث عن نصه… وعن مكانه في هذا العالم.
التشكل في الترحال
وُلد محمد علي اليوسفي في مدينة باجة عام 1950، في فضاء داخلي هادئ، بعيد من صخب العواصم، لكنه كان منذ البداية مشدوداً إلى ما يتجاوز المكان الأول. لم تكن الطفولة مجرد ذاكرة حنين، بل لحظة تأسيس مبكر لوعي يتشكل على تخوم الحكاية والمعرفة، تحت تأثير كتاب تاريخي ملحمي ألّفه أحد أجداده، المؤرخ الشيخ الصغير بن يوسف، مما جعله يكتشف مبكراً أن الكتابة ليست نقلاً للعالم بل إعادة بنائه.
من هذه العتبة الأولى بدأ الترحال، غادر تونس إلى دمشق لدراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وهناك بدأ وعيه الثقافي يتشكل داخل سياق عربي مضطرب بالأسئلة والتحولات، لم تكن دمشق محطة دراسة فقط، بل مختبراً أولياً للكتابة بوصفها تفكيراً في العالم.
ثم جاءت بيروت، المدينة التي ستترك أثراً حاسماً في تجربته. في أحد حواراته سيقول: "بيروت جعلتني مترجماً"، في إشارة إلى تحوّل جذري في علاقته بالنص واللغة، هناك، في زمن الحرب الأهلية، لم تعد الكتابة ممكنة خارج الترجمة، ولا الترجمة خارج الاشتباك مع نصوص العالم، خصوصاً أدب أميركا اللاتينية. انفتح على ماركيز وباث وأستورياس، لا بوصفهم أسماء أدبية فقط، بل بوصفهم طرقاً أخرى لرؤية اللغة العربية نفسها.
ثم امتد الترحال إلى قبرص، ضمن تجربة مجلة "الكرمل" التي أسسها محمود درويش، حيث تحولت الكتابة إلى مساحة عربية مشتركة، يتجاور فيها الشعر مع الترجمة، ويصبح النص شكلاً من أشكال الحوار الثقافي العابر للحدود.
وحين عاد إلى تونس بعد أكثر من عقدين، لم تكن العودة استرجاعاً لمكان، بل مواجهة مع مكان تغيّر بفعل الأمكنة الأخرى التي تسكنه، هكذا صار الترحال بنية داخلية في الكتابة، لا مجرد سيرة خارجية.
الشعر تجربة وجود
إذا كان الترحال قد أسّس لجغرافيا تجربته، فإن الشعر كان قلبها الأكثر اضطراباً. منذ ديوانه الأول" حافة الأرض" يظهر الشعر عنده بوصفه اختباراً للوجود من حدوده القصوى، لا بوصفه زينة لغوية أو انفعالاً عابراً.
تأخر صدور الديوان لم يكن تفصيلاً عرضياً، بل جزءاً من هذا التشكل البطيء للغة، إذ ظل النص تُعاد كتابته كأن الشاعر يبحث عن نبرة تخصه وحده. هنا أدت الترجمة دوراً غير مباشر، إذ أتاح له الاحتكاك بأصوات شعرية عدة أن يعيد التفكير في شكل القصيدة من دون أن يقع في التقليد.
تتدرج أعماله من "امرأة سادسة للحواس" إلى "ليل الأجداد" و"ليل الأحفاد" ثم "رقصة الكونغرس" و"سنجاب أيقظني لأكمل الطريق" إلى "أحدب الثورة السورية" و"بلاد بريئة". في مسار تخففت فيه القصيدة من الزخرف، واقترب من التجربة بوصفها سؤالاً مفتوحاً، حتى حين تلامس القضايا الكبرى، فإنها تفعل ذلك من موقع تأملي لا خطابي.
الشعر هنا لا يلتقط الحدث بقدر ما يختبر أثره في اللغة، لذلك تبدو قصيدته دائماً متأخرة قليلاً عن اللحظة، لكن هذا التأخر يمنحها عمقاً ويجعلها أقرب إلى التفكير منه إلى الانفعال.
الرواية: حين تتسع القصيدة في السرد
لم تكن الرواية خروجاً من الشعر، بل امتداداً له في فضاء أوسع، ففي "توقيت البنكا" تتبدى الرواية بوصفها تفكيكاً للزمن لا سرداً للأحداث، حين يبدو الماضي كأنه يُستعاد في لحظة الحاضر نفسه.
ويتواصل هذا المسار في "شمس القراميد" (الحاصلة جائزة الكومار الذهبي في تونس)، و"مملكة الأخيضر"و"بيروت ونهر الخيانات" و"دانتيلا " و"عتبات الجنة". في هذه الأعمال تتداخل الأزمنة والطبقات السردية، ويتحول النص إلى شبكة مفتوحة بين الفردي والجماعي، وبين الواقعي والمتخيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم انتمائها إلى السرد تحتفظ الرواية ببعد شعري واضح، يظهر في كثافة الجملة واشتغال الصورة. لكنها ليست زخرفة، بل توتر داخلي يمنح النص حركة دائمة. الأمكنة التي يعبرها اليوسفي — تونس، دمشق، بيروت — تتحول إلى فضاءات داخلية يعاد تشكيلها داخل الذاكرة. الرواية عنده ليست انتقالاً من الشعر إلى السرد، بل شكل آخر للشعر حين يتسع ليحتمل العالم.
الترجمة: الكتابة داخل لغات الآخرين
في المقابل، تبدو الترجمة مغامرة مع أصوات الآخرين، لا بوصفها نقلاً محايداً بل ككتابة ثانية. في بيروت، خلال الحرب، لم تكن الترجمة مجرد عمل ثقافي، بل نافذة على عالم أدبي واسع، خصوصاً أدب أميركا اللاتينية. ترجم أعمال ماركيز وباث وأستورياس وغيرهم، لكن هذه الترجمات لم تكن وسيطاً لغوياً فقط، بل تجربة داخل النصوص نفسها. ومع ذلك، كان واعياً بما يسميه "خيانة الترجمة"، لكنه فهمها كجزء من طبيعة فعل الترجمة، لا كخطأ، لذلك اقترب من فكرة "الوفاء العميق" للنص، أي الحفاظ على روحه وإيقاعه لا على مطابقته الحرفية. بهذا المعنى، تصبح الترجمة كتابة موازية، تعيد إنتاج النص داخل العربية بدل نسخه، غير أن الترجمة، على رغم غناها، خلقت ظلاً آخر: فقد سبقته كمترجم إلى القارئ، أحياناً قبل أن يُقرأ ككاتب، وهو ما فرض عليه إعادة التوازن بين هذه الهويات من دون إقصاء أي منها.
في النهاية، لم تكن الترجمة نشاطاً جانبياً، بل جزءاً من بنيته الإبداعية، فهي التي وسّعت لغته، ودرّبته على الإصغاء إلى تعدد الأصوات، وجعلت كتابته أكثر انفتاحاً على العالم.
ولأن صوته لم يتشكّل إلا عبر الحوار مع الآخرين، فإنه يعود اليوم ليقطر هذه التجربة الطويلة في مصفاة التأمل الذاتي، إذ يصدر لليوسفي هذه الأيام كتاب "كنتُ أشبه الحياة" عن دار أركاديا للنشر بتونس، وهو عمل يأتي بمثابة "الشذرات" التي تكثف عبور السنين والأمكنة في نصوص قصيرة ومركزة.
في هذا الكتاب، لا يتخلى اليوسفي عن عادته في الوقوف على التخوم، بل يبدو كأنه يجمع شتات "ألسنة اللهب المتشظية" التي بدأت من باجة ولم تنتهِ في منافي الشرق، حيث يذوب الفاصل بين الشاعر والمترجم والروائي لصالح مبدع يدرك أن الكتابة - في جوهرها - هي العبور الأكثر وجعاً وجمالاً بين صوته الخاص وأصوات العالم.
هكذا يواصل محمد علي اليوسفي رحلته كمبدعيرى في الترحال والبحث الدائم عن النص "شرطاً للوجود"، وقصيدته التي لا تنتهي.