Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دبلوماسية البابا الناعمة نحو أفريقيا المنسية

إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة في عصر تتآكل فيه الحدود بينهما

تبدو زيارة البابا محاولة لنسج توازن هادئ بين قيم تدعو إلى نبذ العنف ومتطلبات واقع دولي يتغير بوتيرة متسارعة (أ ف ب)

ملخص

لا يمكن اختزال الجولة في بعدها الوعظي أو الدبلوماسي فقط، فهي تعبير عن محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة في عصر تتآكل فيه الحدود بينهما. وبين الأهداف المعلنة، والأهداف الضمنية، تتجلى أفريقيا كساحة اختبار لمستقبل الدور البابوي في عالم يعاد تشكيله.

لفتت الجولة الأفريقية للبابا لاوون الرابع عشر الممتدة ما بين الـ13 والـ23 من أبريل (نيسان) الجاري، إلى أهمية "الجنوب العالمي" كمجال حيوي للتفاعل الديني والإنساني، أكثر من كونه ساحة تنافس صريح، وبما يعكس تقديراً متزايداً لثراء التعددية الدينية وتنوع المجتمعات بوصفهما مصدر قوة لا موضع انقسام. وفي مناطق أنهكها العنف تكتسب الدعوة إلى التسامح والتعايش معنى عملياً يتجاوز الخطاب، لتغدو محاولة لإعادة بناء الثقة بين مكونات متباينة، وربط الحضور الروحي بمسؤولية أخلاقية تسعى إلى تخفيف التوترات وفتح مسارات لحوار أكثر اتزاناً واستدامة. ومن هذا المنظور تكتسب الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية دلالة رمزية باعتبارها نقاط تواصل وانفتاح. وتبدو الزيارة، في جوهرها، محاولة لنسج توازن هادئ بين قيم تدعو إلى نبذ العنف ومتطلبات واقع دولي يتغير بوتيرة متسارعة.

اختار الحبر الأعظم، في أطول جولة له منذ اعتلائه السدة البابوية في مايو (أيار) الماضي، أن يجعل من أفريقيا محطة رئيسة في عرض أولويات حبريته. ويمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها مؤشراً إلى توجه نحو توسيع نطاق الحضور الكاثوليكي خارج مراكزه التقليدية، كذلك تعكس الزيارة إدراكاً لأهمية التفاعل مع مجتمعات تشهد تحولات ديموغرافية ودينية، بما يسهم في إعادة توزيع الاهتمام المؤسسي بصورة أكثر توازناً، فالزيارة، المشحونة بخطاب مكثف عبر 25 كلمة في 11 مدينة، لا تنفصل عن محاولة لإعادة تموضع الكنيسة داخل شبكة معقدة من التحديات والفقر البنيوي والهجرة القسرية وهشاشة الدولة وتنافس القوى الكبرى على النفوذ. صُورت الزيارة كجزء من توجه أوسع نحو تنويع مجالات الحضور والانخراط، ويُنظر إليها في إطار السعي إلى توسيع نطاق التفاعل مع قضايا إقليمية ودولية، عبر أدوات رمزية وخطابية تتجاوز الإطار التقليدي ضمن سياق دولي متغير.

امتداد تاريخي

منذ النصف الثاني من القرن الـ20 لم تعد الرحلات البابوية إلى أفريقيا مجرد امتداد جغرافي لنشاط تقليدي، بل تحولت تدريجاً إلى أداة مركبة تعكس تفاعلاً معقداً بين الدين والسياسة والتاريخ. ويمكن اعتبار زيارة البابا بولس السادس إلى أوغندا عام 1969 نقطة الانعطاف المؤسسة لهذا المسار، إذ دشنت أول خروج بابوي إلى القارة، بل وأول مغادرة لإيطاليا منذ قرون، في لحظة بدت فيها الكنيسة وكأنها تعيد تعريف حضورها خارج مركزها الأوروبي التقليدي. لم يكن خطابه آنذاك، الداعي إلى استبدال "العقل والمحبة" بالعنف منفصلاً عن سياق ما بعد الاستعمار، بل جاء كمحاولة لبلورة دور أخلاقي في بيئة سياسية مضطربة.

غير أن التحول الكيفي الأعمق ارتبط بحبرية البابا يوحنا بولس الثاني، الذي أعاد رسم جغرافيا الحضور البابوي عبر انخراط غير مسبوق في أفريقيا، شمل عشرات الدول وأضفى على الرحلات طابعاً استراتيجياً متعدد الأبعاد، فقد جمع بين دعم الكنائس المحلية والتدخل الرمزي في أزمات كبرى، من إدانة الفصل العنصري إلى ملامسة النزاعات الداخلية.

في عهد البابا بنديكتوس السادس عشر انحسر الزخم الكمي، لكنه اكتسب كثافة فكرية. زياراته، خصوصاً إلى الكاميرون وأنغولا عام 2009، عكست انتقالاً نحو مساءلة الأسس الثقافية والأخلاقية للمجتمعات، حتى وإن أثارت بعض مواقفه جدلاً دولياً. كان ذلك تعبيراً عن إدراك بأن الصراع في أفريقيا لم يعد سياسياً صرفاً، بل يمتد إلى بنية القيم ذاتها.

ثم جاء البابا فرنسيس ليعيد توجيه البوصلة نحو "الأطراف"، حيث تحولت أفريقيا إلى مختبر حي لقضايا العدالة والهجرة والتعددية. زيارته إلى جنوب السودان عام 2023، في سياق "رحلة السلام"، جسدت ذروة هذا التوجه، ليس فقط بحضوره، بل برمزية اصطحابه قيادات مسيحية من طوائف مختلفة، في محاولة لإنتاج مقاربة عابرة للانقسامات، إضافة إلى أن مبادراته الرمزية، كركوعه لتقبيل أقدام قادة جنوب السودان عام 2019، في دعوته لنبذ العنف، أعادت تعريف أدوات التأثير البابوي خارج منطق القوة التقليدي. على هذا الامتداد التاريخي، بات يُنظر إلى أفريقيا وقد انتقلت من هامش الاهتمام الكنسي إلى مركزه الاستراتيجي.

دوافع الزيارة

في الظاهر تبدو الجولة الأفريقية للبابا لاوون الرابع عشر امتداداً طبيعياً لوظيفة رعوية ذات أبعاد أخلاقية، غير أن تفكيك خطابها يكشف عن مستويات أعمق من الحسابات، إذ تتقاطع الضرورات الروحية مع منطق إعادة التموضع في نظام دولي متحول، فتصريح الكاردينال مايكل تشيرني، المسؤول الرفيع في الفاتيكان والمستشار المقرب من البابا لاوون، بأن الهدف هو "إخراج أفريقيا من دائرة النسيان" لا يُقرأ فقط بوصفه نداءً إنسانياً، بل كإقرار ضمني بأن التهميش ذاته أصبح عاملاً مولداً لعدم الاستقرار العالمي، وأن تجاهل القارة لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة.

ضمن هذا الإطار، تتحرك الزيارة على مستويين متوازيين. الأول معلن، يتمثل في إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو قضايا الفقر والهجرة والنزاعات، وتحفيز ما يسميه تشيرني "تضامناً يتجاوز الوعود الدبلوماسية"، أما المستوى الثاني فيتعلق بإعادة تعريف موقع الفاتيكان كفاعل عابر للحدود، قادر على ممارسة تأثير غير مباشر في أولويات القوى الكبرى عبر أدوات رمزية. هنا، تستحضر الدبلوماسية البابوية منطق "الضغط الناعم".

 تكتسب هذه المقاربة وزناً إضافياً في ضوء التحول الديمغرافي داخل الكنيسة. فالقارة، التي تضم أكثر من خُمس الكاثوليك لم تعد هامشاً تبشيرياً بل مركز ثقل صاعداً، مما يشير إلى أن الزيارة تعكس اهتماماً بالإرث العريق للمسيحية الأفريقية، مما يكشف عن بعد ثالث للزيارة، إعادة ربط الحاضر الكنسي بجذوره التاريخية في القارة، كجزء من بناء سردية متماسكة للشرعية.

غير أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مفارقات، ففي دول مثل الكاميرون، حيث تتداخل الانقسامات اللغوية والسياسية، قد يتحول الحضور البابوي إلى عنصر يُعاد تفسيره ضمن صراعات قائمة، فالدعوة إلى السلام، على رغم طابعها العام، قد تُقرأ محلياً كاصطفاف ضمني، وهو ما يجعل الزيارة "سلاحاً ذا حدين"، تعزز الأمل بالمصالحة، لكنها في الوقت ذاته قد تقحم الفاعل الديني في معادلات شرعية معقدة.

 لا يمكن اختزال الجولة في بعدها الوعظي أو الدبلوماسي فقط، فهي تعبير عن محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة في عصر تتآكل فيه الحدود بينهما. وبين الأهداف المعلنة، التضامن والإنصاف، والأهداف الضمنية، إعادة التموضع والتأثير، تتجلى أفريقيا كساحة اختبار لمستقبل الدور البابوي في عالم يعاد تشكيله.

دلالات سياسية

 هاجم دونالد ترمب البابا عبر وسائل التواصل، واصفاً إياه بأنه "متساهل مع الجريمة" و"سيئ للغاية في السياسة الخارجية"، في إشارة صريحة إلى مواقف البابا المنتقدة للحرب في إيران. رد البابا، كما نُقل عنه من على متن الطائرة فوق المتوسط، قائلاً "لا أخشى إدارة ترمب"، مضيفاً "لا بد لأحد أن يقف ويقول إن هناك طريقة أفضل". وفي تصريح آخر، شدد على أن "وضع رسالتي في نفس خانة ما حاول الرئيس فعله هو عدم فهم"، في إشارة إلى رفضه اختزال خطابه ضمن إطار سياسي صرف.

هذا التباين في المقاربات سرعان ما انعكس داخل واشنطن، فقد دعا نائب الرئيس جي دي فانس الفاتيكان إلى "الالتزام بقضايا الأخلاق"، بينما اعتبر رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن البابا "يخوض في غمار السياسة"، مستحقاً بذلك الانتقاد. هذه الردود تكشف عن ميل داخل النخبة السياسية الأميركية إلى احتواء الخطاب البابوي عبر تصنيفه، إما كفاعل أخلاقي محدود أو كخصم سياسي، بما يسهل التعامل معه ضمن قواعد اللعبة التقليدية.

في المقابل، حافظ البابا على مسافة محسوبة، مؤكداً، كما نقلت الصحافية إليز آن ألين، أن هناك "رواية مغلوطة" نشأت بفعل هذا التوتر. وبدلاً من التراجع صعّد من نبرته خلال جولته الأفريقية، متحدثاً عن عالم "يتعرض للنهب من قبل حفنة من الطغاة"، ومندداً بـ"أهواء الأغنياء والأقوياء" التي تهدد الاستقرار. هذه العبارات، على رغم عموميتها حملت دلالات سياسية واضحة من دون أن تُربط بأسماء، مما منحها مرونة التأويل وقوة التأثير في آن واحد. اللافت أن هذا السجال لم ينتج مواجهة مباشرة بقدر ما كشف عن فجوة تسمح بتأطير كل خطاب ضمن ميزان المصالح، في حين يتحرك البابا في مساحة رمزية تتيح له نقد البنى من دون الانخراط في تفاصيلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقاطع التحولات

عبر الكاردينال مايكل تشيرني، بوصفه أحد أبرز مستشاري البابا، عن توجه استراتيجي يسعى إلى إعادة إدراج أفريقيا في صدارة الاهتمام الدولي. وفي السياق ذاته، قدم فورتوناتوس نواشوكو، من دائرة التبشير، تصوراً مكملاً حين تحدث عن "كنيسة الحصاد"، حيث تتحول أفريقيا من متلقٍ إلى مصدر للحيوية الدينية العالمية. وقدم مؤرخ الكنيسة الكاثوليكية في جامعة أكسفورد، مايلز باتيندين، إطاراً تفسيرياً لهذه الجولة، إذ يرى في تحركات البابا جانباً غير معلن يعكس إعادة تموضع رمزي بعيداً من المركز الغربي.

هذه المقاربة تتقاطع مع ما يطرحه الباحث في جامعة ديبول ستان تشو إيلو، الذي يقرأ التحولات داخل الفاتيكان بوصفها بداية حساسية جديدة تعطي أولوية فعلية لأفريقيا، لا بوصفها هامشاً بل مركزاً صاعداً، كذلك تبرز مراسلة منصة "كروكس ناو" إليز آن ألين، التي توثق التوترات وتكشف عن "الرواية المغلوطة" التي نشأت حول جولة البابا، مقدمة بذلك جسراً بين الوقائع الميدانية والتأويلات الإعلامية.

أما داخلياً، فإن صعود أفريقيا لا يُقرأ فقط كصعود عددي أو لاهوتي، بل كإعادة تشكيل لهرم السلطة الكنسية ذاته. ويشير إدماج النخب الأفريقية في دوائر القرار إلى بداية تفكيك غير معلن للاحتكار التاريخي للمركز الأوروبي، لكنه في الوقت ذاته يوقظ توترات كامنة حول الهوية والتمثيل والمعيارية اللاهوتية. وهنا تتبدى ثلاثة مسارات محتملة، إما ترسيخ تحول تدريجي يجعل الجنوب العالمي محور الإنتاج الروحي والمؤسسي للكنيسة، أو ارتداد مؤسسي يعيد إنتاج المركزية التقليدية عبر آليات بيروقراطية ناعمة، أو حالة هجينة تبقي الجنوب مصدراً حيوياً من دون تمكينه الكامل من إعادة تعريف البنية الكلية.

تتقاطع هذه التحولات مع عالم يتجه نحو تعددية قطبية أخلاقية لا تقل تعقيداً عن تعدديته السياسية، فالقوة لم تعد احتكاراً للدول، بل باتت موزعة بين الشبكات والهويات والذاكرات التاريخية. وعليه، فإن ما يجري ليس مجرد إعادة تموضع للفاتيكان، بل اختبار لقدرة مؤسسة دينية عابرة للقرون على البقاء فاعلاً في نظام عالمي يتغير من منطق التوازن إلى منطق التشظي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير