Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المقاتل خارج ساحات القتال: هدف مشروع أم ضحية انتهاك؟

تصاعدت التساؤلات حول مشروعية استهداف الشخصيات العسكرية والمحاربين خارج المعارك

تستهدف إسرائيل عدداً من مقاتلي "حزب الله" خارج سياق المعارك (ا ف ب)

ملخص

فتحت الحروب التي شهدها العالم في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، الباب واسعاً أمام التساؤلات حول فاعلية قواعد القانون الدولي الإنساني خلال الحروب غير التناظرية، ومشروعية قتل المحاربين خارج حدود المعركة. وازدحمت الصور خلال الحرب الأخيرة في لبنان، التي توثق استهداف مقاتلين بشكل مباشر خلال تنقلهم أو أثناء وجودهم في بيوتهم بين أسرهم أو حتى في أعقاب إعلان استسلامهم للمسيرة.

قبل ساعات من "الهدنة الموقتة"، انتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان، يظهر فيه مقاتل من "حزب الله" في مدينة بنت جبيل الجنوبية، مستلقياً على الأرض ويبدو وفق المراقبين أنه مصاب، قبل أن تقترب مسيرة إسرائيلية وتفجر صاروخاً على مقربة منه، مما أدى إلى قتله بشكل مباشر.

هذا المشهد قسم اللبنانيين بصورة حادة، بين من اعتبر أنه دليل على زج الحزب بشبابه بمعركة غير متكافئة ومشهدية قاسية جداً لعملية قتل مباشرة ووحشية، وآخرين رأوا فيه صموداً لشاب اختار الثبات حتى اللحظة الأخيرة.

وبين هذين الموقفين، برز نقاش أوسع يتجاوز الحدث نفسه، ليطال جدوى هذا النوع من المواجهات، وسط جملة من التساؤلات حول مدى مشروعية "قتل العناصر العسكرية خارج المعركة"، وموقف القانون الدولي الإنساني من تلك الأحداث التي تكررت في أماكن مختلفة من الشرق الأوسط، ناهيك عن تساؤلات متزايدة في الأوساط العسكرية من محاذير استخدام ذخائر شديدة التفجير و"غير ذكية" في استهداف مناطق مدنية أو على مقربة من مرافق طبية أو صحية أو دينية.

فيما شهد لبنان خلال العامين الماضيين، عمليات اغتيال إسرائيلية مباشرة لشخصيات عسكرية وقياديين وحتى عناصر أمنية من "حزب الله" وهم ينتقلون بسياراتهم وخارج أية معركة عسكرية.

أخلاق الفروسية

خلال الأعوام الأخيرة، تصاعدت التساؤلات حول مشروعية استهداف الشخصيات العسكرية والمحاربين خارج ساحة القتال. وهو ما ولد انقساماً بين فريق رافض لتلك الأفعال والهجمات متسلحاً بقواعد القانون الدولي الإنساني وأخلاق "الفرسان"، وفريق آخر، يجد مبرراً لها انطلاقاً من "الخطر المحتمل" الذي يمثله هؤلاء، ومن ثم إدانة احتماء هؤلاء في مناطق محمية آمنة، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية.

ومبدأ أخلاق "الفرسان" خلال الحروب يعود إلى فكرة قديمة عن وجود قواعد شرف غير مكتوبة تضبط سلوك المقاتل حتى في أكثر اللحظات قسوة، بحيث لا يتحول العنف إلى فوضى مطلقة. تقوم هذه الأخلاق على الامتناع عن استهداف غير المقاتلين كالأطفال والنساء، وعلى إظهار قدر من الرحمة تجاه الجرحى والأسرى وعدم تعذيبهم أو قتلهم بعد سقوطهم. وترتبط أيضاً بفكرة القتال بندية قدر الإمكان، وتجنب الغدر أو استهداف من لا يستطيع الدفاع عن نفسه، إضافة إلى الالتزام بالعهود واحترام الهدن وعدم نقضها. ومع ذلك، تبقى هذه الأخلاق في كثير من الأحيان أقرب إلى مثال يُحتكم إليه، إذ إن واقع الحروب كثيراً ما يتجاوزها أو ينتهكها.

العودة إلى "اتفاقات جنيف"

يتمسك الخبير العسكري العميد المتقاعد خليل الحلو بتعاليم المدرسة الحربية في لبنان، التي تجسد رؤى الجيوش النظامية في العالم، التي تتمسك بمندرجات "اتفاقات جنيف" وحماية المدنيين والأسرى خلال الحرب. و"اتفاقات جنيف" هي مجموعة من المعاهدات الدولية التي وُضعت لتنظيم سلوك الأطراف المتحاربة والحد من وحشية الحروب، عبر حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو لم يعودوا قادرين على القتال. تعود صيغتها الأساسية إلى عام 1949 بعد الحرب العالمية الثانية، وتشكل اليوم حجر الأساس لما يُعرف بـ"القانون الدولي الإنساني".

ويشدد الحلو "خلال الحرب، لا يشكل قتل العدو هدفاً في حد ذاته، وإنما السعي لشل قدراته وتحييده وجعله غير قادر على الأذية"، و"يكون ذلك إما من خلال القتال حيث هناك احتمالية كبيرة لمقتل العدو الخصم، والالتزام بتطبيبه وعلاجه في حال تعرضه للجرح. أما في حال استسلامه، لا يعود للعنصر العسكري أي حق بضربه أو الانتقام منه". كما يتحدث الحلو عن "قانون أخلاقي" يلتزم العسكر بتأديته، حيث التشديد على أن "المقاتل ليس قاتلاً، وإنما مهمته الأساسية هي الدفاع حتى خلال الهجوم، والمقاتل يقوم بعمل نبيل حتى خلال معاملته العدو"، ويؤكد أن "قتل العدو خارج ساحة المعركة هو جريمة الحرب، وتتولى الدول التي تحترم سلطة القانون بمحاكمة القتلة، وهذا ما قامت به مثلاً الولايات المتحدة عندما ارتكب أحد الضباط مجزرة في مي لاي خلال حرب فيتنام عام 1968، وقد تم تجريده لاحقاً من رتبته، وأوقف، وسُجن".

المعركة والحدود الفاصلة  

تثير مسألة "إزهاق روح المقاتلين خارج ساحة المعركة" إشكاليات كبيرة، إن على مستوى تحديد معيار المشاركة في العمليات القتالية من عدمه، أو على مستوى تقديم الدليل على اقتراف الخصم لجريمة حرب. ذلك أن المحاربين يعمدون إلى طمس الجزء الأكبر من الحقيقة خلال العمليات القتالية، ناهيك بمحاولات تبرير قتل الخصم انطلاقاً من أفكار ثأرية والانتقام من جرائمه بحق الأفراد والأملاك والمصالح العائدة للطرف الأول".

يشدد الدكتور حسن جوني الخبير في مجال القانون الدولي الإنساني على أهمية تأمين الحماية للأفراد خارج ساحة المعركة، سواء أكانوا مقاتلين أو أفراداً مدنيين، مشيراً "لا يجوز استهداف الأفراد خارج المعركة أي أثناء ممارسة العسكري حياته اليومية بعيداً من أداء واجبه وهذا ما توصلنا إليه أثناء وضع قواعد القانون العرفي".

ويؤكد، "خبراء القانون الدولي يتمسكون بحماية العناصر العسكرية خارج نطاق المعركة ولا يحضرون لأي أعمال قتالية، وهنا لا يجوز استهدافهم، لأنه لا يجوز توسيع تفسير الخطر الاحتمالي وإعطاء مبررات في حينه لاستهداف الأطفال بذريعة أنهم قد يصبحون شباناً مقاتلين"، وبالتالي "لا يمكن قتل الجنود أثناء قضاء عطلهم مع أسرهم أو أثناء فترة التقاعد بحجة مشاركتهم السابقة بالحروب"، و"لا يمكن مطلقاً قتل عناصر مستسلمة ولا تشكل خطراً على المهاجم لأنه لم يعد يشكل ميزة عسكرية، وهو فعل يؤدي إلى حث المقاتلين الآخرين لعدم الاستسلام، وهو ما ينطبق على الوحدات العسكرية والثكنات في حال استسلامها وعدم تشكيلها خطراً".  ويعد جوني أن "المقاتل لم يعد حراً في اعتماد وسائل وطرق القتال، بل بات ملزماً بمندرجات القانون الدولي وعدم قتل خصمه خارج إطار المعركة".

يوضح جوني أن القانون الدولي ينطبق أيضاً على الصراع  بين الجيوش والمجموعات المسلحة غير النظامية المشاركين في النزاعات المسلحة، وبالتالي، يجزم أن "إسرائيل خالفت القانون الدولي عندما استهدفت قيادات حزبية خلال فترة وقف إطلاق النار، عندما كانوا يقيمون مع أسرهم أو أثناء تنقلهم بالسيارات وقضاء حياتهم اليومية خارج إطار المعركة"، مشدداً على "عدم تشريع القانون الدولي للهجمات الاستباقية أو إزالة معالم المدن وتدميرها بأكملها واستخدام أسلحة كيماوية حارقة في قصف القرى".

الدبلوماسية أولاً

يمتلك لبنان عدة وسائل يمكن اللجوء إليها من أجل ملاحقة إسرائيل، سواء أكانت قضائية عبر المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل أو أمام المحاكم الوطنية الأجنبية للذين يحملون جنسيتها، أو على مستوى الدبلوماسية والقوة الناعمة. يعتقد الدكتور حسن جوني وهو أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية أن "المسار القضائي طويل للغاية وتشوبه تعقيدات، لذلك من الأفضل اللجوء إلى الأدوات الدبلوماسية وتحديداً مع الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، التي باتت تضع إسرائيل في حالة من العزلة الدولية وخسارة على مستوى الصورة والوعي، وهو ما يحتاج إلى جيش من الدبلوماسيين للقيام به وتشكيل رأي عام".

ويضيف، "تمت إدانات قضائية سابقة لشخصيات إسرائيلية، وعلى رغم ذلك لم تخضع للاستنابات القضائية، واستمرت بممارسة عملها وجرائمها، ولكن عندما تحاصر الدولة دبلوماسياً، يكون لها أثر كبير على مستوى السياسة الدولية أو حتى المقاطعة الاقتصادية أو وقف التعاملات في مجال بيع السلاح وتقييده". من جهة أخرى يلفت جوني إلى محاذير اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لملاحقة الدول وفق المادة 34 من نظام المحكمة، لأن "ملاحقة إسرائيل كدولة، سيشكل مشكلة في لبنان، لأنها دولة لا تعترف بها، كما أن العمل القضائي طويل وصعب ونتائجه غير مضمونة"، و"هناك أدوات أكثر فاعلية تمكن لبنان اللجوء إليها، وأفضلها الطرق الدبلوماسية مع الشركاء الفاعليين دولياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تطور العدو

تطورت النظرة إلى "المقاتل العدو" وكيفية التعاطي معه عبر التاريخ، وقد تأثرت بالفضاءات الفكرية المتطورة. حيث انتقلت من الاستعباد والثأر والتمثيل بالجثث، إلى إطار قانوني قائم على تأمين الحماية لعناصر المؤسسة العسكرية "الكوادر" داخل الميدان وخارج نطاق المعركة. حيث جاء القانون الدولي الإنساني، لتثبيت ثلاث دعائم في الحروب، وفق بحث قام به اللواء المصري سيد هاشم، أولها، فكرة الضرورة وإلزام المقاتلين بتقييد وسائل استخدام القوة، وثانيها، فكرة الإنسانية وتقوم على اقتصار توجيه القوة العسكرية إلى المقاتلين من دون غيرهم (بحسب قانون جنيف)، وثالثها، فكرة الفروسية التي تعني تقييد وسائل القتال وحيل القتال بما لا يخل بالثقة بين المقاتلين إذ يتعين على أطراف النزاع احترام علامات الصليب الأحمر والهلال الأحمر واحترام الهدنة، وعدم الغدر بالنسبة للمفاوضين الذين يوافق طرفا النزاع على استقبالهم.

يتوقف أستاذ الفلسفة السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور عفيف عثمان عند تطور آليات التعامل مع العدو، مستنداً إلى تطور التعريف انطلاقاً من كتاب  "السياسة" للفيلسوف اليوناني أرسطو، حيث لا يُعرف العدو فقط بأنه المقاتل الخارجي، بل هو مفهوم يمتد ليشمل كل من يهدد استقرار "المدينة" (Polis)  أو ينحرف عن "الفضيلة" والغاية القصوى للدولة، وهي تحقيق "الحياة الطيبة" للمواطنين.

ويتابع، "يأتي نشوء العدو من تناقض المصالح، وما قد يمثله من تهديد للأمة في سيادتها وهويتها وطمعه في أرضها"، وعن حماية المدني خلال الصراعات، يستند الدكتور عثمان إلى المدّونة القانونية، وإلى الاتفاقات الدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، إذ يجد أن ثمة تمييزاً بين المحاربين (المقاتلين) والمدنيين، وهو ما يمثل حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، ويهدف في صورة أساسية إلى تقليل معاناة المدنيين، وضمان حمايتهم من أخطار الحروب. ويلفت إلى فرض مجموعة من القواعد الصارمة التي تلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين الفئتين، وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.

فمن ناحية أولى، هناك المحاربون (المقاتلون) أي إنهم الأشخاص الذين يحق لهم المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، وينتمون إلى القوات المسلحة لأطراف النزاع (الدولية أو غير الدولية)، باستثناء الطواقم الطبية والدينية. وبالتالي، يُعد المقاتلون أهدافاً عسكرية مشروعة، مما يعني استهدافهم وقتلهم أو جرحهم أثناء النزاع. أما عند وقوعهم في أسر العدو، فيتمتع المقاتلون بوضع "أسرى الحرب" وذلك بموجب اتفاقية جنيف الثالثة، مما يمنحهم حماية من المعاملة المهينة، ويضمن حقوقهم، كجرحى أو أسرى.

يلفت عثمان إلى تمتع المدنيين بحماية من الهجمات المباشرة، حيث يحظر القانون الدولي الإنساني استهدافهم، أو معاملتهم معاملة مهينة، أو استخدامهم كدروع بشرية. وفي النتيجة يتحمل المقاتلون مسؤولية تمييز أنفسهم، بينما يستحق المدنيون حماية مطلقة ما لم يشاركوا في القتال، وأي هجوم لا يفرق بين الفئتين يعد انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، وجريمة حرب.

نهاية القانون الإنساني؟

تطورت النظرة إلى العدو، ولكن خلال العقدين الأخيرين، شهد القانون الدولي الإنساني ترنُحاً بفعل الضربات المتلاحقة. يتحدث عثمان عن بروز بعض المفاهيم الجديدة على المستوى الدولي، ومحاولة للتملص من أحكام القانون الدولي الإنساني، قائلاً "منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، راج مصطلح الأضرار الجانبية، الذي يعني وقوع أضرار، من مثل تدمير المنازل، والمرافق العامة، والبنية التحتية المدنية التي لا تسهم بصورة مباشرة في العمليات العسكرية، وقتل المدنيين الأبرياء غير المشاركين في النزاع. وهو ما فتح الباب واسعاً على الخرق الفاضح للقوانين الدولية الإنسانية". ويشير إلى تكريس "استهداف المدنيين في النزاعات الدولية"، بدءاً بأحداث 11 سبتمبر (أيلول) التي استهدفت أصولاً مدنية في برجي التجارة العالمية في نيويورك، مروراً باستهداف تنظيم "داعش" للمدنيين إبان سيطرته الواسعة في سوريا والعراق، وهو ما عنى نهاية الحماية للمدنيين في النزاعات، وصولاً إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية في 2026، والهجمات الإسرائيلية على لبنان لتزيل الحدود الفاصلة بين المقاتلين والمدنيين. ليخلص إلى أنه "لا بد لمنظمة الأمم المتحدة، كفاعل كوني من إعادة الروح إلى القانون الدولي، ليكون حكماً في النزاعات، وبديلاً أساسياً عن حالة التفلت السائدة في أنحاء العالم". 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير