ملخص
بصمات الأصابع هي التعبير السطحي لما يسميه علماء الأحياء بـ "النتوءات الجلدية"، أي تلك التموجات المتوازية في الجلد والتي لا تغطي أطراف الأصابع وحسب، بل أيضاً راحة اليد وأصابع وباطن القدم، كما يُعرف العلم الذي يدرس هذه الأنماط باسم "علم البصمات الجلدية".
يتطلب فتح هواتفنا المحمولة أو أجهزتنا اللوحية وإجراء المدفوعات الإلكترونية والدخول إلى بوابات الرحلات الدولية وفتح غرف الفنادق، وغيرها من الأمور اليوم، استخدام بصمات الأصابع في كثير من الأحيان، فقد بات راسخاً في حياتنا وتطورت البصمة لتصبح أداة أساسية في التحقق من الهوية الشخصية على مستوى العالم، وفي مسرح الجرائم تعد بصمات الأصابع ضرورية أثناء التحقيق لتحديد المشتبه فيهم المحتملين أو الضحايا أو أي شخص كان حاضراً وقت وقوع الجريمة، وقد أدت الحاجة الاجتماعية إلى تحديد هوية الأشخاص بدقة وبأقل هامش خطأ إلى زيادة البحث في هذه التقنيات خلال الأعوام الماضية، وتبيّن أن التركيب الكيماوي لبصمة الإصبع يمكن أن يكشف معلومات بالغة الأهمية عن صاحبها، ويقدم مساعدة قيّمة ومعلومات استخباراتية جديدة أثناء التحقيقات، إذ يشير إلى المواد الداخلية أو الخارجية التي لامسها الشخص.
التعريف العلمي لبصمات الأصابع
هي التعبير السطحي لما يسميه علماء الأحياء بـ "النتوءات الجلدية"، أي تلك التموجات المتوازية في الجلد والتي لا تغطي أطراف الأصابع وحسب، بل أيضاً راحة اليد وأصابع وباطن القدم، وكذلك يُعرف العلم الذي يدرس هذه الأنماط باسم "علم البصمات الجلدية"، ومن الحقائق التي لا تحظى بالتقدير الكافي حول بصمات الأصابع أنه من بين جميع الثدييات لا يمتلكها سوى الرئيسيات والكوالا، وهذه دلالة لافتة إذ لا يشترك الكوالا والرئيسيات في سلف مشترك حديث، مما يعني أن بصمات الأصابع تطورت بصورة مستقلة في كلا السلالتين، وهو ما يسميه علماء الأحياء بالتطور التقاربي.
علم بصمات الأصابع عبر الزمن
لم يُعترف بتفرد بصمات الأصابع في أوروبا إلا في القرن الـ 18، وكان الطبيب وعالم التشريح الألماني أوغست ماير أول من لاحظ ذلك، وقد ذكر في كتابه "اللوحات النحاسية التشريحية مع الشروح المناسبة" للمرة الأولى كيف أن خطوط احتكاك الجلد لا تتكرر أبداً لدى شخصين، وفي عام 1853 انتقل رجل بريطاني يدعى السير ويليام جيمس هيرشل من إنجلترا إلى الهند للعمل كإداري في شركة ضخمة، وخلال فترة عمله هناك راودته فكرة استخدام بصمة اليد كتوقيع في العقود الرسمية، وكانت هذه المرة الأولى الموثقة تاريخياً التي يستخدم فيها أثر احتكاك الجلد ويعتبر صالحاً في الوثائق الرسمية، وبعدها شجعته هذه الخطوة على مواصلة توثيق بصمات أصابع زملائه وأصدقائه وعائلته، واستخدم هذه الطريقة المبتكرة عندما أشرف على المحاكم الجنائية والسجون والسجلات الحكومية الرسمية، وبدأ بتسجيل بصمات الأصابع مقترحاً نشر هذه الطريقة في بلدان أخرى.
بعد ذلك بفترة وجيزة أبدى المفتش العام لشرطة البنغال في الهند، السير إدوارد هنري، اهتماماً باستخدام بصمات الأصابع لتحديد هوية المجرمين، متأثراً بأفكار العالم البريطاني فرنسيس غالتون الذي أحدث ثورة في علم الأدلة الجنائية من خلال وضع الأساس العلمي لتحديد بصمات الأصابع، وبعد درس طريقة غالتون قرر هنري إضافة بصمات السجناء إلى جانب القياسات الـ "أنثروبومترية" التي كانت تؤخذ بالفعل، وهو ما سمح بتحديد بصمات الأصابع وتصنيفها واستبعاد المشتبه فيهم المحتملين، وقد حقق نجاحاً كبيراً في الهند مع بداية القرن الـ21، وانتشر بسهولة في بريطانيا وغيرها من الدول الناطقة بالإنجليزية.
بيد أن أحد أهم التطورات في هذا المجال حدث عندما نُشر عام 1997 أن الحمض النووي (DNA) يمكن استخلاصه وتحليله من بصمات الأصابع، وقد أظهر ذلك إمكان توليد بصمة الحمض النووي من مسحات مأخوذة من أشياء لمستها الأيادي، فوفرت هذه التقنية المعروفة باسم "بصمة الحمض النووي" المعيار الأمثل، ورسمت النمط الفريد للحمض النووي لكل فرد، وبالتالي رسخت مكانتها كإحدى أهم الأدوات في التحقيقات الجنائية، وإضافة إلى ذلك أثبتت بصمات الأصابع أنها مصدر للكشف عن المواد الخارجية التي لامسها صاحب البصمة مع تحليلها، أي إضافة إلى الفحص الفيزيائي فإن هذه البصمات تتيح إجراء تحليل كيماوي للمواد التي لامست الشخص.
كيف تتشكل بصمات أصابعنا؟
قبل الخوض في أسباب وجود بصمات الأصابع يجدر بنا التوقف قليلاً عند كيفية تشكلها لأن الآلية بحد ذاتها مثيرة للدهشة، إذ تبدأ نتوءات بصمات الأصابع بالتشكل خلال الأسبوع الـ 10 من الحمل عندما تكون يد الجنين صغيرة ومبطنة وأشبه بطرف بدائي، وهذه الانتفاخات الموقتة على أطراف الأصابع والمسماة "الوسائد الراحية" بالغة الأهمية، فمع تورمها ثم انحسارها تسلط ضغطاً ميكانيكياً على الطبقة القاعدية الرقيقة للجلد المغطي لها مما يحفز ظهور النتوءات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشف عالما الرياضيات التطبيقية مايكل كوكين وآلان نيويل عام 2005 أن أنماط بصمات الأصابع تنشأ من عدم استقرار في تلك الطبقة القاعدية للجلد، والمثير للاهتمام أن هذه الظاهرة تصنف ضمن نوع الظواهر الفيزيائية نفسها التي تسبب تجعد صفيحة معدنية رقيقة تحت الضغط، وبمعنى آخر فإن نمط بصمة إصبعك الفريد ، لم يشفّر مباشرة في حمضك النووي كخطة جاهزة، بل نشأ من الديناميكيات الفيزيائية لنسيج نام يتحمل الضغط، انطلاقاً من هندسة طرف إصبعك خلال مرحلة دقيقة من مراحل نمو الجنين.
لماذا تطورت بصمات الأصابع؟
تناولت دراسة نُشرت عام 2020 في مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" الأميركية هذا الموضوع مباشرة، مستخدمة تقنيات تصوير متقدمة لمراقبة ما يحدث عند نقطة التماس بين طرف الإصبع والزجاج، وما توصلوا إليه يدحض الفكرة القائلة بأن هذه النتوءات مجرد عوامل لزيادة الاحتكاك، بل يبدو أنها تعمل كجزء من نظام مزدوج لتنظيم الرطوبة، فعندما يلامس الإصبع سطحاً غير منفذ تطلق مسام العرق داخل النتوءات رطوبة تلين طبقة الكيراتين في الجلد مما يزيد الاحتكاك، والنتيجة نظام تصحيح ذاتي يحافظ على قبضة مثالية في ظروف متنوعة وبصورة ملاحظة سواء كانت اليد جافة أو مبللة، وقد كانت هذه الميزة التطورية ذات قيمة هائلة في عالم الأشجار الذي سكنه أسلافنا من الرئيسيات، إذ ساعدتهم على الإمساك بالأغصان وقطف الثمار والتنقل بين النباتات.
أما الفرضية الثانية فتركز بصورة أقل على الإمساك بالأشياء وأكثر على الشعور بها، ذلك أن أصابع الرئيسيات أدوات بالغة الحساسية لأنها مليئة بمستقبلات ميكانيكية تستشعر الضغط والملمس والاهتزاز والتفاصيل المكانية الدقيقة، ويبدو أن نتوءات بصمات الأصابع تعزز هذه الحساسية بطريقة دقيقة وذكية، فمن خلال توجيه وتضخيم الاهتزازات الدقيقة الناتجة من انزلاق الجلد على سطح خشن، تزيد من تردد الإشارة الواصلة إلى المستقبلات الميكانيكية العميقة، وفي الإطار ذاته استكشفت دراسات ما يسميه الباحثون "فرضية ملمس الفاكهة"، وهي فكرة أن الرئيسيات الشجرية القديمة استخدمت حساسية أطراف الأصابع لتقييم نضج الفاكهة من طريق اللمس.
إن اكتشاف الاختلافات الميكانيكية الدقيقة بين ثمرة تين غير ناضجة وأخرى ناضجة، أو بين بذرة صلبة وأخرى لينة، قد يوافر ميزة حقيقية في البحث عن الطعام، إذ تزيد الكثافة العالية للنتوءات من مساحة السطح الملامس للجسم في أي لحظة معينة وتحسّن الدقة المكانية للإدخال اللمسي، وربما تكون الفرضية الثالثة الأكثر ملاءمة للبيئة من بين الثلاث، فإذا ما نظرنا إلى توزيع بصمات الأصابع بين الأنواع سنجدها لدى الرئيسيات التي تتنقل بانتظام في بيئات شجرية ثلاثية الأبعاد ومعقدة، وكذلك لدى حيوانات الكوالا التي تفعل الشيء نفسه، وتميل الأنواع ذات الوسائد المسطحة نسبياً وغير المتعرجة إلى العيش على الأرض أو قضاء وقت أقل في التشبث بالأغصان غير المنتظمة، ومن هنا تفترض فرضية الحركة أن التعرجات تطورت أساساً لتحسين موثوقية التشبث أثناء التنقل بين الأشجار، مما يعني أنها لم تكن مخصصة لمهمات اليد الدقيقة وحسب، بل أيضاً للتنقل بكامل الجسم على الأسطح المنحنية والخشنة والرطبة والمتغيرة بصورة غير متوقعة.
تركيب بصمات الأصابع
يمكن استخدام التركيب الكيماوي لبصمات الأصابع في الحصول على معلومات تكتيكية عن صاحبها، إذ تتكون كل نتوءة جلدية من مسام ومن خلالها يُفرز العرق الذي يترسب على سطح الجلد، وتُعرف هذه المواد باسم المواد الداخلية، وهي المواد التي ينتجها الجسم بصورة طبيعية، ومع ذلك فقد يتلوث التركيب الكيماوي بمواد خارجية موجودة عند ملامسة مصادر مختلفة أو مستحضرات التجميل أو الطعام أو الأدوية أو المتفجرات، وغيرها كثير.
إن أجسامنا تتكون من ثلاثة أنواع من الغدد الإفرازية الطبيعية ينتج كل منها نوعاً مختلفاً من عرق الجسم، وتعد الغدد العرقية الإفرازية الأكثر أهمية نظراً إلى وجودها في جميع أنحاء الجسم، وعلى رغم صغر حجمها لكنها منتشرة في كل مكان، وبالتالي فهي المسهم الرئيس في التركيب الكيماوي لبصمات الأصابع، وإضافة إلى هذه الإسهامات الداخلية الطبيعية فيمكن إدراج عدد لا يحصى من المواد التي تساعد في تركيب البصمات، مثل منتجات الشعر ومستحضرات التجميل والطعام وبقايا إطلاق النار أو أي نوع من المخدرات، وهناك مواد أخرى يجري إخراجها بعد تناولها على شكل نواتج أيضية تؤثر في بقايا بصمات الأصابع، مثل الأدوية أو تعاطي المخدرات غير المشروعة، مما يساعد في التمييز بين المدخنين وغير المدخنين، وما إلى ذلك.