ملخص
ربطت الخارجية السورية هذا الانسحاب بكونه نتيجة طبيعية لنجاح عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في مكافحة الإرهاب، في وقت التقى الشرع قيادة "قسد" بغية بحث استكمال عملية دمج التنظيم في مؤسسات الدولة، قبل مغادرته إلى تركيا لحضور مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة.
أنهت الولايات المتحدة الأميركية عبر خروج قواتها من آخر قواعدها العسكرية في شمال شرقي سوريا عقداً من الحضور العسكري في بلد عصفت به حروب ومعارك داخلية دامية لإسقاط حكم عائلة الأسد، انسحاب كامل يطوي معه حضوراً في قلب العاصفة لسنوات طويلة حاربت خلالها أشرس وأعتى التنظيمات المتطرفة، حتى قضت عليه عبر تحالف دولي ومحلي بالمنطقة. ومع هذا، لا يمكن إلا أن يثير هذا التطور تساؤلات عن مدى نشاط تنظيم "داعش" وخلاياه النائمة.
وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت تسلم الجيش قاعدة "قسرك" الجوية الواقعة بريف محافظة الحسكة بعد انسحاب القوات الأميركية منها، وبهذا التحرك تكون الولايات المتحدة المتزعمة للتحالف الدولي اختتمت انسحاباً تدريجاً بدأته خلال فبراير (شباط) الماضي مع اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية في مواجهة إيران.
صفحة جديدة
إزاء ذلك رحبت دمشق بهذا التطور، وجاء في بيان لوزارة الخارجية أن عملية الانسحاب تمت بمهنية عالية وبتنسيق كامل بين واشنطن ودمشق، مما يعكس تطور العلاقات بين البلدين في أعقاب اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنظيره السوري أحمد الشرع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع تطلع حكومة دمشق للعمل على المسار الدبلوماسي وتطويره مع أميركا بالتوازي مع تطوير الشراكات الاقتصادية.
وفي وقت تسجل الحكومة السورية الجديدة مكسباً لمصلحة السياسة الخارجية بقدرتها على إخراج القوات الأميركية، وسبقها إخراج النفوذ الإيراني العسكري بالكامل مع سقوط الأسد، وحصر انتشار الوجود الروسي في حدود قاعدتين بحريتين يعتقد الباحث الأكاديمي في العلاقات الدولية محمد حاج عثمان، أن الأمر يتعلق بحسابات واشنطن حيال كلفة حضورها العسكري في الساحة السورية.
وأضاف أن الانسحاب الذي اكتمل خلال الـ16 من أبريل (نيسان) الجاري من قاعدة "قسرك" الاستراتيجية، وهي آخر القواعد الأميركية، تأتي ضمن سياق مرتبط برغبة أميركا التي تخوض حالياً معارك مع إيران وأخرى مع الصين، في تركيز اهتمامها بهذه المعارك الأكثر أهمية من البقاء في البلاد، لا سيما بعد التخلص من خطر "داعش" وإسقاطه خلال مارس (آذار) 2019 بمنطقة الباغوز في ريف دير الزور شرق سوريا.
ودخلت القوات الأميركية الأراضي السورية منذ عام 2015 في عمليات استهدفت تنظيم "داعش"، وأنشأت قواعد عسكرية لهذه الغاية، في حين انضمت سوريا إلى التحالف الدولي خلال نوفمبر الماضي.
وربطت الخارجية السورية هذا الانسحاب بكونه نتيجة طبيعية لنجاح عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في مكافحة الإرهاب، في وقت التقى الشرع قيادة "قسد" بغية بحث استكمال عملية دمج التنظيم في مؤسسات الدولة، قبل مغادرته إلى تركيا لحضور مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة.
تصعيد متزايد
في غضون ذلك تتزايد هواجس عودة تنظيم "داعش" عبر استغلال الفراغ الأمني الذي ستتركه القوات الأميركية خلفها، ولا يشيح مراقبون بنظرهم عن خطر هرب سجناء من التنظيم من أماكن الاحتجاز أثناء المعارك التي دارت بين "قسد" ودمشق خلال الفترة الماضية، فضلاً عن عدم وضع خبرات "قسد" الاستخباراتية وأخذها بعين الاعتبار أو الاستفادة منها بصورة مثالية، مما سيترك مجالاً أمام قدرات التنظيم المتطرف للتحرك.
وتفيد تقارير بأن التنظيم زرع خلايا له في أرجاء المدن السورية كافة منذ سقوط نظام الأسد قبل أكثر من سنة ماضية، وهو ما تؤكده وزارة الداخلية التي فككت خلايا نائمة للتنظيم في دمشق العاصمة وغيرها من المدن السورية كانت تعتزم تنفيذ عمليات انتحارية.
في الوقت نفسه، قد تكون خطوة الانسحاب الكامل إشارة إلى كون الإدارة السورية الانتقالية قادرة على ملء جزء من الفراغ الأميركي عسكرياً في نطاقات محددة، ومنذ قررت أميركا الانسحاب الكامل من سوريا توقع عضو نادي الصحافة في واشنطن والمدير التنفيذي لمركز "ريكونسنس" للأبحاث عبدالعزيز العنجري، ميل أميركا للاعتماد على دمشق وتحميلها مسؤوليات تفوق طاقتها، في ظل دعم سياسي أكثر منه عملياً، وشح تمويلي لافت من الدول الداعمة وعلى رأسها الولايات المتحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يربط العنجري الانتقال بمعايير واضحة وخطة تمويل وقدرات تنفيذية كالأمن والحدود، وإلا ستزداد احتمالات الفراغ والفوضى بدل الاستقرار. ويضيف "التسليم السريع والثقة المفرطة بقدرة السلطة في دمشق قد يحملان أخطاراً حقيقية، فالإدارة لا تزال في طور انتقالي ومسؤولياتها واسعة وحاجاتها أكبر من مواردها الحالية، علاوة على ضعف في القدرة الإدارية وتباطؤ اقتصادي ضاغط، مع تآكل في الثقة العامة بسبب غياب الشفافية وشكاوى متزايدة من عودة أنماط محسوبية وشللية في إدارة الحكم، وهذا المزيج قد يرفع احتمالات اتساع الغضب الشعبي، ومعه خطر تصاعد الطائفية وخطاب الكراهية وتراجع الأمن".
ويضيف العنجري أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن مخيمات، بينها مخيم الهول، كانت تضم ما بين 20 إلى 30 ألف شخص، وبحسب مصادر متعددة تواصلت معها، فإن أعداداً كبيرة من هؤلاء كانوا من المقاتلين أو من المرتبطين ببنى قتالية مختلفة، من سوريين وعرب وأجانب، قبل أن يختفي كثير منهم خلال فترة وجيزة وفي ظروف لا تزال غير واضحة.
ويتابع "هذا الاختفاء السريع يثير تساؤلات جوهرية حول مصير هؤلاء الأفراد، والجهات التي قد تكون سهلت خروجهم أو أعادت توزيعهم. كذلك عملية تسليم المخيم بدت شبه منظمة، إذ جرت عمليات الإخلاء خلال يومين باستخدام سيارات تابعة للأمن والجيش السوري، في وقت قام فيه مقاتلون سابقون، لا سيما من إدلب، باستعادة عائلاتهم وأقاربهم من داخل المخيم".
رئيس مركز "ركونسنس" في واشنطن وفي معرض رده على استفساراتنا يقول "هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات حول المرحلة المقبلة، لا سيما ما يتعلق بمصير تنظيم ’داعش‘ وإمكان إعادة تنشيطه، وقد لوحظ خلال الشهر الماضي وقوع تفجيرات استهدفت قوافل في البادية السورية، نسبت إلى عناصر مرتبطة بالتنظيم، قبل أن تختفي مجدداً، مما يعزز الغموض حول بنيته الحالية وقدرته على التحرك. وبناء عليه، يبقى السؤال الأبرز: ما هو الشكل الحالي للتنظيم، ومن يقف وراء تحركاته؟".
ويردف قائلاً "في المحصلة، لا يبدو ما يجري في سوريا مجرد إعادة انتشار عسكري أو إعادة تموضع، بل تعبيراً عن مرحلة أشد تأزماً، تتداخل فيها هشاشة الداخل مع اضطراب الإقليم وتباين المواقف الدولية، وتشابك الملف السوري مع حسابات الأكراد وسائر الملفات المشتعلة في المنطقة. ولهذا تبدو سوريا اليوم أكثر انكشافاً على ارتدادات ما يجري حولها، لا باعتبارها ملفاً منفصلاً، بل ساحة تتقاطع فوقها أزمات لم تستقر بعد".
"ضبط الواقع"
بموازاة ذلك، يخفف خبراء وأوساط سياسية من هواجس صعود "داعش". ويلفت السياسي السوري طلال عبدالله جاسم إلى قدرة الدولة على مواجهتها بصورة حاسمة دون استبعاد حدوث اختراقات في تلك المرحلة الانتقالية إبان الانسحاب الأميركي، أو إكمال عملية دمج "قسد" بجسم الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي.
مع هذا يؤكد السياسي السوري على قدرات السلطات الجديدة العسكرية والأمنية، ويرى أنها تمتلك خبرات وقدرات تستطيع خلالها ضبط الواقع، وقال "يمكن تأمين غطاء استخباراتي وجوي عند الحاجة يوفره لها التحالف الدولي".
وتصاعدت هجمات التنظيم منذ فبراير الماضي مع إطلاق واشنطن عمليات الانسحاب المتتالية من قواعد استراتيجية كقاعدة "الشدادي" و"التنف" وأخيراً "قسرك"، إذ شنت مجموعات تتبع "داعش" هجمات على حواجز مراقبة وتفتيش غرب مدينة الرقة، مترافقة مع تسجيلات صوتية للمتحدث باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري دعا فيها إلى محاربة الحكومة السورية الموقتة، بعد وصفها بالمرتدة.