Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أسهمت زيارة للبابا فرنسيس في هزيمة فيكتور أوربان؟

الهزيمة الساحقة التي مني بها رئيس الوزراء المجري الأحد الماضي تعود جذورها لتداعيات غير متوقعة لزيارة بابوية جرت قبل نحو ثلاثة أعوام بالضبط

البابا فرنسيس وأوربان... لم يكن بينهما كثير من التوافق (أ ف ب/غيتي)

ملخص

بدأ تفكك حكم فيكتور أوربان من لحظة كان يُفترض أن تكون تتويجاً له، إذ تحولت زيارة البابا فرنسيس إلى مقدمة لفضيحة سياسية أطاحت بحليفتين بارزتين له وفتحت الطريق أمام صعود بيتر ماديار خصماً قادراً على إنهاء قبضته على السلطة. ولم تقتصر الخسارة على سقوط أوربان في المجر، بل امتدت إلى ضرب الشبكة الفكرية والسياسية التي غذّت اليمين العالمي، مع فتح المجال أمام حكومة أكثر اعتدالاً وأقرب إلى الاتحاد الأوروبي في بودابست.

سيرى كثرٌ في الهزيمة الساحقة التي مُنيت بها حكومة فيكتور أوربان في المجر - الأكثر يمينية في أوروبا - نتيجة طبيعية لعدائه للاتحاد الأوروبي وتقاربه مع فلاديمير بوتين وعجزه عن استمالة الناخبين الشباب وتصاعد الشعور بالفساد السياسي.

ومع أن ذلك قد يكون صحيحاً، فإن هذه العوامل نفسها كانت قائمة أيضاً حين حقق أوربان فوزاً ساحقاً مماثلاً خلال انتخابات 2022، وهي نتيجة بدت آنذاك كأنها جعلته عصياً على الهزيمة.

بل يمكن القول إنه كان هذه المرة في موقع سياسي أقوى مما كان عليه عام 2022، مع وجود صديقه دونالد ترمب في البيت الأبيض بدلاً من خصمه السياسي جو بايدن.

حتى إنه حظي في اللحظة الأخيرة بدعم دعائي من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أثناء تجمع انتخابي عشية الاقتراع، مع أن استطلاعات الرأي ترجح أن هذا الدعم أضر به أكثر مما نفعه.

فما الذي تبدل خلال الأعوام الأربعة التي تلت ذلك الفوز الذي كاد أن يمحو المعارضة لحزب "فيدس" تماماً؟

الحقيقة أن بداية التفكك كانت مع زيارة البابا فرنسيس، ثم مع الفضيحة التي أعقبتها وكشفت عن الفساد السياسي داخل حزب "فيدس" وحكومة أوربان، وأنهت المسيرة السياسية لاثنين من حلفائه، ومنحت دفعة هائلة لحملة بيتر ماديار للإطاحة به وتولي رئاسة الوزراء.

زيارة بابوية غير متوقعة

في أبريل (نيسان) عام 2023، قام البابا فرنسيس بزيارة رسمية إلى المجر، وكان يفترض أن تكون هذه الزيارة لحظة تتويج لعهد أوربان، وتزكية واضحة لسياساته الكاثوليكية اليمينية المؤيدة للأسرة والمناهضة لحقوق مجتمع الميم.

لكن الزيارة بدت، سياسياً، مستبعدة. فقد كان فرنسيس وأوربان على طرفي نقيض تماماً، ولا سيما في ما يتعلق بموقف أوربان المتشدد من المهاجرين.

لكن في الوقت نفسه، كانت لدى البابا فرنسيس مودة خاصة تجاه المجر. فمنذ أن كان رئيساً للرهبنة اليسوعية في الأرجنتين، تعرف إلى راهبات مجريات فررن من البلاد بعدما أخمد الشيوعيون انتفاضة 1956، وتعلم اللغة المجرية.

ويضاف إلى ذلك أن أوربان كان يملك في روما سفيراً بارعاً لدى الكرسي الرسولي هو إدوارد هابسبورغ الذي ينحدر أيضاً من العائلة المالكة للإمبراطورية النمسوية- المجرية، وقد نجح في إقامة علاقة ودية مع البابا.

وكان أوربان نسج بالفعل تقارباً مفاجئاً مع البابا الراحل في السعي إلى إيجاد حل سلمي مع بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بدلاً من دعم العمليات العسكرية، وربما كان ذلك سبباً إضافياً وراء الزيارة البابوية.

تداعيات الزيارة

نجحت الزيارة نفسها، لكن ما أعقبها فجّر أزمة داخل حكومة أوربان وأضعف قبضته على السلطة على نحو دائم.

ففي محاولة لعكس رسالة "الرحمة" التي حملها فرنسيس، قررت الحكومة المجرية إبداء الرأفة تجاه 25 مداناً ومنحهم عفواً عن جرائمهم. وسرعان ما ثبت أن القرار كان كارثة سياسية.

 

وتبين أن أحد الذين شملهم العفو هو إندري كونيا، نائب المدير السابق لدار "كوشوت زوزا" لرعاية الأطفال في بيتشكه الذي مارس الترهيب على النزلاء لحملهم على كتمان أدلة تتعلق باعتداءات جنسية، حماية لمدير الدار.

وعندما انكشف ذلك، اندلعت موجة غضب عارمة. وأفادت تقارير بأن العفو تم تحت ضغط من زولتان بالوغ، رئيس الأساقفة السابق الذي تحول إلى العمل السياسي، وأحد حلفاء أوربان.

وأدت الفضيحة إلى استقالة قسرية لاثنتين من أبرز حليفاته. الأولى كاتالين نوفاك، رئيسة المجر التي كان بعضهم يراها وريثته المحتملة، وكانت من مهندسي سياساته المؤيدة للأسرة.

وكانت هي من منحت العفو، فيما كان بالوغ مرشدها السياسي.

أما الثانية، فهي جوديت فارغا، النجمة الصاعدة الأخرى في حزب "فيدس" التي شغلت منصب وزيرة العدل وكانت هي من قدمت قائمة الأسماء المقترحة للعفو.

وفي مطلع عام 2024، أمر أوربان المرأتين بالاستقالة، منهياً مسيرتيهما السياسيتين. لكن الضرر كان قد وقع، ومنذ تلك اللحظة بدأ نجمه السياسي بالأفول السريع.

الزوج السابق ينتهز الفرصة

إضافة إلى خسارة "فيدس" اثنين من وجوه جيله المقبل، كانت هناك تداعيات مباشرة، أبرزها ما يتعلق بفارغا.

ففي وقت استقالتها، كانت القوة الدافعة وراء محاولة تشكيل ائتلاف يميني مناهض للاتحاد الأوروبي لخوض انتخابات البرلمان الأوروبي.

وكانت تسعى إلى العمل مع أحزاب مثل "إخوة إيطاليا" بقيادة جورجيا ميلوني لتغيير ملامح السياسة الأوروبية. لكن تلك الجهود تعثرت إلى حد بعيد بمجرد خروج فارغا من المشهد، ومعها تبددت الآمال في قيام هيمنة يمينية أوروبية جديدة.

 

لكن الأهم بكثير كان زواج فارغا المتعثر من المحامي والسياسي الطموح بيتر ماديار، العضو السابق في حزب أوربان.

فقد انتهى زواجهما قبل وقت قصير من انهيار مسيرتها السياسية، وبدأ هو حملة على وسائل التواصل الاجتماعي كشف خلالها عن كثير من أسرار حزب "فيدس" وفضح ما قيل إنه فساد مستشرٍ داخله.

وبصفته الزعيم الجديد لحزب "تيسا" المنتمي إلى يمين الوسط، بات ماديار قائداً لاحتجاجات حاشدة مناهضة للفساد، ثم تولى قيادة الائتلاف الذي أطاح بأوربان وجعله رئيساً جديداً لوزراء المجر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والأهم أنه، بخلاف الائتلافات السابقة التي سعت إلى إزاحة أوربان، ينتمي إلى يمين الوسط المحافظ لا إلى اليسار السياسي، وقد ثبت أنه خصم أشد صعوبة بكثير من أسلافه.

وعلى غرار دونالد توسك في بولندا، حين أطاح بحكومة يمينية أخرى مناهضة للاتحاد الأوروبي، حظي ماديار بدعم من المفوضية الأوروبية إلى حد دفع أوربان وفانس إلى اتهامها بالتدخل في الانتخابات.

والآن سيقود ماديار حكومة أكثر اعتدالاً، من يمين الوسط ومؤيدة للاتحاد الأوروبي، منهياً وجود آخر حكومة مناهضة لبروكسل داخل التكتل.

خسارة كبيرة لليمين العالمي

كان خروج أوربان من السلطة نتيجة فضيحة وغرور سياسي إلى حد بعيد، لكنه أطاح أيضاً بالشبكة الفكرية التي كانت تمد كثيراً من تيارات اليمين حول العالم بالدعم، مع صلات وثيقة بحزب "الليكود" في إسرائيل، ودونالد ترمب وحركة "ماغا" في الولايات المتحدة، والدوائر المحيطة بنايجل فاراج وحزب "ريفورم" في المملكة المتحدة.

فقد دعم أوربان سلسلة من مراكز الفكر اليمينية مثل "معهد الدانوب" و"ماتياس كورفينوس كوليجيوم"، لصوغ أجندة يمينية للقرن الـ21، وفي الوقت نفسه نقل أفكار اليمين الأميركي إلى أوروبا. وشمل ذلك استضافة مؤتمر العمل السياسي المحافظ الأميركي  (CPAC)  سنوياً في المجر.

وقد يؤدي انتصار ماديار إلى تفكيك كل ذلك، كما يتيح للاتحاد الأوروبي، وهذا هو الأهم، التحرك بصرامة أكبر ضد بوتين في شأن أوكرانيا، ويخرج من المشهد آخر سياسي داخل التكتل كان يحظى بأذن مصغية لدى ترمب. ومن المرجح الآن أن تحصل المجر على الأموال التي كانت بروكسل تحجبها بسبب سياسات أوربان الأكثر تطرفاً.

كان يفترض أن تكون الزيارة البابوية تتويجاً لعهد أوربان، لكنها انتهت إلى أن تصبح سبب سقوطه.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير