ملخص
بين هدوء حذر وشوارع تستعيد نبضها نهاراً وتفرغ ليلاً في الضاحية الجنوبية، قمنا بجولة ميدانية لرصد كيف تدار الحياة بعد توقف القصف. وما بين خدمات تصل بالحد الأدنى وأخرى تغيب، وبلديات تحاول وجمعيات تملأ الفراغ، تروى قصة سكان يعيشون على ما يتوفر في انتظار ما قد يأتي.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، يسود هدوء حذر مرتبط بتوقف القصف في ظل مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران لم تتضح نتائجه بعد، لكن أنتج بالتأكيد حتى الساعة وقفاً لإطلاق النار يمتد لـ10 أيام.
هذا الهدوء لا يعكس استقراراً بقدر ما يعبر عن مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات عدة، فعلى رغم تراجع العمليات العسكرية، لم يعد الإيقاع اليومي إلى طبيعته، إذ تستعيد بعض الأحياء حركتها تدريجاً فيما تبقى أخرى شبه خالية.
في هذا السياق، تدار الحياة بالحد الأدنى، وتتحول تفاصيل العيش اليومي، من تأمين الكهرباء والمياه إلى الغذاء، إلى مؤشر أساس على واقع من اختاروا البقاء في هذه المنطقة المنكوبة، أكثر مما تعكسه الأرقام أو التقديرات الرسمية.
جولة ميدانية بين شوارع الضاحية
خلال جولة ميدانية لـ"اندبندنت عربية"، يتكشف مشهد مزدوج، أحياء مكتظة بالحركة نهاراً، تقابلها مناطق أشبه بمدينة أشباح مع حلول الليل.
في الشويفات وحي السلم (أطراف الضاحية الجنوبية)، لا يزال النبض قائماً، وعلى رغم غارات الأربعاء الماضي في الثامن من أبريل (نيسان)، فإن الشوارع هناك تعج بالناس، والمحال مفتوحة، والحياة اليومية مستمرة بحدها الأدنى.
في هذه المنطقة التي هدد الجيش الإسرائيلي بقصفها مراراً في الأسابيع الماضية، يلجأ سكان من مناطق أخرى لتأمين حاجاتهم الأساسية، بعدما أقفلت الأسواق القريبة، وتحديداً في برج البراجنة وعلى طريق المطار، حيث يكاد الغياب يكون كاملاً، لا خضار، ولا لحوم، ولا مظاهر حياة تذكر.
لكن هذا الحضور النهاري لا يخفي واقعاً آخر. مع المساء تنسحب الحركة تدريجاً، بخاصة أن كثيرين يقصدون هذه المناطق خلال النهار فحسب، قبل أن يعودوا إلى منازلهم في أطراف أكثر أماناً نسبياً، لتتحول الأحياء ليلاً إلى مساحات خالية يغلب عليها الصمت والقلق، وأشبه بشوارع أشباح.
في قلب هذا الفراغ برزت ظواهر مقلقة. مجموعات من شبان المنطقة يتولون ملاحقة لصوص كما يقول أحد السكان، "في ظل ازدياد ملحوظ في عمليات السرقة"، قبل تسليمهم إلى القوى الأمنية. مشهد يعكس غياباً جزئياً للدولة، ومحاولات لملء هذا الفراغ أمنياً.
خدماتياً، الصورة لا تقل هشاشة، إذ إن معظم مولدات الكهرباء الخاصة توقفت في مناطق عدة نتيجة غياب السكان، باستثناء بعض الأحياء الموجودة على أطراف الضاحية مثل "الغبيرة" و"حي السلم"، بحيث لا تزال الأخيرة تتلقى تغذية غير مباشرة من مولدات منطقة الشويفات. أما لناحية تأمين المياه فيعتمد من تبقى من السكان على المياه التي تؤمنها إمدادات وزارة الطاقة والمياه التي لم يطاولها القصف حتى الساعة.
بلديات تحت الضغط
في جولة على أطراف حارة حريك لا يزال المشهد عالقاً بين الركام ومحاولات استعادة الحياة. ووفق ما يشير إليه نائب رئيس بلدية حارة حريك صادق سليم، الذي قال "تتواصل أعمال إزالة الردم وفتح الطرقات تدريجاً، بهدف تسهيل حركة السكان وتمكينهم من إخراج ممتلكاتهم من الأبنية المتضررة"، ويضيف "الحارة كانت في قلب الضربات، إذ تركزت فيها ما نسبته 50 في المئة من الاستهدافات التي طاولت الضاحية، مما يفسر حجم الدمار الكبير في الأحياء السكنية. على رغم ذلك، لا تزال مجموعات محدودة من الأهالي متمسكة بالبقاء، لا سيما في قلب حارة حريك، حيث تقيم نحو سبع إلى ثماني عائلات ترفض المغادرة، بينها مسنون وآخرون يفضلون البقاء على رغم قدرتهم على الانتقال".
ويشير سليم إلى أن "الاستجابة الحالية تقوم على جهود مشتركة بين البلدية ومبادرات حزبية ومدنية وشعبية، إلى جانب مساهمات فردية من أعضاء المجلس البلدي، في هذا الإطار، نقوم بتأمين المياه مباشرة عبر صهاريج للسكان الذين بقوا في منازلهم، وتقدم لهم المواد الغذائية بشكل منتظم لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش ضمن مبادرات فردية خاصة.
أما الكهرباء، فيقول "لا تعد المشكلة الأساسية، إذ لا تزال تصل عبر الشبكة الرسمية، غير أن أزمة المياه تبقى الأكثر تعقيداً، ليس بسبب انقطاعها، بل بسبب الأضرار التي طاولت الأبنية".
ويضيف سليم "عند ضخ المياه تتسرب كميات كبيرة إلى الأرض بسبب تضرر الخزانات والبنى الداخلية، مما يجعل الاستفادة منها محدودة"، موضحاً أن "الوصول إلى هذه الخزانات لإصلاحها صعب في ظل الدمار، مما يفرض الاعتماد على التوزيع المباشر للمياه"، وتابع "بعض الأهالي، خصوصاً كبار السن، يرفضون مغادرة منازلهم، مما يدفع فرق البلدية إلى إيصال المساعدات إليهم مباشرة، وأحياناً الدخول إليهم بمواكبة من عناصر الشرطة. أما نهاراً فتستمر محاولات إخراج الأثاث والأغراض من الأبنية المتضررة، بمساعدة فرق البلدية ومتطوعين، فيما تخف الحركة ليلاً وتتحول المنطقة إلى شبه خالية، باستثناء من اختاروا البقاء داخل منازلهم المتضررة".
داخل بوابة الضاحية
أما في منطقة الغبيري، التي تعرف بأنها "بوابة الضاحية" تبدو الحياة أقرب إلى محاولة "تمرير الوقت" منها إلى العيش الفعلي.
ووفق ما يوضح رئيس بلدية الغبيري أحمد الخنسا، فإن "الكهرباء تصل لساعات محدودة لا تتجاوز الساعتين نهاراً، فيما لا تزال بعض مولدات المشاركة تعمل، لكن بكلفة مرتفعة تفوق قدرة الناس، في ظل غياب أي مداخيل لدى شريحة واسعة".
الواقع المعيشي، كما يصفه الخنسا، هو "ضائقة اقتصادية كبيرة جداً"، إذ إن قسماً كبيراً من النازحين، سواء من الجنوب أو الضاحية الذين نزحوا إلى أطرافها، هم من "أصحاب الأعمال اليومية" الذين فقدوا مصادر دخلهم بالكامل. بعضهم استنزف مدخراته في استئجار شقق مفروشة أو غير مفروشة، فيما لجأ الأكثر فقرا ً إلى مراكز الإيواء كالمدارس، خصوصاً في بيروت، في وقت لم يعد لدى قسم كبير من الناس أي مال".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق، يشير الخنسا إلى أن "قدرة البلدية محدودة، على رغم محاولاتها الاستجابة، فقد تم توزيع ما توفر من موارد ضمن خطة طوارئ، لكن عدد العائلات المحتاجة يراوح ما بين 2500 و3000 عائلة، وهو رقم يفوق قدرة البلدية على التحمل"، ويضيف أن المساعدات التي تصل، مثل تقديم حصص غذائية عبر مجلس الجنوب، "لا تكفي أكثر من أسبوع".
يعتب رئيس بلدية الغبيري على الدولة التي يقول إنها غائبة عنهم تماماً، ويتحدث عن صعوبة التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية التي "لا تستجيب مع أحد"، على رغم أنها تعمل على خطط توزيع مركزية، في وقت يرى فيه أن الحل يجب أن يكون عبر اللامركزية، ويضيف أن الجمعيات التي كانت تحضر خلال الحروب لتقديم المساعدة "تكاد تكون غائبة اليوم، في وقت الحاجة أكبر".
ويختم بالإشارة إلى أن "غياب الإرادة الفعلية لدى الدولة يترك البلديات في مواجهة مباشرة مع الأزمة"، قائلاً إنه كان يتمنى أن "تزود السلطات المحلية بالإمكانات اللازمة لنظهر للناس أن الدولة إلى جانبهم، لكن الواقع الحالي يعني العكس تماماً".
العيش على ما يتوفر
في ظل هذا المشهد، تختصر تجارب السكان ما تعيشه المنطقة على أرض الواقع.
أيمن، أحد سكان الغبيري، يصف واقعاً لم يعد فيه النوم أمراً بديهياً. يتنقل بين منطقة البسطة في بيروت لزيارة عائلته وتأمين حاجاته، فيما استأجر منزلاً في شارع الحمرا، لكن القلق يرافقه أينما ذهب. ويروي "عندما أزور منزلي في الغبيري لأتفقده وأريد أن أرتاح قليلاً في غرفتي، أنام بملابسي ولا أخلع حذائي تحسباً لأي طارئ"، في ظل شعور دائم بأن لحظة الخطر قد تأتي في أي وقت.
وعلى رغم ذلك، يشير علي، جار أيمن، أن "بعض مظاهر الحياة لا تزال مستمرة. المياه والكهرباء متوافرتان بشكل أفضل نسبياً، نتيجة انخفاض الضغط بعد نزوح عدد كبير من السكان، إلى جانب ساعات تغذية محدودة من الدولة واستمرار عمل المولدات. هذا الواقع خلق مفارقة، إذ بات تأمين المياه أسهل من السابق، بعدما كان يعتمد بشكل شبه كامل على الشراء".
لكن هذه الاستمرارية لا تعني أن الحياة طبيعية، الحركة في الشوارع خفيفة، والناس تتنقل بحذر، فيما تبقى صورة الأسواق والخدمات غير واضحة بالكامل، قد تكون بعض المحال مفتوحة لكن الإقبال محدود، وكأن الجميع يمرون مروراً سريعاً لا أكثر.
وعن دعم الدولة في ظل هذه الظروف، تؤكد نورهان، من منطقة الشياح (الواقعة على أطراف الضاحية)، أن المساعدات لا تصل عبر قنوات رسمية مباشرة، مضيفة "كل المساعدات النقدية أو الإعاشات والمؤن تصل عبر جمعيات خاصة وليس من طريق الدولة".
الاستجابة الرسمية للنازحين
يبدو أن الجزء الأكبر من الاستجابة الرسمية يتجه نحو دعم النازحين، لا سيما خارج مراكز الإيواء، في حين لا يظهر أن السكان المقيمين يحظون بالقدر نفسه من التغطية ضمن برامج المساعدات.
في هذا السياق، كانت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد قد أوضحت في مقابلة تلفزيونية أن "نحو 80 في المئة من النازحين هم خارج مراكز الإيواء، مما دفع إلى فتح باب التسجيل الذاتي إلكترونياً داخل المراكز وخارجها لحصر الأعداد وتوسيع الاستجابة"، وأضافت أن المساعدات "تقدم عبر مسارين، عيني ونقدي، خصوصاً خارج المراكز، إذ استفادت حتى الآن نحو 65 ألف عائلة نازحة من الدعم النقدي، إضافة إلى 7 آلاف عائلة من القرى الحدودية، فيما شملت المساعدات العينية نحو 100 ألف عائلة".