ملخص
الأحداث والتصريحات الأخيرة التي فجرت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، جاءت بعد سلسة طويلة من العداء التاريخي بين إسبانيا وإسرائيل، والذي تصاعدت حدته بصورة لافتة وغير مسبوقة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 واندلاع الحرب على غزة.
ربط أدولفو سواريز عام 1977 اعترافه بإسرائيل بالانسحاب عند حدود السابع من يونيو 1967 والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما رفضته إسرائيل.
يعد التحضير لعيد الفصح في إلبورغو التابعة لمدينة ملقة الإسبانية وقتاً مميزاً لأهالي البلدة. فخلال الأسبوع الذي يسبقه ينشغلون بصنع دمية ضخمة ليهوذا (شخصية في الديانة المسيحية يعتقد أنها تمثل الشر والخيانة) لإشعالها ليل السبت الذي يسبق أحد عيد الفصح، ضمن تقليد شعبي قديم متبع سنوياً منذ أوائل القرن الـ20. حيث يجتمع السكان والزوار على حد سواء حول النار، بينما تحرق الدمية وسط هتافات مدوية وأصوات المفرقعات النارية. وما إن انطفأت النار ببطء وتحول يهوذا إلى كومة من الرماد وسط هتافات الأطفال، حتى اشتعل الإسرائيليون غضباً. فالدمية هذا العام كانت تمثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبحسب اعتبارات سكان البلدة وقيادتها، فإن شخصيته "شريرة" وتستحق الحرق أمام الحشود. وما إن سارعت الخارجية الإسرائيلية لاعتبار أن الحادثة تعكس تصاعداً خطراً في مشاعر "معاداة السامية" داخل المجتمع الإسباني، محملة حكومة الرئيس الإسباني بيدرو سانشيز المسؤولية عما وصفته "بالتحريض المنهجي ضد إسرائيل"، حتى ردت وزارة الخارجية الإسبانية بحزم على هذه الادعاءات، مؤكدة رفضها القاطع للاتهامات الإسرائيلية التي وصفتها بـ"الخبيثة". وعبرت عن رفضها محاولة ربط التقاليد الشعبية أو المواقف السياسية الرافضة للحرب، بمعاداة السامية. وما إن هدأت قضية الدمية حتى عاودت لاعبات المنتخب الإسباني لكرة اليد لإثارة غضب إسرائيل وإشعال جدل واسع من جديد. فخلال مباراة جمعتهن بالمنتخب الإسرائيلي ضمن التصفيات المؤهلة لبطولة أوروبا للسيدات، التي أقيمت في مدينة غرناطة الإثنين الماضي وانتهت بفوز إسبانيا، دخلن الملعب وعلى أحذيتهن رموز وشعارات مرتبطة بالقضية الفلسطينية، من بينها عبارة "من النهر إلى البحر"، في خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية "احتجاجاً سياسياً" داخل حدث رياضي. وبحسب صحيفة "يسرائيل هيوم"، فقد أثار الأمر صدمة في الجانب الإسرائيلي قبيل انطلاق المباراة، فالاتحاد الإسرائيلي لكرة اليد رأى أن ما جرى يمثل "تجاوزاً لخط أحمر وإدخالاً لرسائل سياسية حادة إلى منافسة دولية".
وفقاً لمحللين، فإن الأحداث والتصريحات الأخيرة التي فجرت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، جاءت بعد سلسة طويلة من العداء التاريخي بين إسبانيا وإسرائيل، والذي تصاعدت حدته بصورة لافتة وغير مسبوقة بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 واندلاع الحرب على غزة. وعلى رغم أن الأمور لم تصل بعد إلى حد القطيعة الشاملة، فإن التصريحات اللاذعة بين الجانبين التي تصاعدت حدتها خلال الأعوام الأخيرة، تنذر بأن الأمور قد تصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. وبحسب استطلاع أجراه معهد "Elcano" الملكي الإسباني للدراسات الدولية والاستراتيجية، فقد ارتفع عدد الإسبان المؤيدين لحل الدولتين خلال عام 2024 إلى 60 في المئة مقارنة بـ40 في المئة خلال عام 2021.
تاريخ حافل
في ثلاثينيات القرن الماضي، وعلى خلفية مشاركة أعضاء من منظمة الصهيونية العالمية في صفوف الجمهوريين الإسبان أثناء الحرب الأهلية عامي 1936 و1939، اتهم حاكم إسبانيا آنذاك فرانشيسكو فرانكو أعضاء المنظمة اليهود بالخيانة والتآمر مع الانفصاليين الكتالونيين لتدمير وحدة إسبانيا وقيمها وكنيستها. وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية وتأسست منظمة الأمم المتحدة رسمياً عام 1945، حتى سارعت المنظمة إلى جانب دول أخرى بشن حملة دبلوماسية كبيرة لمنع الأمم المتحدة من قبول عضوية إسباني. وعلى رغم أن الأخيرة رفضت الاعتراف بإسرائيل بعد تأسيسها عام 1948، فإن الحركة الصهيونية سعت لتطبيع العلاقات مع إسبانيا مقابل تخفيف موقف إسرائيل المعارض لعضويتها في الأمم المتحدة، والعمل على تخفيف الضغوط الدولية عليها، لكن فرانكو لم يقبل بأي من تلك المغريات الإسرائيلية. وما إن حلت نكسة يونيو (حزيران) 1967، حتى أصبح التقارب الدبلوماسي بين البلدين أصعب من ذي قبل، لأن إسبانيا التي استنكرت احتلال إسرائيل للأراضي العربية، رهنت علاقتها بتل أبيب بالانسحاب من تلك الأراضي، واشترطت تدويل قضية مدينة القدس وهو ما رفضته إسرائيل جملة وتفصيلاً. وقد دفعت مشاعر العداء التي تأججت بين مدريد وتل أبيب فرانكو لمنع الولايات المتحدة عام 1973 من استخدام قواعدها العسكرية في إسبانيا لإرسال الأسلحة إلى إسرائيل.
وما أثار سخط تل أبيب على مدريد أكثر من السابق، أن إسبانيا خلال عام 1974 صوتت لمصلحة قرارين اتخذا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وهما الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبـ"منظمة التحرير الفلسطينية" ممثلاً شرعياً له. ولم تكتمل فرحة إسرائيل بموت فرانكو وانتخاب أدولفو سواريز رئيساً للحكومة الإسبانية عام 1977 كما كان مخططاً لها، فالأخير ربط اعترافه بإسرائيل بالانسحاب عند حدود السابع من يونيو 1967 والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما رفضته إسرائيل كلياً. وعلى رغم وصول "الحزب الاشتراكي العمالي" إلى سدة الحكم في إسبانيا مطلع الثمانينيات، ودعم الحكومة الإسبانية آنذاك لحل عادل ودائم للصراع العربي - الإسرائيلي في إطار القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، فإن الغضب الإسباني تجاه إسرائيل تعاظم، خصوصاً بعدما أقدمت إسرائيل على قصف مقار "منظمة التحرير الفلسطينية" في تونس والتسبب بمقتل 50 فلسطينياً و18 تونسياً، إضافة إلى 100 جريح.
علاقات مشحونة
وعلى رغم تبادل السفراء وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين تل أبيب ومدريد مطلع عام 1986 لهدف الأخيرة ضمان انضمامها للمجموعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حالياً)، فإن المشاعر تجاه إسرائيل لم تتبدل، وظلت إسبانيا على سياستها في انتقاد واستنكار السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ودعم القضية الفلسطينية. بل ودعت عام 1989 لعقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة، بهدف التوصل إلى حل شامل وعادل ودائم للشعب الفلسطيني، وهو ما مهد لها الطريق للعب دور الوسيط في المنطقة لتوقيع اتفاق أوسلو خلال سبتمبر (أيلول) 1993 بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية". ولم يكن لتقارب البلدين مطلع القرن الـ21 أي وقع على تغير مواقف إسبانيا تجاه إسرائيل. فخلال عام 2012 وعقب تصويت إسبانيا لمصلحة قرار الجمعية العامة، الذي منح فلسطين صفة دولة غير عضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة، اشتعل توتر عميق بين تل أبيب ومدريد من جديد، وازدادت حدته أكثر بعدما صوت البرلمان الإسباني بالغالبية لمصلحة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، على رغم أنه كان رمزياً وغير ملزم. وقد شكلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023 منعطفاً خطراً على العلاقات بين الجانبيين. فإسرائيل عدت وصف إسبانيا لما يجري في قطاع غزة بالإبادة الجماعية "دعماً لـ’حماس‘ ومعاداة للسامية"، ووجهت اتهامات لوزراء في الحكومة الإسبانية "بالتعاطف أو إظهار الانحياز إلى جماعات إرهابية"، مما دفع وزارة الخارجية الإسبانية مطلع عام 2024 للإعلان عن تعليق تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل وأتبعته بفرض عقوبات على 12 مستوطناً بتهمة "ارتكاب جرائم عنف ضد الفلسطينيين".
وقد أعقب اعتراف إسبانيا في العام ذاته بدولة فلسطين إلى جانب كل من إيرلندا والنرويج، استدعاء تل أبيب سفيرها لدى مدريد وخفض تمثيلها الدبلوماسي إلى مستوى القائم بالأعمال، كذلك أوقفت الخارجية الإسرائيلية القنصلية الإسبانية في القدس عن تقديم خدماتها للفلسطينيين في الضفة الغربية. ومع انضمام إسبانيا إلى شكوى رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بتهمة "الإبادة الجماعية في غزة"، اتسعت رقعة الخلافات بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة. ووفق ما نُقل عن موقع "إمبريسا إكستريور" الإسباني، أكد نادي المصدرين والمستثمرين الإسبان أن العلاقات التجارية بين إسبانيا وإسرائيل تتدهور بمعدل متسارع تدريجاً، محذراً من أن الأزمة الدبلوماسية مع إسرائيل يمكن أن تؤدي إلى أزمة تجارية.
خطوات حازمة
وفي ظل تبادل الاتهامات وتصاعد الأزمة بين الجانبين على خلفية الحرب على غزة، جاءت معارضة إسبانيا للحرب ضد إيران ورفضها دعم العمليات الأميركية - الإسرائيلية، لتعقد المشهد أكثر. فلم تكتف إسبانيا بسحب السفيرة الإسبانية بصورة دائمة من تل أبيب، ومنع أي أنشطة مرتبطة بالجيش الإسرائيلي من العبور فوق الأراضي الإسبانية، بل صعَّد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز من خطابه السياسي ضد إسرائيل، مطالباً عقب الضربات على لبنان، بتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، مؤكداً ضرورة عدم مرور هذه الانتهاكات من دون محاسبة. مما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرد باستبعاد إسبانيا من مركز التنسيق المدني العسكري في "كريات جات"، والذي أقيم في إطار خطة السلام لغزة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واتهم إسبانيا بالعداء وشن حملة دبلوماسية ضد إسرائيل.