Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصر تحتاج إلى تسريع بيع الأصول حتى لو بأسعار أقل

منير فخري عبدالنور وزير الصناعة والتجارة والسياحة السابق في حوار مع "اندبندنت عربية": تثبيت الجنيه "كارثة" والديون عبء ثقيل جداً والحرب كشفت عن هشاشة الاقتصاد

ملخص

يقول وزير الصناعة والتجارة والسياحة المصري السابق إن بلاده ستشهد موجة تضخمية قاسية، وأنه يتعين على القادرين وحدهم أن يسددوا الفاتورة كاملة، معرباً عن اعتقاده بأن الإدارة المصرية قادرة على إصلاح أوضاع الاقتصاد.

في تحديات اقتصادية صعبة كتلك التي تعيشها مصر بعد اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، يصبح الاستماع إلى نصائح اقتصادي وسياسي بارز، تمرس في التعامل مع أزمات مماثلة أمراً ذو قيمة، خصوصاً إذا كان وزيراً سابقاً للسياحة والصناعة والتجارة في خمس حكومات متعاقبة عملت وسط ظروف قاسية بعد عام 2011، وفي الوقت ذاته كان قريباً من نبض الشارع، بحكم تموضعه في صفوف حزب سياسي تاريخي معارض هو حزب "الوفد".

أزمات الاقتصاد المصري بين مخاوف وآمال

داخل مكتبه الخاص في منطقة وسط البلد، التقينا منير فخري عبدالنور، وزير السياحة السابق في ثلاث حكومات هي حكومات أحمد شفيق وعصام شرف وكمال الجنزوري (الثانية)، ووزير الصناعة والتجارة في حكومات حازم الببلاوي، وإبراهيم محلب (الأولى والثانية)، وبدا الرجل قلقاً على نحو خاص مما تعيشه البلاد من ويلات الحرب في منطقة الخليج، ولديه بعض المخاوف، وفي المقابل آمال في أن تعبر بلاده تلك الأزمة بتداعيات أقل وطأة على الاقتصاد والناس.

ارتفاع الأسعار في مصر 

في مستهل حديثه، يقول عبدالنور إن رجل الشارع يئن من ارتفاع الأسعار، وأن هذه الأزمة تكشف عن هشاشة الاقتصاد المصري وحاجته إلى إصلاح هيكلي في بنيته الأساسية، مع مراجعة أولويات الإنفاق.

أكثر ما أخشاه أن تواجه الحكومة جميع المشكلات في آنٍ واحد

والتحديات التي تواجهها البلاد صعبة، بحسب ما يوضح عبدالنور، لأسباب تتعلق بتأثر مصادرها من العملة الصعبة بين عشية وضحاها، ويقصد على وجه التحديد قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، فالمصادر الثلاثة مهددة بالتأثر سلباً بتداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، معرباً عن ثقته بقدرة البلاد على مواجهة هذه الصعوبات شرط التصرف بحكمة وأسلوب علمي.

الموازنة المصرية تحت ضغوط الطاقة

ويضيف عبدالنور أن ارتفاع أسعار الطاقة من نفط وغاز سيؤثر تأثيراً كبيراً للغاية في الموازنة المالية المصرية ومعدلات التضخم أيضاً، لذلك الإدارة المصرية في مواجهة صعبة مع كل تلك الآثار، والخوف الحقيقي أن تسعى إلى مواجهتها مجتمعة في آن واحد لأن ذلك أمر مستحيل تحقيقه، بالتالي يتعين عليها أن ترتب أولوياتها لتعمل على مواجهة الأهم، فالمهم فالأقل أهمية.

يجب التصرف في أصول الدولة في أسرع وقت ممكن حتى لو كان البيع بأسعار أقل 

ويرى أن القاهرة مطالبة بالشروع في إنشاء غرفة عمليات مشتركة لمواجهة الأزمة، بمشاركة كل الجهات التي تُدر الإيرادات وتلك التي تتولى الإنفاق وفقاً للحاجات الوطنية، على أن تضم تلك الغرفة وزارات المالية والبترول والتموين والسياحة والبنك المركزي وهيئة قناة السويس لتبدأ بعدها في وضع الأولويات.

أهم ثلاثة ملفات اقتصادية في مصر

ويعتقد عبدالنور بأن الأولوية الأولى التي يجب أن توليها الحكومة اهتماماً أكبر هي التعامل مع مصادر النقد الأجنبي، بأن تتولى الإدارة الاقتصادية للبلاد توجيه العملة الصعبة إلى الأهم ثم الأقل أهمية ومراجعة الإنفاق، فضلاً عن ثلاثة ملفات كبرى لا تقل أهمية، في مقدمتها ملف الدعم، ثم الطاقة، وثالثاً الوفاء بحاجات الإنتاج، معتبراً أن ما سوى تلك الملفات يأتي لاحقاً من ناحية الأهمية.

تثبيت سعر الجنيه على حساب الاحتياطات الأجنبية كارثة للاقتصاد

ويكتسب ملف الدعم أهمية كبرى في ظل التوقعات بحدوث موجة تضخمية ستؤثر سلباً في المستهلكين في مصر، خصوصاً محدودي الدخل الذين يجب دعمهم في مواجهة ارتفاع الأسعار، بحسب عبد النور، لكن هذا لا يعني توجيه الدعم للجميع، إذ يظل مقتصراً على المحتاجين فقط من دون غيرهم عبر برامج الدعم النقدي المباشر، واعتماداً على قاعدة البيانات التي تحدد بدقة تلك الفئة المستحقة.

القادر يسدد الفاتورة كاملة

على الجانب الأخر، يرى عبدالنور أنه يتعين على الفئات الأعلى دخلاً أن تتحمل الفاتورة الفعلية لأسعار الطاقة المرتفعة، وألا ترضخ الحكومة لأية ضغوط من شأنها تعميم الدعم على الجميع لما لذلك من تداعيات سلبية كبيرة على الموازنة المالية للبلاد.

 

وثاني الملفات التي يحددها عبدالنور من ناحية الأهمية ملف سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فلا ينبغي أن يثبت البنك المركزي المصري سعر الصرف على حساب استنزاف الاحتياطات من النقد الأجنبي لديه، مما سيخلف آثاراً كارثية على الاقتصاد، لذا يفضل الإبقاء على مرونة السعر، مع تعظيم القطاعات المولدة للنقد الأجنبي مثل السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين في الخارج.

ماذا عن قطاع السياحة؟

ويتحدث عبدالنور عن القطاع السياحي كمثال، ويرى أنه سيتأثر بحكم موقع مصر الجغرافي الواقع قرب منطقة العمليات العسكرية.

لا أتوقع أن يكون 2026 عام إنجازات بل يكفي أن يكون عام استيعاب الأزمة 

ويقول إن كثيراً من السياح ليست لديهم الدراية الكاملة بالحدود الجغرافية للبلاد، لذا يرجح أن يتجنبوا المجيء إلى مصر خلال الفترة المقبلة، ما لم تتوجه الدولة إليهم بالإعلانات والحملات التسويقية والمؤتمرات والمعارض لرفع مستوى الوعي لديهم حول ابتعاد مصر جغرافياً من مسرح عمليات الحرب الدائرة، وكذلك يدعو إلى ضرورة أن تقدم الدولة الحوافز المشجعة والميسرة إلى الطيران العارض لأنه من دون طيران لن تكون هناك سياحة.

قناة السويس ليست للعبور فقط

في ملف قناة السويس، ينصح وزير التجارة والصناعة السابق بضرورة تقديم عروض ميسرة محفزة لعبور البواخر والسفن للمجرى الملاحي، عبر تبني سياسة بها قدر من المرونة في كلفة المرور، مع منح السفن خدمات تحفز عبورها للقناة، في مسعى لتخفيف الآثار السلبية على إيرادات قناة السويس.

يجب أن تكون أولويات الإنفاق في الوقت الحالي واضحة تماماً في ذهن الحكومة

ويقول "يمكن في هذا الصدد على المستوى المتوسط إنشاء مراكز صناعية وخدمية ولوجستية لتعظيم الموارد الدولارية للقناة فلا تقتصر فقط على رسوم المرور، إنما تتسع لموارد أخرى، أما في ما يتعلق بملف تحويلات المصريين العاملين في الخارج، فالدولة مطالبة بالتعامل بذكاء مع هذا الملف، عبر طرح أوراق مالية جاذبة لتلك الفئة".

إجراءات حكومية شكلية وغير مؤثرة

ويؤمن عبدالنور بضرورة العمل على خفض فاتورة الطاقة خلال الفترة المقبلة بصورة حقيقية وفاعلة، معرباً عن اعتقاده بضعف الإجراءات الحكومية الأخيرة المتعلقة بالإغلاق المبكر للمحال التجارية بقصد ترشيد الكهرباء لأنها "إجراء شكلي" غير مؤثر على نحو فعلي.

 

كذلك ينبغي، كما يقول، أن تضع الحكومة نصب أعينها تحقيق الاكتفاء الذاتي من مصادر الطاقة، عبر سداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في قطاع الطاقة لكي تستثمر وتعزز من الإنتاج حتى يفي بحاجات البلاد، مع التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، في ظل امتلاك مصر قدرات عالية لإنتاج هذه الطاقات النظيفة، ويرى أن هذه الأمور لا تتحقق إلا على المدى المتوسط لكنها تبقى ضرورية في مواجهة مثل تلك الأزمات الأخيرة، وضمان عدم تكرار تبعاتها كلما حدثت.

اقتصاد هش رهينة للأزمات

ويعترف عبدالنور بأن "الأزمة الحالية تكشف عن هشاشة الاقتصاد المصري" وأن من دون النجاح في إجراء الإصلاح الهيكلي لبنية هذا الاقتصاد، فيقوم على إنتاج حقيقي وصناعة قوية وموارد دولارية مستقرة لا تتأثر بالأزمات الجيوسياسية، ستظل مصر رهينة لأزمات المنطقة.

أخشى أن يخضع متخذ القرار لضغوط الرأي العام لجعل الدعم عاماً وشاملاً وهذا خطأ كبير للغاية إن حدث

ويتطرق إلى ملف الصادرات المصرية غير البترولية، ويرى أن ما يحققه القطاع اليوم من إيرادات ليس كافياً، بل يجب أن تتضاعف إيراداته مرات عدة وصولاً إلى 150 و200 مليار دولار في العام، لكي تتمكن مصر من تفادي الوقوع ضحية لأية أزمات جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

خدمة الدين المصري عبء ثقيل جداً

وتبدو مصر في حاجة ماسة إلى زيادة إيراداتها العامة لمواجهة العجز المتوقع في الموازنة المالية، بحسب عبدالنور، فيتعين كما ينصح، بالمضي قدماً في تنفيذ برنامج طروحات الشركات الحكومية في البورصة المصرية حتى لو كان البيع بأسعار أقل من المتوقع، لأن ذلك سيعمل مع تقليص العجز، على تخفيف الفوائد التي ستتحملها الموازنة، لذا يجب التصرف في هذه الأصول في أسرع وقت ممكن.

 

ويضيف في السياق أن خدمة الدين عبء ثقيل جداً على الموازنة المصرية، ويقصد الدين بشقيه الداخلي والخارجي أيضاً، إذ إن كلفة الدين الداخلي أكبر بكثير من كلفة الدين الخارجي للبلاد لأن متوسط الفائدة على الدين الخارجي في حدود ثمانية - تسعة في المئة على أقصى تقدير، مقابل 25 و26 في المئة للفائدة على الدين المحلي.

إعادة جدولة ديون مصر

لذا يدعو عبدالنور إلى العمل على إعادة جدولة تلك الديون عبر أذون الخزانة والسندات المتداولة في الأسواق المالية، وأيضاً خفض أسعار الفائدة وإطالة مواعيد استحقاق الديون الداخلية والخارجية معاً، إذ تقلص الحكومة من العبء السنوي لخدمة تلك الديون، مما يحتاج إلى إدارة نشطة قادرة على فعل ذلك.

رجل الشارع يئن من ارتفاع الأسعار وعلى الحكومة أن تتبنى سياسة دعم ذكية تساند محدودي الدخل

وخلال حديثه يعرج عبدالنور على برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي الذي سينتهي بنهاية عام 2026، ويرى أن الخطوط الأساسية لهذا البرنامج واضحة للغاية، معرباً عن اعتقاده بأن الإدارة المصرية قادرة على إصلاح أوضاع الاقتصاد وفقاً لخطة عمل للإصلاح الهيكلي لكي يكون الاقتصاد الوطني اقتصاداً منتجاً ومصدراً ولا يتأثر بالهزات الاقتصادية، ومن دون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي من جديد، على أن تظل العلاقة مع المقرض الدولي في إطار الاستشارات والدعم الفني.

2026 ليس عام الإنجازات

لا يتوقع عبدالنور أن يكون 2026 عام إنجازات، بل يكفي أن يكون العام الحالي هو عام استيعاب البلاد لتداعيات الأزمة الدولية التي خلفتها الحرب على إيران، خصوصاً ارتفاع أسعار الطاقة.

رجل الشارع يئن من ارتفاع الأسعار

ويقول إن رجل الشارع يئن من ارتفاع الأسعار، لذا يجب أن تتبنى الحكومة سياسة دعم ذكية تساند من خلالها محدودي الدخل، ويجب أيضاً أن تكون أولويات الإنفاق في الوقت الحالي واضحة تماماً في ذهن الحكومة، وأن تضع المواطن المصري في سلم الأولويات ليكون بمقدوره الحصول على حاجاته الأساسية كافة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحقيق ذلك ممكن، كما يعتقد عبدالنور عبر تحقيق استهداف ذكي لمستحق الدعم دون غيره، ومن ذلك ما تفعله الحكومة عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل" و"كرامة" بصورة نقدية ومباشرة تمنح غير القادرين حرية استخدام هذا الدعم في وجه الإنفاق الذي يناسبه، ويقترح في هذا السياق أيضاً دعم النقل العام لأنه يمثل وسيلة انتقال غير القادرين.

لكن أكثر ما يخشاه عبدالنور أن يخضع متخذ القرار لضغوط الرأي العام الشعبي في مصر، وأن يجد نفسه مضطراً إلى تعميم الدعم وجعله دعماً شاملاً، محذراً من أن تصرفاً كهذا خطأ كبير للغاية إن حدث، لأنه سيحمّل الموازنة المصرية ما هي ليست بالضرورة مستعدة لتحمله.

المزيد من حوارات