ملخص
إذا نظرنا إلى كل الدول النفطية التي طالبت تاريخياً بأن تستلم إيراداتها بعملة غير الدولار، نجد أن ذلك لم يكن تطوراً طبيعياً للتخلص من الدولار الأميركي وتقليص دوره العالمي، وإنما كانوا مضطرين إلى ذلك بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية، لا سيما العراق وليبيا وإيران وفنزويلا وروسيا، فما فائدة استلام إيرادات النفط بالدولار إذا لم تكن هناك إمكانية للشراء من الأسواق الأميركية؟
تقول الإشاعة إن أزمة هرمز ستنهي عصر "البترودولار"، فما صحتها؟
بصورة عامة، يُقصد بـ"البترودولار" عائدات مبيعات النفط بالدولار الأميركي في كافة أنحاء العالم. ولكن لو نظرت إلى الدراسات والتقارير المتخصصة تجد أن التعريف يقتصر على "الأموال الفائضة من إيرادات الدول النفطية التي يعاد استثمارها في الدول المتقدمة"، وضمن هذه الفئة هناك تحديداً أكثر، فائض عائدات النفط التي تُستثمر في السندات الأميركية وبخاصة من قبل دول الخليج. وهناك مَن يركز على فكرة "تسعير النفط بالدولار الأميركي" في مفهومه للـ"بترودولار".
عائدات النفط تتذبذب مع أسعاره، لهذا فإن أي حديث عن إجمال إيرادات النفط يجب أن يأخذ بالاعتبار أسعار النفط. فإذا نظرنا إلى الأسعار الحالية، فهذا يعني أن هناك ارتفاعاً كبيراً في "البترودولار"، وهذا يناقض الإشاعات، أما إذا كان الأمر يقتصر على إيرادات النفط التي تتم إعادة تدويرها في الاقتصاد الأميركي فهناك ارتفاع ملحوظ في الأعوام الأخيرة، سواء كان الحديث على الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية أو الاستثمار في الولايات المتحدة.
وهنا علينا أن نفرّق بين الوضع في السبيعينات عندما ظهر مفهوم "البترودولار" وفي الوقت الحالي: بصورة عامة، انخفض دور "البترودولار" سواء كقيمة التجارة الدولية بالنفط أو استثمارات الدول النفطية، وذلك بسبب الزيادة الضخمة في القطاعات الأخرى واقتصادات الدول المختلفة، وبخاصة الآسيوية منها.
في السبيعنيات، كانت اقتصادات الدول النفطية في الخليج بسيطة، وقدرتها على استيعاب الاستثمارات ضعيفة، وقدرة مواردها البشرية على إدارة الاستثمارات العالمية محدودة، لذلك كان من المنطقي مع الزيادة الضخمة في الإيرادات أن تتم إعادة تدوير إيرادات النفط في الاقتصاد العالمي، وبخاصة في الولايات المتحدة، في وقت كان الوزن النسبي لهذه الأموال أكبر بكثير من الوقت الحالي.
الآن، الوضع يختلف تماماً. فقد شهدت هذه الدول تطوراً هائلاً خلال الـ45 عاماً الماضية، إذ ارتفعت قدرة اقتصاداتها بصورة كبيرة على استيعاب الاستثمارات، وتطورت قدراتها البشرية إلى درجة تمكنها من إدارة استثمارات ضخمة حول العالم، ومن أبرز الأدلة على ذلك الصناديق السيادية لدول الخليج التي أصبحت من أكبر الصناديق على مستوى العالم. لهذا السبب، لا يمكن القول إن هناك انخفاضاً في دور "البترودولار" إذا نظرنا إلى الوزن النسبي لاستثمارات دول الخليج في السندات الأميركية أو في الولايات المتحدة بصورة عامة، حتى مع زيادة استثماراتها في الدول الآسيوية. والحقيقة أن الانخفاض في هذا الوزن النسبي بدأ منذ أعوام طويلة، ولا علاقة له بالأحداث الأخيرة. بل كان متوقعاً أن يستمر هذا الانخفاض حتى لو لم تحدث تلك الأحداث.
غياب البديل
أما إذا تم النظر إلى "البترودولار" على أنه تسعير النفط بالدولار، فإن النفط سيُسعَّر بالدولار على كل الحالات لأنه ليس هناك بديل.
هناك ثلاثة شروط أساسية يجب أن تتوافر في أي عملة لتكون مناسبة لتسعير النفط عالمياً. هذه الشروط هي ما جعل الدولار الأميركي العملة المهيمنة تاريخياً، ولم تتوافر مجتمعة في عملات أخرى مثل الريال السعودي أو اليورو أو اليوان بصورة كاملة وهذه الشروط هي:
توافر السيولة: يجب أن تكون العملة متوفرة بكميات كبيرة يسهل الوصول إليها في الأسواق المالية العالمية، حتى يتمكن المشترون والموردون من التعامل بها بسلاسة دون نقص أو صعوبة في الحصول عليها.
انخفاض الذبذبة مقارنةً بالعملات الأخرى: يجب أن تكون قيمة العملة مستقرة نسبياً، مع تقلبات محدودة، حتى لا يؤدي تسعير النفط بها إلى أخطار كبيرة على الأسعار أو الإيرادات بسبب تغيرات سعر الصرف اليومية أو السريعة.
القبول العالمي: يجب أن تكون العملة مقبولة ومستخدمة على نطاق واسع في التجارة الدولية، بحيث يثق بها جميع المنتجين والمستهلكين ويتم التعامل بها دون قيود.
هذه الشروط توافرت تاريخياً، ولا تزال تتوافر، في الدولار الأميركي، ولا تتوافر في العملات الأخرى، مما جعله العملة الرئيسة لتسعير النفط.
وهنا لا بد من ذكر ثلاث حقائق:
الأولى، أن تسعير النفط بعملة واحدة، سواء كان الدولار أو غيره، له المشكلات نفسها، بعبارة أخرى، التحول عن الدولار بسبب مشكلات معينة، إلى عملة أخرى مثل اليورو، لن يحل هذه المشكلات لأن كل العملات الأخرى لها المشكلات نفسها.
الثانية، أن تسعير النفط باليوان الصيني في بورصة شنغهاي لا يعني أن هناك تسعيراً للنفط بغير الدولار. فقد أثبتت الدراسات أن تسعير النفط في بورصة شنغهاي هو مرآة لما يحدث لتسعير النفط بالدولار في بورصة دبي، بعد اعتبار الفرق الجغرافي والنوعي للنفط. بعبارة أخرى، أن النفط لا يزال يُسعّر بالدولار وما يحدث في بورصة شنغهاي هو مجرد تحويل للعملة من الدولار لليوان الصيني.
الثالثة، أن تسعير النفط بالدولار شيء، والحصول على الإيرادات بعملات أخرى شيء آخر. فالنفط الإيراني أو الروسي يُسعَّر بالدولار على كل الحالات، ولكن الشركات الروسية والإيرانية تحصل على إيراداتها بعملات أخرى، مثل اليوان الصيني. هذا لا يعني أن النفط الإيراني أو الروسي يُسعّر باليوان الصيني. كل ما هناك أنه يتم تحويل القيمة الدولارية لليوان الصيني. وهنا لا بد من ذكر حقيقة تارخية وهي أن النفط العراقي والليبي لم يُسعرا بغير الدولار، وإنما كانت حكومتا صدام ومعمر تستلمان العائدات، وبموافقة أميركية، بغير الدولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا نظرنا إلى كل الدول النفطية التي طالبت تاريخياً بأن تستلم إيراداتها بعملة غير الدولار، نجد أن ذلك لم يكن تطوراً طبيعياً للتخلص من الدولار الأميركي وتقليص دوره العالمي، وإنما كانوا مضطرين إلى ذلك بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية، لا سيما العراق وليبيا وإيران وفنزويلا وروسيا، فما فائدة استلام إيرادات النفط بالدولار إذا لم تكن هناك إمكانية للشراء من الأسواق الأميركية؟
من ناحية أخرى، الولايات المتحدة هي التي طردت هذه الدول من النظام المالي العالمي ومن أنظمة المدفوعات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، والتحول عن الدولار في هذه الدول النفطية لم يكن اختيارياً.
وتشير البيانات إلى انخفاض دور الدولار في التجارة العالمية، ولكنه لا يزال مسيطراً، جزء كبير من هذا الانخفاض يعود إلى العقوبات الأميركية المفروضة على مجموعة من الدول، والجزء الآخر يعود إلى وجود اليورو كعملة عالمية، ويأتي من بعدها اليوان الصيني. بعبارة أخرى، إذا رفعت الولايات المتحدة الحظر والعقوبات عن هذه الدول النفطية فإن دور الدولار الأميركي في التجارة الدولية سيزيد، لذلك يمكن القول إن الأمر لا يزال "تحت السيطرة".
الدولار بعد أزمة هرمز
كما ذكرت سابقاً فإن أزمة هرمز أزمة تاريخية وهي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وقد تسهم في تحجيم دور "البترودولار" والدولار نسبياً للسبب التالي: الأزمة تجبر دولاً عدة في العالم على تبني النموذج الصيني المتمثل في ربط مصادر الطاقة بالأمن القومي لتلافي المشكلات التي تمر بها غالبية الدول حالياً من نقص في إمدادات الطاقة وغيرها. هذا يجبر دول العالم، كما تفعل الصين، على الانكفاء ذاتياً وتطوير مصادر الطاقة المحلية بغض النظر عن الكلفة، وهذا يقتضي تطوير مصادر النفط والغاز والفحم المحلية، والتوسع في الطاقة الشمسية والمائية والهوائية والوقود الحيوي، وفي بعض الدول، التوسع في بناء المفاعلات النووية، ولكن غالبية هذه الجهود سترفع الطلب على الغاز الطبيعي على كل الحالات، المهم في النهاية هو تطوير مصادر الطاقة محلياً، هذا يعني انخفاض الطلب العالمي على نفط دول "أوبك+"، ومن ثم انخفاض كمية "البترودولار"، ولكن بالنظر إلى الطلب الهائل على الطاقة في العقود القادمة فإن الطلب على الغاز سيكون قوياً، مما سيدعم تجارة الغاز المسال العالمية بصورة كبيرة، التي قد تكون أحد أسباب إغلاق مضيق هرمز، فهل نرى تحولاً بالمفاهيم من "البترودولار" إلى "الغازدولار"، وبخاصة أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للغاز في العالم، وأكبر مصدّر للغاز المسال، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟
خلاصة القول إن أزمة هرمز لن تنهي عصر "البترودولار" كما تقول الإشاعات، ولكنها قد تحجمه لمصلحة "الغازدولار". ولكن بما أن البعض يعتبر الغاز ضمن البترول بمفهومه العام، فإن مفهوم "البترودولار" سيبقى على كل الحالات.