ملخص
في الحرب لا يتغير ما يحدث للناس فقط، بل يتغير الزمن الذي يعيشونه، فالخوف والانتظار والنزوح والفقد وعدم اليقين، كلها تعيد تشكيل الإحساس بالوقت فردياً وجماعياً، حتى لا يعود اليوم مجرد تعاقب ساعات، بل يصبح مناخاً متوتراً تسكنه الأعصاب والاحتمالات، ويتكشف النزاع لا كحدث يقع داخل الزمن وحسب، بل كقوة تعيد تنظيم الزمن نفسه وتحتل المستقبل وتحول الحياة إلى مهلة.
في علم النفس ثمة مراجعات واسعة تبين أن الانفعال والانتباه والاستثارة الوجدانية تشوه إدراكنا للمدة، حتى إن الزمن يبدو أبطأ في حالات معينة وأسرع في حالات أخرى، وقد لخصت مراجعات علمية هذا المعنى بوضوح حين أشارت إلى أن الوقت "يبدو كأنه يطير حين نستمتع، ويجر نفسه حين نملّ"، لأن الإنسان لا يسكن زمن الساعة فقط، بل يسكن أيضاً زمنه الداخلي، ذلك الزمن الذي يتشكل من علاقته بما ينتظره وما يخشاه وما يعيشه.
ولعل الفرق الذي أشار إليه التفكير الفلسفي الحديث بين الزمن المقاس والزمن المعاش يساعدنا هنا من غير حاجة إلى استعراض ثقيل، فالفكرة التي دافع عنها عالم الاجتماع هنري برغسون، ومفادها أن الزمن الذي تعيشه الذات ليس هو الزمن الميكانيكي المقطع على الساعة، ما تزال مفيدة، أي إن النفس لا تعيش الوقت في وحدات متساوية، بل تعيشه كثافة وانقباضاً وانشراحاً وتوتراً وتوقعاً، لهذا لا يكفي أن نقول إن الحزين يشعر بأن الوقت بطيء، أو المنتظر يبالغ في حساب الدقائق، والأدق أن نقول إن الزمن نفسه يتبدل في التجربة بحسب وضع النفس، فحين يضيع المعنى يثقل الوقت.
حين يصبح الزمن مناخاً جماعياً
إذا كان هذا صحيحاً على مستوى الفرد، فإنه يصبح أشد عمقاً حين نتحدث عن الحرب، فالمجتمعات التي تعيش الحرب، أو تعيش في انتظارها الدائم، لا يبقى الزمن فيها مجرد خلفية تمر عليها الأحداث، إنه يتحول إلى مناخ عام، إلى مادة متوترة تسكن البيوت والطرق والمدارس والحقول والوجوه، ما يعود الناس يعيشونه ليس فقط تعاقب الأيام، بل هو انتظام آخر غير مكتوب.
منظمة الصحة العالمية تقول إن جميع المتأثرين تقريباً بحالات الطوارئ يمرون بضائقة نفسية، وإن واحداً من كل خمسة أشخاص ممن اختبروا حرباً أو نزاعاً خلال الأعوام الـ10 السابقة يعانون اضطرابات مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة أو غيرها، وتشير إلى أن هذه الأزمات لا تضرب الأفراد وحسب، بل تعطل الخدمات والعلاقات والشبكات الاجتماعية وتفاقم الفقر والتمييز وانعدام الأمان، وهذا يعني أن الحرب لا تنتج خوفاً متقطعاً فقط، بل طريقة كاملة في عيش الوقت.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الحياة اليومية نفسها، فقد وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في تقرير حديث عن الحياة في المناطق المتنازع عليها، عالماً يعيش فيه أكثر من 204 ملايين إنسان تحت سلطة متداخلة أو متنازع عليها، حيث تصبح السلامة مشروطة، والخدمات هشة، والسلطة سائلة، وحيث يعيد الناس تشكيل يومهم عبر تفاصيل صغيرة ظاهرياً: أي طريق يسلكون، متى يخرجون، كيف يتجنبون الخطر، وكيف يحمون أنفسهم من لفت الانتباه، والروتين هنا ليس عادة، بل حماية.
وتزداد الصورة قتامة حين يطول أمد النزاع أو النزوح، فالبنك الدولي أشار بوضوح إلى أن المعاناة النفسية تزداد عندما يصبح النزوح مزمناً، وأن البقاء الطويل في حال تعليق أو لا حسم يضعف المرونة النفسية، بينما يعرقل الضغط الناتج من عدم اليقين تجاه المستقبل إمكان التعافي.
ويضيف التقرير أن هذا الأثر لا يقف عند الضيق النفسي وحده، بل قد يمتد إلى الإحساس بالهوية والثقة بالمجتمع والثقة بالنفس، وهنا لا تعيش الجماعة تحت وقع حدث عنيف فقط، بل داخل نظام زمني مختلف: يوم مشروط، وغد مشبوه، وحاضر مملوء بالمراقبة والاحتمال والتأجيل.
في هذه البيئة، لا تبقى الأعصاب شأناً فردياً خالصاً، والخوف نفسه يتوزع اجتماعياً، وتحمله العائلات في طقوس يومية صغيرة: تخزين واستعداد وتتبع أخبار وقراءة نبرات وتوقع الأسوأ والتعامل مع الهدنة نفسها بوصفها شيئاً موقتاً لا عقداً موثوقاً، وهكذا لا تعيش الجماعة داخل الوقت فقط، بل داخل قابلية مستمرة لانكساره، ومن هنا لا تكون الحرب مجرد حدث يقع في الزمن، بل قوة تعيد تنظيم الزمن نفسه.
أنواع الوقت التي تصنعها الحرب
في الحروب لا يعود الزمن واحداً، لأن الحياة نفسها تنقسم إلى طبقات من الوقت لا يعرفها من يعيش في مكان مستقر، وهناك وقت الإنذار ووقت النجاة ووقت الانتظار ووقت الفقد ووقت النزوح ووقت الإشاعة ووقت الهدنة ووقت لا يحدث فيه شيء ظاهرياً لكن الأعصاب فيه تبقى متيقظة كأن الانفجار لم يبتعد إلا خطوات قليلة.
ومن أكثر هذه الأزمنة قسوة وقت النزوح، فالإنسان لا يفقد فيه بيته فقط، بل يفقد العلاقة الطبيعية بين الزمن والمكان، اليوم لم يعد يبدأ من غرفة يعرفها، ولا من شارع يعرف صوته، بل من مؤقتات جديدة: موعد إعانة وطابور ومركز تسجيل واحتمال انتقال وخبر عن منطقة الأصل أو خبر عن إمكان العودة.
والبنك الدولي وصف حال كثر من النازحين والمهجرين بأنهم يعيشون في حال من التعليق قد تقصر وقد تطول، وأن عدم اليقين تجاه المستقبل يضعف القدرة على التخطيط واتخاذ قرارات سليمة ويترك آثاراً ضارة كبيرة، وهذا التعبير يمنح لغة دقيقة لفكرة الحياة المعلقة بين ماض مكسور ومستقبل غير مضمون.
وفي البيئات المهددة على نحو مستمر، لا يقتصر الأثر على فئة بعينها، الحرب تعيد تشكيل الزمن عند الجميع، لكنها تفعل ذلك بطرائق مختلفة، فهي تمس من هم في بداية العمر، لأنهم يتعرفون إلى العالم من خلال الانقطاع والتهديد وعدم اليقين، وتمس من هم في نهاياته، لأنهم يواجهونها محملين بالذاكرة والهشاشة وصعوبة الحركة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأظهرت تقارير "اليونيسف" عن لبنان بعد حرب 2024 أن الحرب أثرت في كل جانب تقريباً من حياة الأطفال، وأن نسباً كبيرة من مقدمي الرعاية قالوا إن أطفالهم كانوا قلقين أو متوترين أو حزانى أو مكتئبين، وفي الجهة الأخرى، كانت تقارير HelpAge عن أوكرانيا لافتة إلى أنها أظهرت كيف يواجه كبار السن عوائق غير متناسبة في الوصول إلى المساعدة والخدمات والمعلومات.
وفي قلب كل ذلك، يظهر فرق بالغ الأهمية بين الزمن السياسي والزمن المدني، فالزمن السياسي والعسكري يحسب بالأشهر والضغوط ومسارات التفاوض والتموضع والردع والاستنزاف، أما الزمن المدني فيحسب بالدقائق والساعات الفعلية، لذلك كثيراً ما تبدو اللغة السياسية باردة إلى حد الفضيحة، لأنها تتعامل مع ما يعيشه الناس على أنه مجرد مرحلة أو نافذة أو ضغط تفاوضي.
واللجنة الدولية للصليب الأحمر تلمح إلى هذا الفرق بوضوح حين تبين أن آثار الحرب الطويلة لا تبقى في ميدان المعركة فقط، بل تمتد إلى الماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والنظام العام، أي إلى الزمن المدني الذي يعاش كل يوم.
لهذا كله، لا ينبغي فهم الحرب على أنها تعطيل للحياة وحسب، بل كإنتاج متواصل لأنواع مختلفة من الوقت، لكل واحد منها منطقه النفسي والاجتماعي والأخلاقي، فالحرب لا تصنع الخراب فقط، بل تصنع تقويماً آخر للوجود، بهذا المعنى، لا يكون الزمن في الحرب مجرد خلفية للأحداث، بل يصبح أحد ميادين الحرب نفسها.
الحرب حين تحتل المستقبل
أخطر ما تفعله الحرب المديدة أنها لا تكتفي بإفساد اليوم الذي تقع فيه، بل تتمادى إلى الغد قبل أن يصل، لا تسلب الناس بيوتهم وأرزاقهم وأجسادهم فقط، بل تسلبهم شيئاً أدق وأبعد أثراً: حقهم في أن يتخيلوا المستقبل بوصفه زمناً قابلاً للعيش، عندها لا يعود الغد امتداداً طبيعياً لليوم، بل يصير أرضاً رخوة، منطقة مشروطة، قابلة للانهيار في أي لحظة، ولهذا لا تبدو الحرب، في هذا المعنى، مجرد قوة تدمير للحاضر، بل قوة احتلال للمستقبل نفسه.
وفي لبنان، لم تتوقف آثار حرب 2024 عند لحظة وقف إطلاق النار، و"اليونيسف" قالت بوضوح إن الحرب أصابت صحة الأطفال وتعليمهم ومستقبلهم، وإن أثرها استمر بعد وقف النار، لا سيما عبر تراجع الصحة النفسية والتغذية والتعليم، وهنا تكون أسرة كاملة قد انتقلت من سؤال التطور إلى سؤال الاحتمال الأدنى: كيف نعبر هذا الأسبوع بأقل خسائر ممكنة؟
والنزوح يكشف هذه الحقيقة بصورة أكثر قسوة، فالنازح لا يعيش فقط خارج بيته، بل خارج زمنه السابق، لا يعرف إن كان عليه أن يتصرف كمن سيعود قريباً، أم كمن عليه أن يبدأ من الصفر، أم كمن لا يملك ترف أي قرار نهائي، وفي مثل هذه الحال، لا يتعطل المستقبل فقط، بل يصير اتخاذ القرار نفسه فعلاً مرهقاً ومهدداً.
ما معنى أن تبحث عن عمل ثابت إذا كنت لا تعرف أين ستكون بعد أشهر؟ وما معنى أن تسجل أولادك في مدرسة جديدة إذا كانت العودة أو نزوح آخر احتمالين مفتوحين؟ هنا لا تتوقف الحياة، بل تتقلص إلى سلسلة من القرارات القصيرة الخائفة.
وفي الصراعات الممتدة، لا يعود هذا كله استثناء، اللجنة الدولية للصليب الأحمر تشير إلى أن الصراعات المديدة تقود إلى نزوح طويل وتراجعات تنموية عميقة، وأن متوسط وجودها في أكبر عملياتها يتجاوز 36 عاماً، وهذا الرقم يكاد يختصر المأساة وحده: هناك مجتمعات لا تمر بحرب ثم تخرج منها، بل تنشأ أجيالها داخل زمن طويل من الحرب المتقطعة، بحيث يصبح تعليق المستقبل عادة جماعية، لا عرضاً طارئاً، عندها لا تكون الهدنة بداية حياة، بل فسحة موقتة بين خرابين، يصبح العمر نفسه مؤلفاً من بدايات مبتورة، لا يشعر الإنسان أنه يبني مستقبله، بل يشعر أنه يحرس ما تبقى من حاضره من الانهيار التالي.
لهذا لا تقاس الحياة في مناطق الحرب بعدد الأعوام وحده، بل بدرجة ما بقي فيها من استقرار، ومن إمكان للتخطيط، ومن قدرة على تحويل الزمن إلى سيرة متصلة لا إلى سلسلة من الاستجابات المتقطعة، وعندما يطول هذا النمط، يصبح الفارق بين من يعيش داخل الحرب ومن يعيش خارجها ليس فقط في مستوى الخطر، بل في شكل الحياة نفسها، وفي نوع الزمن الذي يتاح لكل منهما أن يبني نفسه داخله.