ملخص
رأت زاخاروفا أن نشر الوحدات العسكرية والبنية التحتية الغربية في أوكرانيا سيعد تدخلاً، وذلك تعليقاً على توقيع كييف ولندن وباريس على إعلان ينص على إنشاء قواعد عسكرية تابعة لحلف "الناتو" ومرافق لتخزين الأسلحة في أوكرانيا.
تصف روسيا فكرة نشر قواعد عسكرية أميركية أو أي قوات أجنبية أخرى على الأراضي الأوكرانية بـ"الأمر غير المقبول على الإطلاق"، إذ ترى أن أي قوات أجنبية ترابط على مقربة من حدودها تشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي وتجاوزاً لـ"الخطوط الحمراء".
منذ الثورة الملونة التي حدثت في أوكرانيا وتولت فيها قوى موالية للغرب الحكم على البلاد، تحاول كييف إقناع واشنطن بفتح قاعدة عسكرية على الأراضي الأوكرانية. وكانت المفاوضات تجري خلف الكواليس، وتحاول خلالها كييف شرح أهمية وضرورة إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في أوكرانيا لواشنطن. وقد أكد عضو البرلمان عن حزب كتلة "بيترو بوروشينكو" الحاكم آنذاك في أوكرانيا إيفان فينيك هذه المعلومات، مصرحاً بأن نشر قاعدة عسكرية أميركية في أوكرانيا قيد المناقشة بالفعل مع الولايات المتحدة.
ويعتقد هذا النائب أن قاعدة أميركية ستضمن الأمن على المدى الطويل وتساعد في حل عديد من "قضايا الردع العسكري والمواجهة". وفيما يتعلق بموقعها المحتمل صرح بأنه يجب تحديده "مع الأخذ في الاعتبار التهديدات العسكرية التي قد تنشأ في البلاد". وهو على يقين من أن هذه التهديدات قد تنشأ في شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.
زيلينسكي يستدعي مجدداً قواعد أميركية
فيما تدخل أوكرانيا حالياً مرحلة صعبة من الضغوط الروسية على خطوط المواجهة، وفي وقت لا تزال فيه مفاوضات السلام بين أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا معلقة، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف تريد نشر قواعد عسكرية أميركية وأوروبية على الأراضي الأوكرانية كجزء من ضماناتها الأمنية. ونقلت عنه صحيفة "أوبشتشيستفينوي" قوله في 10 أبريل (نيسان) الجاري "إذا وجدت قاعدة عسكرية أميركية في أوكرانيا، أو قاعدة أميركية أوروبية مشتركة، فسنواجه أخطاراً أقل". وأضاف أن الضمانات الأمنية يجب أن تشمل أنظمة دفاع جوي غربية "بكميات كافية" وتمويلاً للقوات المسلحة الأوكرانية.
وأكد زيلينسكي "اتفقنا على أن يقدم جانبنا رؤيته، وأن يقدم شركاؤنا ردهم على مثل هذا المشروع". وفي حديثه عن رؤيته لضمانات الأمن في فترة ما بعد الحرب، أوضح أنه يريد ضمان نشر قواعد عسكرية أميركية وأوروبية في أوكرانيا.
وقبل ذلك بأيام أعلن الرئيس الأوكراني بأن بلاده تعد مقترحات لتعزيز الضمانات الأمنية المقدمة من الولايات المتحدة. وقال في السادس من أبريل "نعمل حالياً بصورة وثيقة للغاية مع الجانب الأميركي على إعداد الوثائق. وبحسب ما جرى الاتفاق عليه، تعد أوكرانيا مقترحاتها الخاصة وتعزيزها الخاص لوثيقة الضمانات الأمنية".
ووفقاً له، فإن الضمانات الأمنية هي المفتاح لإنهاء الحرب وتحقيق سلام دائم، و"بصورة عامة، لوضع سياسي وقانوني يسمح بإنهاء الحرب ويمنح الناس الثقة في العملية". وأكد زيلينسكي أن الفريق الأوكراني على اتصال مع الجانب الأميركي على مستويات مختلفة صورة شبه يومية، "لضمان تحقيق النتائج".
علاوة على ذلك، أعلن زيلينسكي أنه من المهم للغاية الآن أن يستمع الشركاء إلى الجانب الأوكراني، "وأن نواصل التحرك بطريقة مثمرة في المفاوضات المستقبلية".
لكن الرئيس الأوكراني اختتم قائلاً "هناك خيبة أمل كبيرة في العمل الدبلوماسي حالياً - وليس هنا فقط - فيما يتعلق بالحرب الروسية ضد أوكرانيا. ومع ذلك، فإن النتيجة، وما إذا كانت ستحدث أصلاً، تعتمد على جميع المشاركين في العملية الدبلوماسية".
الالتزامات الأميركية والسلام
بحثت مجلة "فوكس" فيما إذا كانت الالتزامات الأميركية التي تعمل كييف بصورة مكثفة مع فريق ترمب للتوصل إلى ضمانات أمنية يطالب بها الرئيس زيلينسكي، يمكن أن تكون حقاً مفتاحاً لإرساء سلام دائم.
والوساطة الأميركية للتسوية في أوكرانيا يحتمل أن تستمر حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، وقد تنسحب الولايات المتحدة من المحادثات في وقت مبكر من أغسطس (آب) بسبب الحملة الانتخابية التي تسبق الانتخابات النصفية في الكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) بحسب ما صرح زيلينسكي. وأضاف أن الأميركيين يستعدون للنأي بأنفسهم عن الصراع الأوكراني، والتركيز على القضايا الداخلية.
واعتبر الرئيس الأوكراني أنه إذا اختارت روسيا مسار خفض التصعيد، فأعتقد أن الاجتماع الثلاثي سيعقد. وسيحاولون عقده في أبريل أو مايو (أيار) أو يونيو (حزيران). أعتقد أن هذه أشهر حاسمة بالنسبة إليهم. وأعتقد أن الوضع سيكون صعباً للغاية بالنسبة إلينا حتى سبتمبر. ستكون فترة الربيع والصيف صعبة - سياسياً ودبلوماسياً. قد تتعرض أوكرانيا لضغوط، وسيكون هناك ضغط على أرض المعركة أيضاً.
وأردف "إذا لم يُؤدِّ هذا الضغط إلى نتائج، فإن الولايات المتحدة ستنسحب من المفاوضات قبل انتخابات الكونغرس".
واختتم قائلاً "في رأيي، لن يمنح الأميركيون أي طرف مزيداً من الوقت لهذا الحوار. مع بداية الصيف، ستركز الولايات المتحدة بصورة أكبر على الشؤون الداخلية، وتحديداً الانتخابات. وأعتقد أن لديهم موعداً نهائياً سياسياً داخلياً، تقريباً في أغسطس".
وتعلن الولايات المتحدة حالياً استعدادها لتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا فقط بعد انتهاء الصراع مع روسيا. إلا أن كييف تطالب بعكس ذلك، مصرة على الإبقاء على القوات المسلحة الأوكرانية التي يبلغ قوامها 800 ألف جندي، وتلقي الأسلحة من الولايات المتحدة وأوروبا.
كذلك تمتد طموحات أوكرانيا إلى الانضمام الرسمي لحلف شمال الأطلسي، لكن الأمين العام للحلف مارك روته صرح في خطابه العلني الأخير بأن هذا الموضوع غير مطروح للنقاش، وأن أوكرانيا لا ينبغي أن تتوقع عضوية في الكتلة العسكرية الغربية.
وفي أواخر فبراير (شباط) الماضي، أعلن رئيس مكتب الرئاسة كيريلو بودانوف أن الروس وافقوا على قبول الضمانات الأمنية التي عرضتها واشنطن على كييف. مع ذلك، وقبل ذلك بقليل، وتحديداً في الـ25 من يناير (كانون الثاني)، وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع زعيمي ليتوانيا وبولندا في فيلنيوس، صرح زيلينسكي بأن الضمانات الأمنية المتفق عليها مع الولايات المتحدة وبمشاركة الشركاء الأوروبيين "جاهزة تماماً"، وأن أوكرانيا تنتظر فقط تأكيد موعد ومكان التوقيع.
السعي إلى تعزيز الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا
المدير التنفيذي لمركز "بنتا" للأبحاث السياسية التطبيقية ألكسندر ليونوف يشارك الرئيس زيلينسكي وجهة نظره بأن الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا هي المفتاح الحقيقي للسلام المستدام.
وفي حديث مع مجلة "فوكس" أشار ليونوف تحديداً إلى أن "الضمانات الأميركية ليست مجرد مفتاح السلام، بل هي وثيقة أساسية بالغة الأهمية لأوكرانيا. فإذا كانت الضمانات الأمنية فعالة - أي تطبق تلقائياً - فإن ذلك يعطي أملاً حقيقياً في سلام دائم. ومن دونها، ستنتهك روسيا حتماً جميع اتفاقات السلام. أود أن أذكركم بأنه في فبراير 2014، كانت هناك معاهدات عدة سارية المفعول بين أوكرانيا وروسيا، بما في ذلك الاتفاقية الكبرى للصداقة والتعاون الاستراتيجي واتفاقية ترسيم الحدود. باختصار، كانت هناك وثائق عدة تقر فيها روسيا بالوضع الأوكراني لشبه جزيرة القرم وسيفاستوبول. ومع ذلك، وفي الوقت المناسب، تجاهل الروس جميع هذه الاتفاقات من أعلى أبراج الكرملين". من هذا المنظور، يؤكد عالم السياسة أنه من دون ضمانات أمنية، ستكون جميع الوثائق الأخرى مجرد تصريحات.
وأضاف ليونوف "في نهاية العام الماضي، أشار الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، وبحق، إلى أن الضمانات الأمنية لأوكرانيا لن تكون فعالة إلا عندما يكون الضامنون أنفسهم على استعداد تام لمحاربة روسيا، بما في ذلك على الأراضي الأوكرانية. وبناءً على ذلك، فأنا مقتنع تماماً بأن الضمانات الأمنية هي الوثيقة الأساسية، لكن المشكلة تكمن في أننا لا نعرف المحتوى الدقيق والمحدد لهذه الوثيقة. فعلى سبيل المثال، قال ماركو روبيو، الذي دخل في الفترة الأخيرة بجدال مع الرئيس زيلينسكي، إن الضمانات الأمنية تتعلق بالجانب العسكري، أي إمكان دخول الولايات المتحدة الحرب، وهذه نقطة بالغة الأهمية". وفي الوقت نفسه يشير إلى أنه إضافة إلى الولايات المتحدة أعرب قادة دول ما يسمى تحالف الراغبين عن استعدادهم لتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا وللقوة التي ستنشر على أراضيها، وهو أمر ترفضه روسيا رفضاً قاطعاً.
وعن إعلان الرئيس زيلينسكي الأخير في شأن تعزيز الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا، أكد عالم السياسة قائلاً "أعتقد أن تعزيز الضمانات ممكن، على سبيل المثال، في حال التوصل إلى اتفاق في شأن نشر قواعد عسكرية أميركية على الأراضي الأوكرانية، كما هي الحال في كوريا الجنوبية. مع ذلك، وبصراحة، لا أؤمن بهذا النهج، إذ صرح دونالد ترمب مراراً وتكراراً بأنه لا ينوي القتال من أجل أوكرانيا. وبالمناسبة، يبدو أن الجميع قد نسوا الاتفاقية المبرمة بين أوكرانيا والولايات المتحدة في شأن الموارد المعدنية. كان من المتوقع أن تغطي الولايات المتحدة حصتها من التمويل عبر المساعدات العسكرية لأوكرانيا".
لكن في الواقع، كما يخلص ألكسندر ليونوف، تشتري أوروبا أسلحة أميركية لأوكرانيا، "ودونالد ترمب، الذي يكرر باستمرار أن أوكرانيا قد تلقت بالفعل 350 مليار دولار من المساعدات، لا يذكر الاتفاقية حتى، على رغم حقيقة أن كييف تنفذها بالفعل في بعض المجالات". وبناءً على ذلك يخلص إلى أنه من الأهمية بمكان الآن ألا يتحول الاتفاق المستقبلي، في شأن الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا، في نهاية المطاف إلى الاتفاق المذكور آنفاً في شأن الموارد المعدنية.
فاعلية الضمانات الأمنية الأميركية
يبدي عالم السياسة أوليغ بوستيرناك شكوكاً أكبر بكثير في شأن دور وأهمية الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا. ويؤكد "أن العلاقات المتوترة الحالية، على أقل تقدير، بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين في ‘الناتو‘ تظهر بوضوح أن أي ضمانات، حتى تلك التي كتبت وصدقت بدقة، غير مستقرة، إذ تتغير الأوضاع باستمرار، ويستفيد ترمب، على سبيل المثال، من تصرفات تخالف التزامات الولايات المتحدة الأميركية. وطالما بقي ترمب في السلطة، لا يمكن اعتبار أي وثيقة أو مسار تفاوضي أو التزامات نهائية مستقرة تماماً. وقد أدركت عديد من الدول في آسيا وأوروبا هذا الأمر بالفعل، وهي تستخلص العبر المناسبة. ومع ذلك، لا يمكننا، من حيث المبدأ، الحديث عن سلام مستدام بالاستناد إلى ضمانات أمنية محتملة من الجانب الأميركي".
بصوة عامة، يقتنع عالم السياسة بأن الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا لا يمكن أن تكون فعالة حقاً إلا في ظل شروط عدة.
الشرط الأول: أن تحظى الدبلوماسية الأوكرانية بدعم واسع النطاق داخل مختلف هياكل الحكومة الأميركية، اقتداءً بإسرائيل. يقول أوليغ بوستيرناك "لإسرائيل نفوذ كبير داخل الولايات المتحدة، بالتالي، سواء أراد ترمب ذلك أم لا، فهو يدخل في حرب مع إيران نيابة عن إسرائيل. هل سيتصرف بالمثل تجاه أوكرانيا؟ أنا في حيرة شديدة، لا سيما بالنظر إلى مستوى العلاقات الشخصية بين ترمب وزيلينسكي، فضلاً عن صعوبة التنبؤ بطبيعة العلاقات بين أوكرانيا والولايات المتحدة في ظل القيادة الجديدة القادمة للبلدين".
ويشير عالم السياسة إلى ضرورة التصديق على الضمانات الأمنية الأميركية لأوكرانيا على مستوى الكونغرس كشرط ثانٍ، "على رغم أن هذا ليس شرطاً مثالياً، فإنه سيضمن مع ذلك نطاقاً أوسع من المسؤولية من قبل الجانب الأميركي". ويرى أن الشرط الثالث الذي يمكن أن يسهم في الفاعلية العملية للضمانات الأمنية الأميركية لكييف الرسمية هو المشاركة الواسعة للشركات الأميركية في الاقتصاد الأوكراني، لأنه حينها "سيكون لدى الولايات المتحدة ما تخسره حقاً، ولن تغادر سفارتها لدى أوكرانيا، مثلما فعلت في بداية حرب شاملة".
وهذه الشروط الثلاثة المذكورة أعلاه، وفقاً لأوليغ بوستيرناك، قادرة من حيث المبدأ على تعزيز الشراكة الأوكرانية - الأميركية بصورة كبيرة اليوم وفي المستقبل.
موقف روسيا
حذرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا من أن موسكو ستعد نشر وحدات ومنشآت عسكرية غربية على الأراضي الأوكرانية بموجب إعلان باريس أو غيره، تدخلاً عسكرياً. وأضافت أن جنود "الناتو" وبنيته التحتية سيصبحان أهدافاً قتالية مشروعة للجيش الروسي. وأكد مجلس الدوما أن الغرب "مارس خدعة قذرة" على الشعب الأوكراني، الذي كان "يبدو أنه يرى بصيص أمل في السلام".
واعتبرت زاخاروفا أن نشر الوحدات العسكرية والبنية التحتية الغربية في أوكرانيا سيعد تدخلاً، وذلك تعليقاً على توقيع كييف ولندن وباريس على إعلان ينص على إنشاء قواعد عسكرية تابعة لحلف "الناتو" ومرافق لتخزين الأسلحة في أوكرانيا.
"سيجري تصنيف نشر الوحدات العسكرية والمنشآت العسكرية والمستودعات وغيرها من البنية التحتية من الدول الغربية على الأراضي الأوكرانية على أنه تدخل أجنبي، مما يشكل تهديداً مباشراً لأمن ليس روسيا فحسب، بل أيضاً الدول الأوروبية الأخرى". وحذرت قائلة "بالتالي جميع هذه الوحدات والمنشآت ستكون بمثابة أهداف قتالية مشروعة للقوات المسلحة الروسية".
ووصفت المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية الوثيقة الثلاثية بأنها "بعيدة كل البعد من التسوية السلمية"، وأنها "لا تهدف إلى تحقيق سلام وأمن دائمين، بل إلى مواصلة عسكرة الصراع وتصعيده وتوسيع نطاقه". وأشارت إلى أن العنصر الأساس في الإعلان هو نشر "قوات متعددة الجنسيات" على الأراضي الأوكرانية. أيضاً أكدت أن الوثيقة تتحدث عن مواصلة دمج المجمعات الصناعية العسكرية لأوكرانيا ودول "الناتو".
ووفقاً لزاخاروفا فإن خطط أوكرانيا و"تحالف الراغبين" أصبحت "خطرة ومدمرة بصورة متزايدة لمستقبل القارة الأوروبية وسكانها". وأضافت "لا يمكن التوصل إلى حل سلمي للنزاع إلا من خلال القضاء على أسبابه الجذرية. هذا سيتحقق إما من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، أو من خلال عملية عسكرية خاصة، تحتفظ خلالها القوات المسلحة الروسية بالمبادرة الكاملة في ساحة المعركة".
النقاط الرئيسة لموقف روسيا
صرحت الخارجية الروسية مراراً وتكراراً بأن أي منشآت أو قواعد أو وحدات عسكرية تابعة لدول أجنبية في أوكرانيا ستعتبر هدفاً مشروعاً للقوات المسلحة الروسية.
موسكو مقتنعة بأن إنشاء مثل هذه القواعد (أو حتى اتفاقات التعاون العسكري الثنائية) هو وسيلة لحلف "الناتو" للحصول على موطئ قدم في أوكرانيا، وهو أمر غير مقبول بالنسبة إليها، لأنه يخلق تهديداً باستخدام أسلحة الضربات مباشرة على حدود روسيا.
ويتمثل موقف موسكو في أن مثل هذه الدعوات ووجود القوات الغربية لا يسهمان في السلام، بل يؤديان فقط إلى إطالة أمد الصراع، وتحويله إلى "حرب بالوكالة" بين الغرب وروسيا.
وترى موسكو أن مثل هذه المبادرات بمثابة رفض من الغرب لأخذ مصالح روسيا الأمنية المشروعة في الاعتبار، مما يؤدي إلى مزيد من التصعيد.
وظل هذا الموقف على حاله طوال فترة مناقشة هذه القضية، بما في ذلك التصريحات التي صدرت قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا خلال الأعوام اللاحقة.
في المقابل أكد زيلينسكي أنه اعتباراً من أبريل 2026، يعد نشر قواعد عسكرية أميركية في أوكرانيا جزءاً من الضمانات الأمنية التي تناقش في المفاوضات لإنهاء النزاع، على اعتبار أن وجود قاعدة أميركية أو قاعدة أميركية أوروبية مشتركة في أوكرانيا من شأنه أن يقلل من الأخطار الأمنية، بحسب قوله.
موقف أميركا
قرار واشنطن في شأن قبولها بنشر قواعد عسكرية على الأراضي الأوكرانية ليس واضحاً تماماً، ويعتمد على عدد من العوامل:
أولها عملية التفاوض: يجري النظر في المقترحات الأساسية كجزء من "ضمانات أمنية قوية" (على غرار المادة 5 من حلف "الناتو") في خطة السلام التي تدعمها الولايات المتحدة والتي تجري مناقشتها.
ثانياً: شروط اتفاق التسوية، إذ تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تربط الضمانات الأمنية (بما في ذلك القواعد العسكرية المحتملة) بعدد من الشروط، بما في ذلك إمكان التوصل إلى تسويات إقليمية وتجميد الصراع.
ثالثاً: تجنب المواجهة المباشرة، إذ أعربت الإدارات الأميركية السابقة والحالية سواء في عهد جو بايدن أو رئاسة ترمب عن ترددها في الدخول بصراع مباشر مع روسيا، مما جعل نشر قواعد عسكرية خلال فترة العمليات العدائية أمراً مستبعداً. وبدلاً من ذلك، ينصب التركيز على تقديم ضمانات لفترة ما بعد الهدنة.
في أوائل عام 2026، أفيد بأن أوكرانيا كانت تعد وثائق أمنية وأن "عملاً جوهرياً" مع الولايات المتحدة كان جارياً، لكن واشنطن لم تُعطِ الموافقة النهائية على نشر قواعد عسكرية لها في ذلك الوقت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحالف الراغبين
عقب القمة الأخيرة لتحالف الراغبين في دعم أوكرانيا، وقع زيلينسكي، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إعلاناً في شأن نشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام. وبحسب صحيفة "التايمز"، فإن بريطانيا وفرنسا مستعدتان لإرسال ما يصل إلى 15 ألف جندي إلى أوكرانيا.
وأوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس "ينبغي أن يكون ترتيب العمل على النحو التالي: أولاً وقف إطلاق النار، بعدها ضمانات أمنية لأوكرانيا، ثم اتفاق سلام طويل الأمد مع روسيا. وكل هذا مستحيل من دون موافقة موسكو، ويبدو أننا ما زلنا بعيدين جداً عن ذلك".
ولم توقع الولايات المتحدة على بيان مشترك في باريس يقدم ضمانات أمنية لأوكرانيا. ومع ذلك، صرح زيلينسكي أن الوثيقة الثنائية بين كييف وواشنطن باتت "جاهزة عملياً" للتوقيع على أعلى المستويات، ولم يكشف عن مضمون وبنود الاتفاقية.
ورأى عضو مجلس النواب الروسي (الدوما) ليونيد إيفليف أن إعلان "تحالف الراغبين" في شأن نشر قوات أجنبية في أوكرانيا "يعد محاولة للتدخل". ولفت إلى أن الوثيقة تؤكد عزوف أوروبا الغربية عن السعي لتحقيق السلام. وأشار إلى أن "تحالف الراغبين" قد وقع فعلياً إعلان حرب حتى آخر أوكراني، في محاولة للتدخل، لكن تدخل "الناتو" في أوكرانيا غير مقبول.
أما نائب الدوما ديمتري بيليك فأكد أن توقيع هذا الإعلان "يعيد ضبط عملية مفاوضات السلام، لأن الضمانات الأمنية لأوكرانيا لا ينبغي أن تأتي على حساب المصالح الوطنية الروسية". وأضاف "لقد مارس رئيس الوزراء البريطاني خدعة على الشعب الأوكراني، الذي كان لديه بصيص أمل في السلام". وأشار إلى أنهم "يلقون بمفاوضات السلام في الهاوية، ويحاولون دفن هذه الفكرة من حيث المبدأ".
ووصف نائب مجلس الدوما ميخائيل شيريميت، عضو لجنة الأمن، الإعلان بأنه "هرطقة خطرة" لا تعكس الحقائق والاتجاهات الجارية في العالم. وأضاف أن روسيا ستنظر إلى "القرارات العدوانية" على أنها "تدخل غادر آخر في شؤونها الداخلية".
صبر ترمب تجاه أوكرانيا "ينفد"
وفيما يطلب زيلينسكي نشر قواعد عسكرية وأطلسية على أرض بلاده، كشفت صحيفة "الغارديان" عن أن صبر الرئيس ترمب تجاه أوكرانيا بدأ "ينفد"، محذرة من أنه قد يزيد الضغط على كييف قبل انتخابات التجديد النصفي بهدف تحقيق "نصر جيوسياسي" لنفسه.
وقالت الصحيفة نقلاً عن مسؤولين أوروبيين، إن واشنطن قد تطلب من كييف سحب قواتها من إقليم دونباس، في خطوة قد تمهد لإنهاء سريع للنزاع. وأضاف مسؤول أوروبي آخر "صبر فريق ترمب تجاه أوكرانيا ينفد، وهو يريد حلاً سريعاً".
في هذا السياق أعلن زيلينسكي أن الأطراف تحضر لاجتماع ثلاثي جديد (أوكراني – روسي - أميركي) لتسوية النزاع، قائلاً "لقد اتفقنا على أنه سيكون هناك اجتماع ثلاثي قريباً، أو ستكون هناك صيغة تأتي فيها المجموعة الأميركية إلينا، ثم ربما تذهب إلى الجيران"، وأشار إلى أن كييف لا تزال تناقش مع الأميركيين ضمانات الأمن، لكن لا يوجد قرار واضح في شأنها حتى الآن.
ووفقاً لقول الرئيس الأوكراني، كان هناك توقف في العملية التفاوضية بسبب النزاع في الشرق الأوسط. وأقر بأن أوكرانيا لم تعد ضمن أولويات الولايات المتحدة في هذه المرحلة، وأن استمرار الحرب مع إيران يؤدي إلى تراجع المساعدات الأميركية لبلاده يوماً بعد يوم.