ملخص
دراسة السياسات وأبعادها العملية، في فكر فيكتور هوغو، لا تنفصل عن مسيرته الشخصية، ولا عن السياق التاريخي الذي عايشه حيث تداخل الأدب مع الالتزام، والجمال الفني مع العدالة.
إذا كانت معظم استطلاعات الرأي التي تجري في فرنسا وضمن إطار البيئة الجماهيرية، كما ضمن البيئة النخبوية وتتعلق عادة بمعرفة من هو الكاتب المفضل لدى الفرنسيين بل حتى من هو كاتبهم الأكثر مقروئية منذ زمن بعيد وحتى الآن، تكشف أن فيكتور هوغو لا يبتعد إلا نادراً من تبوؤ المكانة الأولى، ومن بعيد.
والحقيقة أن هذا الواقع، ولئن كان يتعلق بحب الفرنسيين لأدب هوغو، فإنه يطاول كذلك إعجاب فئات عدة من أبناء فرنسا بصاحب تلك الأعمال الأدبية والشعرية والمسرحية البديعة، بجانب "آخر" من جوانب حياة هوغو. وبهذا المعنى من المؤكد أن في إمكاننا أن نحدد من دون تردد أن فيكتور هوغو يشكل، في شخصيته كما في حياته وكتاباته، واحداً من أبرز الأصوات الأدبية التي تجاوزت حدود الإبداع الفني، لتبدو فاعلة في المجال السياسي والفكري خلال القرن الـ19 الذي عاش فيه.
وهذا كله معروف، بيد أن المعروف أقل منه، هو ما سوف يفاجئنا بعد سطور ويتعلق بأن هوغو كان إلى ذلك كله الداعي الأول إلى قيام ولايات متحدة أوروبية، وربما قبل أن يفكر أي شخص آخر بإمكان أن يتحقق ذلك.
أكثر من مجرد شاعر
في النهاية لا بد أن نقول وقبل أن نصل إلى تلك الحكاية إن هوغو، لم يكن، أو لم يرد هو نفسه في الأقل، أن يكون مجرد شاعر أو روائي عظيم، بل كان شاهداً حياً على تحولات فرنسا العميقة، ومشاركاً فيها عبر الكلمة والموقف.
ومن هنا فإن دراسة السياسات وأبعادها العملية، في فكره، لا تنفصل عن مسيرته الشخصية، ولا عن السياق التاريخي الذي عايشه حيث تداخل الأدب مع الالتزام، والجمال الفني مع العدالة.
لقد عرف هوغو تحولات فكرية لافتة، انتقل خلالها من ميول ملكية محافظة في شبابه، إلى تبنٍّ واضح للقيم الجمهورية والديمقراطية لاحقاً، ولم يكن هذا التحول مجرد تبدل نظري، بل إنه انعكس في مواقفه العلنية، وفي نصوصه الأدبية التي صارت منبراً للدفاع عن الحرية وكرامة الإنسان.
فالروايات التي كتبها واشتهر بها كما اشتهرت بفضله، مثل "البؤساء"، ليست فقط أعمالاً فنية، بل بيانات أخلاقية وسياسية تنتصر للمهمشين وتفضح الظلم الاجتماعي. وهو ما يلاحظ على الفور بالنسبة إلى القراء، حتى من دون أن يضطر هؤلاء إلى الغوص بعيداً في تحليل الروايات والبحث عما هو سياسي بل نضالي فيها، ففي عمل هوغو الإبداعي يبدو في نهاية الأمر وكأن الكاتب إنما استلهم المجتمعات وقضايا وهموم البشر البسطاء ليدبج حبكاته وعبر عن العلاقات بين شخصياته.
في خضم السياسة العملية
بشكل واضح، تجلت ممارسة السياسة عند هوغو في مستويين متكاملين، الأول هو المشاركة المباشرة في الحياة العامة، سواء عبر خطبه في البرلمان أو مواقفه من القضايا الكبرى مثل عقوبة الإعدام، وحرية الصحافة.
أما الثاني فهو الفعل الرمزي الذي مارسه عبر الأدب، إذ استطاع أن يؤثر في الوعي الجماعي وأن يسهم في تشكيل حس إنساني جديد. وبهذا المعنى، تصبح الكتابة عنده امتداداً للعمل السياسي، بل أداة لتغييره. كذلك فإن تجربة المنفى التي عاشها كاتبنا أعواماً طويلة شكلت لحظة حاسمة في بلورة رؤيته السياسية.
ففي ابتعاده القسري من فرنسا، تعمق إدراك الكاتب، لمفاهيم الحرية والاستبداد، وأصبح صوته أكثر راديكالية في مواجهة السلطة، لقد تحول المنفى بالنسبة إلى فيكتور هوغو إلى فضاء للتأمل والمقاومة وإلى مصدر لإنتاج نصوص تحمل بعداً إنسانياً كونياً.
وعلى أية حال فإن دراسة السياسة وحضورها في فكر هوغو يقتضي النظر إليه بوصفه مفكراً ملتزماً، لا يفصل بين الأدب والحياة، ولا بين الجمال والحق. ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث الذي يسعى إلى الكشف عن طبيعة العلاقة بين التجربة الشخصية والموقف السياسي في حياة هوغو وإلى فهم كيف استطاع أن يجعل من الأدب أداة فاعلة في معركة الحرية والعدالة.
ولكن من ناحية عملية تحمل جدتها كانت هي ما انطلقنا معبرين عنها أول هذا الكلام، لا بد لنا في هذا السياق من أن نقف عند نوع من الممارسة السياسية لدى هوغو، قليلاً ما التفت إليه الباحثون والمؤرخون لدى حديثهم عن تسيس هوغو، وهو نوع يمكننا أن نعده تأسيساً نظرياً سبق فيه كاتبنا أي باحث أو مفكر أو سياسي آخر في الدعوة إلى ما سماه بنفسه "الولايات المتحدة الأوروبية".
خطاب برلماني فريد
كان ذلك في أحد أيام أغسطس (آب) عام 1849 إبان انعقاد ما سمي المؤتمر العالمي للسلام في باريس برئاسة هوغو نفسه. يومها وفي خطابه الافتتاحي عبر الكاتب الفرنسي الكبير عن أمله في الوصول إلى سلام عالمي، ليذكر وللمرة الأولى في التاريخ، آفاق قيام ما سماه "الولايات المتحدة الأوروبية" تحديداً.
فقد استهل هوغو حينها خطابه بالقول إن "يوماً ما سوف يحل لتلقوا جميعكم الأسلحة الفتاكة من أيديكم. حينها سيحل بالنسبة إليكم يوم ستبدو فيه الحرب، أي حرب، وحتى بين فرنسا وإنجلترا، كما بين بطرسبورغ وبرلين، وبين فيينا وتورينو، أمراً عبثياً ومستحيلاً. عبثيتها واستحالتها بين مدينتي روان واميان (الفرنسيتين) أو بين بوسطن وفيلادلفيا. سيحل يوم، تندمجون بل تذوبون فيه أنتم جميعاً يا معشر الإنجليز والألمان يا أبناء كل الأمم والدول، من دون أن يفقد أي منكم مزاياه المميزة أو ضروب مجده. في وحدة بل في أخوة أوروبية مكونة لكم جميعاً، على غرار أقوام النورماندي والبرينتاني والبورغوني واللورين والالزاس، وبقية الأقوام الذائبة في الكينونة الفرنسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومضى في كلماته "سيحل يوم تختفي فيه تماماً ميادين القتال، لتفتح الأسواق أمام التجارة، والعقول أمام الأفكار. ستحل أيام تخلي فيها المقذوفات والقنابل المكان للأصوات الانتخابية والتصويت تمارسه الشعوب، ولتحكيم كوني يقوم به مجلس سيادي سيكون بالنسبة إلى أوروبا على غرار ما هو البرلمان بالنسبة إلى إنجلترا، والمجلس التشريعي بالنسبة إلى فرنسا، ومجلس الدايت بالنسبة إلى الألمان!".
وختم "سيحل يوم يعرض فيه المدفع في متحف كما تعرض اليوم وسائل التعذيب، وسط دهشة المتفرجين أمام من يقول لهم إن هذه الوسائل كانت تستخدم ذات يوم!... سيحل يوم نرى فيه تينك الكينونتين الهائلتين: الولايات المتحدة الأميركية والولايات المتحدة الأوروبية، جالستين وجهاً لوجه تمد كل منهما يدها فوق الطاولة وعبر البحار متبادلتين منتجاتهما وتجاراتهما وصناعاتهما وأفكار مبدعيهما وفنون عباقرتهما، مستصلحتين أراضي الكرة الأرضية، مستوطنتين أصقاعها وصحاريها، ساعيتين إلى تحسين الخلق بعدما أنجز الخالق خلقه، جامعتين لمصلحة البشرية جمعاء، بين القوتين العظميين في هذا الوجود، الأخوة بين البشر، وجبروت العناية الإلهية".