ملخص
كان الشاعر شارل بودلير في قمة مجده كناقد فني، اكتشف ضمن مناسبة مشاركة فيكتور هوغو صدفة في صالون عام 1859 عدداً من اللوحات التي تحمل توقيع الكاتب فكتب معلقاً عليها "إن المخيلة الرائعة التي تسيل من رسوم مسيو فيكتور هوغو تبدو كسر من أسرار تنهمر من السماء"
لم يعد كاتب القرن الـ19 الفرنسي الكبير فيكتور هوغو بحاجة إلى من يؤكد مكانته عند الفرنسيين والأوروبيين والعالم كله، بوصفه واحداً من أعظم روائيي وشعراء، بل حتى المناضلين السياسيين في بلاده طوال القرن الـ19، إلى درجة أن فرنسا بأسرها حين احتفلت قبل ربع قرن من اليوم بمجيء الألفية الجديدة بعد أكثر من قرن على وفاة كاتبها الكبير هذا، استعانت بالتكنولوجيا السيبرانية كي تجعله ناطقاً باسم الأزمنة الجديدة، بجعل تمثال شمعي له يلقي خطبة ذات دلالة حول ذلك. كان ذلك نوعاً من التأكيد أن هوغو كاتب لكل الأزمنة، فهل تراه كان كذلك رساماً للأزمنة كلها أيضاً؟
الحقيقة إن طرحنا لهذا السؤال لا يأتي عبثاً ولا لمجرد المشاكسة، بل تحديداً لأن كثراً، ومنهم الشاعر شارل بودلير معاصر هوغو، الذي كان ناقداً تشكيلياً أيضاً، رأى مبكراً أن مكانة هوغو كرسام لا بد من أن تؤخذ بالحسبان في كل مرة يجري فيها الحديث عنه.
والحقيقة أننا إذا كنا هنا وفي مجالات أخرى سابقة أشرنا إلى موهبة هوغو الكبيرة في مجال الرسم، فإن ما كان لا يزال في حاجة إلى أن يذكر من جانبنا، إنما هو نظرة معاصريه والمقربين منه إلى إنجازاته في مضمار الرسم.
بودلير الذي رأى باكراً
ولعل شارل بودلير هو خير من يمكننا التوقف عنده بالنسبة إلى "اكتشافه" هوغو الرسام في وقت كان كثر، وبما فيهم صاحب الشأن نفسه، ينظرون بشيء من الخفة إلى الرسوم التي كان يرميها على الورق من دون أن يبالي بها كثيراً. أو في أحسن الأحوال ينجزها كي ترافق طباعة أعماله الأدبية، كما حال نحو 36 رسماً واكبت الطبعة الأولى من روايته "عمال البحر"، وبالكاد تنبه كثر إلى أنها من توقيع الكاتب نفسه، أول الأمر في الأقل.
المهم، باكراً إذا، وكان بودلير في قمة مجده كناقد فني في ذلك الحين، اكتشف ضمن مناسبة مشاركة هوغو صدفة في صالون عام 1859 عدداً من اللوحات التي تحمل توقيع الكاتب فكتب معلقاً عليها، "إن المخيلة الرائعة التي تسيل من رسوم مسيو فيكتور هوغو تبدو كسر من أسرار تنهمر من السماء". حينها دهش كثر أمام ما يؤكده بودلير، وكان في مقدمهم هوغو نفسه الذي كان، كما يبدو، ينظر إلى ممارسته الرسم بوصفها مجرد تزجية للوقت بين نص يكتبه وآخر، بل كنوع من الخوض في ممارسة فنية صغرى بانتظار العودة للفن الكبير.
ومن هنا نراه يكتب يوم الـ29 من أبريل (نيسان) من العام التالي، نصاً موجهاً إلى بودلير يقول فيه: "إنني لسعيد وفخور إلى أقصى حدود السعادة والفخر بما أردت أن تقوله من حول ما أسميه أنا الرسوم التي أحققها بريشتي. لقد انتهى بي الأمر إلى أنني خلطت فيها أقلامي وريشي وألوان السوبيا والفحم، بل حتى كل أنواع المزيج الغريب الذي وصل الأمر به إلى التعبير إلى حد ما عما يخالج بصري وعقلي أيضاً، وأفاتحك بأنه أمر يمتعني أن أفعله، متعة فائقة بين مقطع أكتبه وتال له".
رسوم خلال المنافي والأسفار
صحيح أن بودلير بدا في تعليقه وكأنه أول من اكتشف أن هوغو يخوض فن الرسم، إضافة إلى شتى أنواع الكتابة، وصحيح أيضاً أن تعليق هوغو على ماكتبه بودلير يبدو من التواضع إلى درجة تبدي الكاتب وهو يوافق الشاعر والناقد بأن ما فعله إنما كان اكتشافاً حقيقياً، لكن الواقع كان في مكان آخر. كان في معرفة كل المحيطين بصاحب "أسطورة العصور" و"هرناني" أن ذلك النوع من الرسم كان من ضمن نشاطات هوغو المعتادة، لكنه كان لا ينظر إلى إنجازاته في الرسم كمنتوج كبير يتعين عليه عرضه على الجمهور. كان بالنسبة إليه نوعاً من رياضة يمارسها لتمرين ذهنه وذاكرته، وأصابعه على الحركة. وهو كان يرسم خصوصاً خلال تنقلاته وأسفاره حين لا يكون لديه ذلك الاستقرار أو ما يكفيه من الوقت للغرق في الكتابة بين أوراقه وأقلامه وأفكاره.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هنا كان من شأن الرسوم الكثيرة التي كان يرميها على الورق خلال حله وترحاله أن تتراكم من دون أن تشغل أول الأمر مكانة كبيرة في تاريخه الإبداعي، لكنها سرعان ما راحت تتخذ أهميتها بالتواكب مع اكتشاف الآخرين، وربما على خطى بودلير نفسه، لها. ومن هنا لن يكون من الصدفة أن يبدأ هوغو بتبديل أسلوبه، ليس في الرسم فقط، بل حتى في التعاطي مع رسومه منذ بدايات عام 1861، أي بعد فترة يسيرة من كتابة بودلير عنها. ففي تلك المرحلة تحديداً بدأت الألوان المتعددة بالظهور لديه. ولعل المثال الأبرز على ذلك مجموعة اللوحات التي رسمها الكاتب / الفنان خلال إقامته ردحاً في إقليم فياندين بلوكسمبورغ بعد ذلك بسنوات، إذ تظهر لنا تلك المجموعة مقدار التبدل في نظرة هوغو نفسه إلى تلك الممارسة، وهو تبدل يمكن القول إنه وصل إلى ذروته في عام 1871، حين ظهر له رسم لقصر فياندين والمنطقة المحيطة به اعتبر من المعلقين معادلاً حتى للرسوم المشابهة التي كان رمبراندت الكبير حققها بتقنية مشابهة قبل أكثر من قرنين ونصف قرن من الزمن. ولا شك أن هوغو كان يتعمد الوصول إلى مستوى الرسام الهولندي رمبراندت في هذا المجال، ولا سيما منذ مجموعة الرسوم المشابهة التي حققها خلال إقامته منفياً في جزيرة جيرزي يوم كانت السلطات الباريسية غاضبة عليه.
شهادة من الداخل
وإذا كنا أعلاه أوردنا تلك الشهادة المهمة والمؤثرة التي كتبها بودلير عن فن فيكتور هوغو، وكانت ذات تأثير كبير في المبدع نفسه، قد يكون من المناسب هنا أن نورد شهادة أخرى شديدة الاختلاف لكنها تحمل معاني لا تقل عن معاني تلك الشهادة الأخرى أهمية. وذلك لأننا هذه المرة أمام شهادة من داخل البيت، ولم تكتب وتظهر إلا بعد سنوات طويلة من رحيل فيكتور هوغو.
الشهادة هي بقلم جورج هوغو، أحد أحفاد فيكتور هوغو نشرها الحفيد عام 1902، في كتاب عنوانه "جدي"، وحملها انطباعات لا تزال تعشش في ذاكرته حول ذلك الجد العظيم. ومن بينها مشهده وهو يرسم في ركن من أركان البيت وسط صمت لا يبارح ذهنية الحفيد أبداً كما يقول: "لقد كان يقيض لي في بعض الأحيان أن أشاهد جدي وهو منهمك في الرسم، وأذكر أن ما كان يرسمه إنما هو عبارة عن رسوم صغيرة منها ما هو اسكتشات ومنها ما هو رسوم كاريكاتورية، ووجوه يرسمها بنظرة جانبية وبخط واحد بالقلم يسير به على أية قطعة من الورق يجدها في متناوله. وهو كان في بعض الأحيان يرمي الحبر على الورق كيفما اتفق، ثم يحرك الريشة فوقه في تشعبات سرعان ما تتخذ أشكالاً مدهشة، إذ تتحول بقع الحبر إلى غابة، أو إلى قصر أو قرية أو ساقية أو بحيرة أو حتى عاصفة. ثم يبلل الريشة بريقه ليحول بقعة أخرى إلى غيمة مسودة اللون، بل ويحدث له حين تمطر أن يترك بعض نقاط المطر تنتشر على الرسم الذي سرعان ما يحرك فوقه فرشاته بنعومة، ولكن بسرعة عجيبة، تحول كل ما على الورق من حبر ومطر وخربشات إلى أشكال جديرة بأن تعرض في أرقى المعارض. قبل أن يلتفت إلي وكأنه يراني للمرة الأولى، ويسألني عما إذا كان في إمكاني أن أفعل ما يفعله هو".