Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تستفيد مصر من كشف بصمتها الجينية؟

دراسة بحثية للتسلسل الجيني الكامل لـ1024 مواطناً من 21 محافظة رصدت نحو 17 مليون تباين جيني فريد وباحثون يؤكدون: ستكون مرجعاً دقيقاً ومستقلاً لقياس الطفرات المسببة للأمراض وتحديد العلاجات المناسبة للمصريين

يعني الجينوم المرجعي تأسيس قاعدة بيانات لمجموعة الجينات الموجودة في شعب ما (رويترز)

ملخص

لماذا تحتاج مصر إلى إيجاد مرجعيتها الجينية الخاصة؟ يوضح الباحث الرئيس في مشروع الجينوم المصري خالد عامر أن العالم يتجه حالياً نحو الطب الشخصي والدقيق، حيث تختلف استجابة المرضى للعلاج باختلاف العوامل الوراثية والطفرات الجينية لكل شخص، موضحاً أن أدوات التشخيص التقليدية قد تؤدي إلى إعطاء المريض دواءً لا يناسب احتياجه، بالتالي قد يتسبب ذلك في تضرر حالة المريض واحتمال وفاته في أمراض مثل السرطان، فضلاً عن إهدار كلفة العلاج.

بعد خمس سنوات من إطلاقه، أعلنت أولى نتائج أكبر مشروع علمي في تاريخ مصر، مشروع الجينوم المصري، الذي يهدف إلى التعرف على التسلسل الجيني للمصريين والتوسع في مجال "الطب الشخصي"، إذ أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري عبدالعزيز قنصوة قبل أيام عن نشر نتائج دراسة بحثية موسعة للتسلسل الجيني الكامل لـ1024 مواطناً مصرياً من 21 محافظة من أصل 27، رصدت نحو 17 مليون تباين جيني فريد غير مسجل سابقاً في قواعد البيانات العالمية.

ويعني الجينوم المرجعي تأسيس قاعدة بيانات لمجموعة الجينات الموجودة في شعب ما أو أفراد جماعة عرقية معينة من خلال جمع تسلسل الحمض النووي بواسطة العلماء.

تفكير الجهات البحثية المصرية في إيجاد "مرجعية جينية وطنية" بدأ في أعقاب جائحة كورونا، التي سلطت الضوء على اختلاف مدى الإصابة والاستجابة العلاجية بين المواطنين، وتفاوت معدلات التعافي من دولة إلى أخرى، وهو ما يرجع إلى الاختلافات الوراثية من إنسان إلى آخر، فقررت الدولة المصرية دراسة الجينوم الخاص بالمصريين، لمواجهة ما قد يطرأ في المستقبل من أوبئة.

وفي فبراير (شباط) 2021، عقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اجتماعاً مع رئيس الحكومة ووزير التعليم العالي، واطلع على الدراسة الخاصة بإنشاء مركز الجينوم، وأعقب ذلك إطلاق المشروع بموازنة ملياري جنيه.

وعلى مدى نحو 4 أعوام نفذ مركز البحوث والطب التجديدي التابع لوزارة الدفاع الأبحاث الرئيسة في مشروع الجينوم، بالتعاون مع الجامعة الأميركية بالقاهرة وجامعة الإسكندرية وعدد من المستشفيات الجامعية.

وكشفت الدراسة، التي تعد نسخة أولية لمشروع الجينوم المصري، عن مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المئة، لتنهي بذلك الدراسة عقوداً من غياب التمثيل الجيني للشعب المصري في الأبحاث الدولية، وتمنح للمرة الأولى "مرجعية جينية وطنية".

الطب الشخصي

لكن لماذا تحتاج مصر إلى إيجاد مرجعيتها الجينية الخاصة؟ يوضح الباحث الرئيس في مشروع الجينوم المصري خالد عامر أن العالم يتجه حالياً نحو الطب الشخصي والدقيق، حيث تختلف استجابة المرضى للعلاج باختلاف العوامل الوراثية والطفرات الجينية لكل شخص، موضحاً أن أدوات التشخيص التقليدية قد تؤدي إلى إعطاء المريض دواءً لا يناسب احتياجه، بالتالي قد يتسبب ذلك في تضرر حالة المريض واحتمال وفاته في أمراض مثل السرطان، فضلاً عن إهدار كلفة العلاج.

يضيف عامر في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن المرجعيات الجينية العالمية المعتمدة حالياً مبنية على الشعوب الأوروبية وتفتقر لتمثيل شعوب الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو ما استدعى تأسيس مشروع "الجينوم المرجعي للمصريين" ليكون مرجعاً دقيقاً ومستقلاً لقياس الطفرات المسببة للأمراض وتحديد العلاجات المناسبة.

وأشار الباحث الرئيس للمشروع إلى أن ما يميز المبادرة المصرية عن المشروعات المماثلة في دول أخرى هو تضمنه محوراً خاصاً بـ"جينوم قدماء المصريين"، مضيفاً أنه جرى بالفعل فحص 24 عينة مستخرجة من 13 مومياء ملكية، بالتعاون مع المتحف القومي للحضارة بهدف استكمال الحقائق العلمية جنباً إلى جنب مع النقوش التاريخية، مشيراً إلى أن نتائج الفحص ستنشر في وقت لاحق من العام الحالي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد عامر أن النتائج الأولية أثبتت أن المصريين يمثلون كتلة جينية واحدة باختلافات داخلية طفيفة جداً بين أفراد الأقاليم المختلفة، وذلك على رغم الهجرات وفترات الاحتلال التي مرت بها البلاد.

كانت الدراسة أظهرت تقارب الخصائص الجينية للمصريين مع شعوب الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المئة، بخاصة المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين. وعلى رغم أن مصر دولة أفريقية، فإن الدراسة أظهرت ارتباطاً منخفضاً بين الخصائص الجينية للمصريين والشعوب الأفريقية، وفق المتاح من الدراسات السابقة التي ركزت على شعوب دول جنوب الصحراء. وتعد أقرب مجموعة جينية قرباً لخصائص المصريين من خارج شعوب الشرق الأوسط هم سكان جنوب إيطاليا، وهو ما ترجعه الدراسة إلى التاريخ الطويل من تدفق الهجرة في الاتجاهين عبر البحر الأبيض المتوسط.

ورصدت الدراسة أعلى نسبة من "التماثل الجيني" في أفراد العينة من صعيد مصر، وهو ما عزته إلى ارتفاع معدلات زواج الأقارب.

وفي ما يخص اختيار العينات، أوضح عامر أنه جرى التعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لاختيار عينات لأشخاص أصحاء ممثلة لكل محافظات الجمهورية، مبيناً أن المشروع في نسخته الكاملة يشمل عينات من 25700 شخص من "الأصحاء ظاهرياً" الذي تراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً، مع مراعاة أن تكون العينة ممثلة لمختلف المناطق الجغرافية والشرائح العمرية، لضمان دقة التمثيل الإحصائي والجيني للشعب المصري. وتوقع عامر الانتهاء من جمع العدد المستهدف للعينات خلال عامين.

الوقاية من الأمراض

ويحمل المشروع أهمية كبيرة على الصعيد الطبي، إذ يساعد في وقاية الأجيال القادمة من بعض الأمراض، إذ حددت الدراسة معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمها "حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية"، بعدما كشفت عن أن واحدة من بين كل 11 مصرياً يحمل الطفرة الجينية المسببة للمرض، مما يمهد لرفع كفاءة برامج الفحص المبكر للمواليد، بخاصة أن الدراسة أثبتت أن الاعتماد على نماذج التنبؤ بالأخطار الجينية المطورة في الخارج قد يعطي نتائج غير دقيقة بنسب كبيرة للمصريين، بخاصة في أمراض مثل السكتة الدماغية والكلى، وشددت على ضرورة إجراء "معايرة وطنية" للبيانات لضمان دقة التشخيص.

وفي تصريحات سابقة لـ"اندبندنت عربية" قال الرئيس السابق لأكاديمية البحث العلمي محمود صقر، إن مشروع الجينوم المصري يعد فعالاً في الاكتشاف المبكر للأمراض ما يكفل التدخل العلاجي المبكر بل والجراحي عند الحاجة، بدلاً من الأسلوب الحالي المعتمد على إجراء تحاليل وأشعة عند ظهور الأعراض المرضية، كما أن التدخل المبكر يقلل من كلفة العلاج على الدولة، وأشار إلى أن المشروع يتضمن دراسة الطفرات المتعلقة ببعض الأمراض واسعة الانتشار في المجتمع، وهو ما يعمل على الحد منها، أبرزها الأمراض الوراثية التي نشهدها كثيراً في مصر بسبب زواج الأقارب الناتج من بعض العادات الاجتماعية، من خلال التوصيات المنتظرة في شأن نمط الحياة والتدخلات الطبية المسبقة، وإعداد خطط لوقاية المواطنين من الأمراض والأوبئة، وتصميم علاجات تتوافق مع المحددات الجينية للشعب، مؤكداً أن النتائج ستساعد في تقديم خدمة طبية متقدمة للشعب المصري، ما يرفع من معدل الأعمار ومستوى رفاهية المواطنين.

وحول موعد انتقال هذه النتائج للتطبيق الفعلي في العيادات أوضح الباحث الرئيس لمشروع الجينوم المصري خالد عامر أن التحدي الأساس يكمن في متطلبات البنية التحتية، حيث يتطلب تخزين ومعالجة بيانات العينة الواحدة مساحة تراوح ما بين 80 و150 غيغابايت. وأكد أنه جرى بالفعل شراء الأجهزة وتجهيز مركز بيانات (Data Center) مخصص للمشروع، وهو في انتظار بدء التشغيل الفعلي.

ولفت عامر في ختام حديثه إلى أن المشروع يشهد مشاركة 10 جهات بحثية مختلفة، ويعتمد بصورة كبيرة على الكوادر العلمية الشابة، حيث يعود تاريخ تخرج أقدم الباحثين في بعض المعامل إلى دفعة عام 2019.

ووفق الدراسة التي نشرت على منصة (bioRxiv)، لا يزال سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ممثلين تمثيلاً ناقصاً في قواعد البيانات الجينومية، إذ لا تتجاوز نسبتهم واحداً في المئة من المشاركين في دراسات الارتباط الجينومي، على رغم كونهم يمثلون نحو 6 في المئة من سكان العالم.

وكانت الولايات المتحدة أولى الدول التي نفذت مشروعاً لمعرفة العناصر الجينية، حيث بدأت عام 1990 وأعلنت اكتماله عام 2003، كما نفذت مشاريع مماثلة في دول عربية مثل السعودية والإمارات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير