Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متطرفو الفيء والاستحلال... "إرهاب هجين" يقلق المغرب

الأمن يفكك خلية خططت لبناء قاعدة مالية مستقلة تستخدم لدعم أجندة متطرفة في مواقع قريبة من الرباط

نجحت السلطات الأمنية والاستخباراتية المغربية في تفكيك خلية متطرفة تضم ستة أفراد في مناطق متفرقة (أ ف ب)

ملخص

أكدت الأبحاث الأمنية أن النشاط الإجرامي لهذه الخلية الإرهابية يجمع بين التطرف العنيف والجريمة المنظمة، إذ تستثمر عائدات السرقة في دعم توجهات متشددة، وفق تصور أيديولوجي يبرر الاستيلاء على ممتلكات الآخرين.

في تطور لافت لظاهرة الإرهاب في المغرب، فككت السلطات الأمنية أخيراً خلية متطرفة مكونة من ستة أشخاص تورطوا في تنفيذ أنشطة إجرامية بخلفيات ودوافع متطرفة، تتمثل في السرقة والسطو وتصريف العائدات الإجرامية، في إطار ما يطلقون عليه بعمليات "الفيء والاستحلال".

ويرى مراقبون أن "إرهابيي الفيء والاستحلال" يخططون لبناء قاعدة مالية مستقلة تستخدم لدعم أجنداتهم المتطرفة بعيداً من الرقابة المالية التقليدية، كذلك فإنهم يعمدون إلى شرعنة الجريمة المنظمة، إذ تحول هذه العقيدة السرقات والسطو من جرائم جنائية إلى أعمال متطرفة.

تطرف وجريمة

ونجحت السلطات الأمنية والاستخباراتية المغربية قبل أيام قليلة في تفكيك خلية متطرفة تضم ستة أفراد في مناطق متفرقة تشمل القنيطرة والدار البيضاء ودار الكداري بإقليم سيدي قاسم وسيدي الطيبي، وهي مناطق لا تبعد كثيراً من العاصمة الرباط.

وأسفرت عمليات التفتيش عن حجز كتب ومخطوطات ذات طابع متطرف، إلى جانب أسلحة بيضاء مختلفة الأحجام، ومبالغ مالية يرجح أن تكون من متحصلات أنشطة إجرامية، كذلك جرى ضبط معدات لتسهيل الجرائم، بينها أقنعة لإخفاء الهوية وسيارات بينها مركبتان مخصصتان لنقل البضائع، إضافة إلى دراجة نارية.

وأظهرت التحقيقات أن الأشخاص الستة الذين تبنوا أفكاراً متطرفة، نفذوا عمليات سطو على مستودعات لتربية الماشية في ضواحي القنيطرة وسيدي سليمان، ثم قاموا بتصريف المسروقات في أسواق محلية، أبرزها جماعة "جمعة سحيم" في إقليم آسفي ومدينة خميس الزمامرة بإقليم سيدي بنور.

وأكدت الأبحاث الأمنية أن النشاط الإجرامي لهذه الخلية الإرهابية يجمع بين التطرف العنيف والجريمة المنظمة، إذ تستثمر عائدات السرقة في دعم توجهات متشددة، وفق تصور أيديولوجي يبرر الاستيلاء على ممتلكات الآخرين.

الامتداد الجغرافي

يقول الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، إن العملية الأمنية التي نفذها المكتب المركزي للأبحاث القضائية (البسيج)، تحت إشراف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بالمغرب، اتسمت بالدقة والنوعية، إذ أسهمت في تفكيك خلية إرهابية كانت تنشط في منطقة غير بعيدة من الرباط.

ويعكس هذا المعطى، حسب الطيار، خطورة الامتداد الجغرافي الذي حاولت هذه الخلية الإرهابية استغلاله لتنفيذ مخططاتها، لا سيما أن المناطق التي تؤوي عناصرها لا تبعد من العاصمة المغربية سوى بضعة كيلومترات.

 

ويؤكد الطيار أن خطورة هذه الخلية تكمن في اعتمادها استراتيجية إجرامية قائمة على فكرتي "الفيء" و"الاستحلال"، موضحاً أن هذا النهج يستخدم من طرف التنظيمات المتطرفة لشرعنة السرقات وعمليات السطو المسلح، بدعوى تمويل أنشطتها.

ويوضح أن "الاستحلال" يمثل مرجعية عقائدية منحرفة، يسقط الإرهابيون على أثرها صفة الحرمة عن أموال الدولة والمجتمع بدعوى الردة والكفر، مما يبيح لهم ارتكاب السرقات، بينما يشكل "الفيء" الغطاء الذي يستخدم لتحويل هذه المسروقات إلى موارد مالية توظف في تمويل العمليات الإرهابية.

إجرام بخلفية أيديولوجية

يعود رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية ليؤكد أن عدداً من هؤلاء الموقوفين تورطوا في عمليات سرقة وتصريف العائدات الإجرامية، بهدف بناء قاعدة مالية مستقلة تستخدم لدعم أجندتهم المتطرفة، في أفق تنفيذ عمليات إرهابية أكثر خطورة، بعيداً من الرقابة المالية التقليدية.

ويرى الطيار أن نتائج عمليات التفتيش والتمشيط، التي أسفرت عن حجز ترسانة من الأدوات الإجرامية، تؤكد الطابع المزدوج لهذه الخلية، باعتبارها خلية إجرامية ذات خلفية أيديولوجية، مشيراً إلى ضبط أسلحة بيضاء حادة ومبالغ مالية بالعملة الوطنية، إلى جانب وسائل لوجيستية تشمل دراجة نارية وسيارات وأقنعة وقفازات، وهو ما يعكس، حجم القدرات اللوجيستية التي كانت تتوفر لها.

وينبه إلى أن المصالح الأمنية، وخلال عمليتي التوقيف والتفكيك، عثرت أيضاً على كتب ومخطوطات ذات طبيعة متطرفة، مما يثبت الانتماء الأيديولوجي للموقوفين، بل ويؤكد أن نشاطهم الإجرامي لم يكن بدافع السرقة العادية، بل يندرج ضمن مشروع تخريبي يستهدف أمن واستقرار المغرب.

ويخلص الطيار إلى أن عمليات تفكيك الخلايا الإرهابية تبرز، مرة أخرى، نجاعة المقاربة الاستباقية التي تعتمدها المنظومة الأمنية المغربية، والتي تمكن من تحييد الأخطار قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ على أرض الواقع.

أخطار أمنية

تخلف عقيدة "الفيء والاستحلال" التي تسلكها الجماعات والخلايا الإرهابية والمتطرفة تداعيات أمنية واجتماعية معقدة وخطرة، فيقول عنها الأستاذ الجامعي مؤلف كتاب "التسامح بين الأديان من منظور الدبلوماسية الروحية"، خالد التوزاني، إنها "تداعيات تسهم في تدمير شامل للأمن المجتمعي والسلام الداخلي للبلاد".

ويوضح رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي أن التداعيات الأمنية لفكر "الفيء والاستحلال" تتلخص في شرعنة الجريمة المنظمة، إذ تحول هذه العقيدة السرقات والسطو من جرائم جنائية إلى أعمال متطرفة، مما يؤدي إلى اندماج خطر بين الشبكات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة، وهو ما يسمى  "الإرهاب الهجين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن التداعيات الأمنية أيضاً، وفق التوزاني، التمويل الذاتي للخلايا، إذ تكمن الخطورة في قدرة الخلايا على تمويل عملياتها بصورة مستقلة وبعيد من الرقابة المالية الدولية، مما يجعل تتبع مسارات تمويلها أصعب أمنياً لاعتمادها على السيولة النقدية الناتجة من السرقات المحلية.

ويحذر المحلل ذاته من أن إحدى النتائج الأخرى لعقيدة الفيء والاستحلال "توسيع دائرة الاستهداف، فالفكر الذي يستبيح الأموال يستبيح الدماء بالضرورة"، شارحاً أن "الانتقال من استحلال المال إلى استحلال الروح خطوة قصيرة جداً، مما يرفع من سقف الأخطار المحدقة بالأفراد والمؤسسات".

تأثيرات اجتماعية

عقيدة الفيء والاستحلال التي يؤمن بها المتطرفون، على غرار الخلية الإرهابية التي فككتها السلطات الأمنية والاستخباراتية المغربية، تفضي إلى تداعيات وانعكاسات اجتماعية، أولها حسب التوزاني تمزيق النسيج الاجتماعي عبر تقسيم المجتمع إلى أهل الحق وأهل الباطل، ينظر فيها إلى المخالفين لهذه العقيدة بوصفهم أهل الباطل، فيصبحون بمثابة غنائم مستباحة، مما يزرع بذور الشك والعداء بين أبناء الوطن الواحد.

ومن التداعيات الأخرى، وفق الأستاذ الجامعي نفسه، تسميم التدين الفطري، بمعنى أن هذه المفاهيم تشوه قيم الدين الإسلامي القائمة على الأمانة وحرمة المال العام والخاص، وتستبدل بها نموذجاً مشوهاً يربط بين "التدين" و"الاعتداء"، مما يسبب ارتباكاً قيمياً لدى الشباب خصوصاً.

ولم يفت التوزاني الإشارة أيضاً إلى خطر زعزعة الثقة في المؤسسات، من خلال استهداف ممتلكات الدولة أو الأفراد بدعوى "الفيء"، مورداً أن هذه الجماعات المتطرفة تضرب بعمق مفهوم "العقد الاجتماعي" القائم على حماية الملكية والأمان، وتسعى إلى خلق حال من الفوضى واللادولة لتمرير مشاريعها المتطرفة".

وخلص المتحدث إلى أن عقيدة "الفيء والاستحلال" ليست مجرد انحراف فكري عابر، بل هي أداة تدمير شامل للأمن المجتمعي والسلام الداخلي للوطن، تحاول تبرير الجرائم بصبغة شرعية زائفة، مما يجعل التصدي لها يتطلب مقاربة تجمع بين الحزم الأمني والتفكيك الفكري العميق، واليقظة المستمرة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير