Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف اختبرت حرب إيران الشراكة بين أوروبا والخليج؟

رغم ارتباك الموقف الأوروبي بين الحياد والتضامن تدفع أخطار الصواريخ والمسيرات الإيرانية نحو تقارب تدريجي مع الرؤية الخليجية

صورة جماعية لاجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي 2023 (أ ف ب )

ملخص

رغم أن موقف أوروبا الرافض للمشاركة في تأمين مضيق هرمز يمكن أن يضعف ثقة الخليج بها، إلا أن هناك من يرى فرصة لتعزيز التعاون بين الطرفين في ظل المساعي لتنويع تحالفاتهما الأمنية، والتضامن من عدد من الدول الأوروبية مع دول الخليج في وجه الهجمات الإيرانية.

سعت أوروبا إلى إمساك العصا من المنتصف خلال حرب إيران، فمن جانب دانت الهجمات الإيرانية على دول الخليج ومن جانب آخر رفضت العمليات الأميركية ضد إيران. ويُقرأ هذا الموقف المزدوج على أوجه عدة، فعلى رغم أنه قد يزعزع الثقة بين أوروبا والخليج، فإن هناك من يرى فرصة لتعزيز التعاون بين الطرفين بينما يعملان على تنويع تحالفاتهما الأمنية، وتعزيز الشراكة الاقتصادية. 

موقف معقد

فيما وُصف التضامن الأوروبي مع الخليج بالضعف نظراً لرفض المشاركة في تأمين مضيق هرمز، إلا أن عدداً من الدول الأوروبية أسهمت في تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي. وجاء الدعم الأوروبي بعد تردد، على الأرجح في ضوء العلاقة المتوترة مع دونالد ترمب، فمثلاً سارع رئيس وزراء بريطانيا إلى القول إن "هذه ليست حربنا"، قبل أن يتعهد بتقديم المساندة الدفاعية ضد هجمات إيران.

وكذلك فعلت معظم الدول الأوروبية، فبينما واصلت النأي بنفسها عن العمليات الهجومية، سمحت بريطانيا للولايات المتحدة باستخدام قاعدتين لها وأرسلت مقاتلات "تايفون" إلى قطر، في حين أرسلت فرنسا حاملة "شارل ديغول" التي تتسع لـ20 مقاتلة من نوع "رافال" إلى البحر الأبيض المتوسط، وتفاوت الدعم من دول أوروبية أخرى، لكنه في الغالب جاء في سياق التضامن مع قبرص ثم الخليج بعد الهجمات الإيرانية.

هذا الموقف المزدوج وضع أوروبا في موقع المراقب لحرب إيران كما يقول كريستيان أليكسندر في ورقة نشرتها "كلية لندن للسياسة والاقتصاد"، فعلى رغم أن الحكومات الأوروبية استجابت للأزمة بسرعة، لكن ما كان غائباً هو أي استعداد للقيام بدور أمني حاسم. ولذلك، دعا مسؤولون سابقون إلى اقتناص اللحظة عبر دعم الخليج لتعزيز التقارب، ولحماية الاقتصادات الأوروبية من تداعيات الحرب.

مستقبل الشراكة

عندما تبلور أول اتفاق تعاون بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي في أواخر الثمانينيات، كان المجلس يتطلع بحرص إلى تعزيز العلاقات مع كتلة اقتصادية وعسكرية مؤثرة، لكن بمرور الأعوام تغيرت مجريات الأمور ولم يعد المسعى للارتقاء بالعلاقة أحادياً، إذ يشير الباحث بدر السيف في ورقة بحثية، إنه بينما عززت دول الخليج قوتها، تراجعت القوة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي التي كانت تضاهي الاقتصاد الأميركي عام 2008.

ولا تزال المساعي لتعزيز التعاون الثنائي قائمة بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي، وعلى رغم أنها أبطأ من المطلوب، فإن مراقبين يرون أن الظروف المتغيرة من شأنها إتاحة فرص استراتيجية ذات منفعة مشتركة، فاليوم الاقتصاد الأميركي تجاوز اقتصادات الاتحاد الأوروبي بنسبة 50 في المئة، كما أن تراجع الالتزام الدفاعي الأميركي في القارة خلق معضلة أمنية في ظل الخطر الروسي.

ولذلك من مصلحة أوروبا تعزيز شراكتها مع دول الخليج، كما يقول مدير مركز أوروبا في المجلس الأطلسي يورن فليك والسفير الأميركي السابق لدى بولندا دانيال فريد، بما في ذلك المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، مشيرين إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يعوّق الصناعات الأوروبية وقدرتها التنافسية ويمكن أن يؤدي إلى اضطرابات سياسية تستغلها القوى الموالية لروسيا في أوروبا. أما خارجياً، فيزداد دخل روسيا من النفط ما بين 3 و5 مليارات دولار.

وضمن إدراك بعض الدول الأوروبية لهذه الأخطار، أصدرت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً في الأول من مارس (آذار) الماضي، أكدت فيه استعدادها لاتخاذ خطوات دفاعية، بما في ذلك تدمير قدرات إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتوالت زيارات القادة الأوروبيين إلى دول الخليج للتعبير عن التضامن وكان آخرها جولة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في المنطقة.

لكن التعاون لا يمكن أن يقتصر على الجانب التكتيكي، إذ ترى ريم ممتاز من "مؤسسة كارنيغي" أن تصدع العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، ومحاولة الأخيرة للتكيف مع الانفصال الأميركي عن مخاوف القارة، قد يشكلان أساساً لشراكة جديدة بين القوى المتوسطة، بين دول الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، لتوفير آليات تخفف اضطرابات النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل.

وتشير ممتاز إلى أن هذه الشراكة بين القوى المتوسطة لا تعيد بالضرورة إنتاج الضمانات الأمنية الأميركية، أو تدفع نحو الانفصال عن الولايات المتحدة، فالقوة العسكرية الأميركية وتقنياتها وقدراتها اللوجستية وضماناتها النووية تظل ركائز أساسية، لكن بإمكان الطرفين بناء أدوات امتصاص للصدمات اعتماداً على قدراتهما العسكرية والاقتصادية والموارد الطبيعية، فعلى المدى المتوسط، وبالانفتاح على قوى أخرى مثل كندا والهند واليابان، يمكن للكتلتين الأوروبية والخليجية تعزيز قدراتهما الصناعية، أما على المدى الطويل، فيمكنهما تشكيل كتلة عسكرية معتبرة تكون فيها الولايات المتحدة عاملاً مضاعفاً للقوة، لا الركيزة الأساسية.

"مهادنة إيران"

لا يزال الارتقاء بالشراكة الأوروبية والخليجية يواجه عقبات من أبرزها الافتراض الخليجي بأن أوروبا سارت على نهج استرضاء إيران، وتجلى ذلك في الاتفاق النووي الذي لم يتطرق إلى قضايا المنطقة الملحة، ومن بينها برنامجا طهران لصناعة الصواريخ الباليستية والمسيّرات اللذان ثبت خطرهما خلال الحرب الأخيرة. وترد مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على مسألة "مهادنة إيران"، قائلة "نحن لا نسترضي إيران، بل فرضنا ضغوطاً وعقوبات كثيرة وفق الأدوات المتاحة لدينا ومن بينها تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية".

لكن من الواضح أن ترابط ساحتي الصراع في أوكرانيا والخليج اللتين تأثرتا بالمسيّرات الإيرانية أسهم في إدراك الاتحاد الأوروبي لأهمية مجابهة التهديدات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات، فخلال مقابلة مع قناة "العربية" أثناء زيارتها للرياض، قالت كالاس "كنا طرفاً في الاتفاق النووي السابق، وللتوصل إلى اتفاق جديد سنحتاج إلى معالجة القضايا العالقة التي لا تقتصر على النووي، بل تشمل الصواريخ الباليستية"، وهو موقف متسق مع الموقف الثابت لدول الخليج حول شمول أية مفاوضات نووية التهديدات الصاروخية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفتّت الترابط بين ساحتي الصراع تلك الانقسامات السياسية بين أوروبا والخليج حول التهديد الإيراني، إلا أن التحديات المؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي والانقسامات بين دوله لا تزال عقبة أمام مزيد من التقارب. فعلى رغم أن تداعيات الاعتداءات الإيرانية على الخليج طاولت مصالح أوروبا، فإن دولاً أوروبية من بينها ألمانيا وفرنسا وإسبانيا رفضت المشاركة في تأمين مضيق هرمز مع استمرار الأعمال القتالية. 

ولم يبدِ الاتحاد الأوروبي حماسة لتوسيع مهماته البحرية القائمة ليشمل الخليج، ويشير كريستيان أليكسندر إلى أن هذا التردد يعكس تحدياً مؤسسياً أوسع، فحتى عندما تتأثر المصالح الأوروبية بصورة مباشرة، تبقى الآليات اللازمة لتحويل هذه المصالح إلى عمل أمني موحد وسريع محدودة. ولا يقتصر ذلك على نقص القدرات، بل يشمل أيضاً تردداً سياسياً في تحويل المهمات الدفاعية إلى أدوات استراتيجية.

وغالباً ما يُفسَّر الدور الأوروبي المحدود بعوامل هيكلية، فالاتحاد الأوروبي يفتقر إلى إطار موحد لاتخاذ القرار العسكري، وعلى رغم امتلاك الدول الأعضاء قوات مسلحة مؤهلة، تبقى هياكل الدفاع الجماعي محدودة، ونتيجة لذلك تعتمد الاستجابة على الإرادة السياسية الوطنية أكثر من العمل المنسق، كما تجلى في السياسات المتفاوتة لدول الاتحاد تجاه الحرب في الشرق الأوسط.

من الأقوال إلى الأفعال

في ظل هذه التحديات، يطالب الباحث الكويتي بدر السيف بأن تتحول العلاقات بين أوروبا والخليج من الأقوال إلى الأفعال، مشيراً إلى أن عام 2024 كان حافلاً بالتواصل المكثف بين الطرفين عبر حوارات ومنتديات أمنية، وصولاً إلى قمة رسمية على مستوى القادة في بروكسل. لكن ما ينقص هذا الزخم الدبلوماسي هو خطوات عملية أكثر جرأة وقابلة للقياس مثل زيادة الترابط عبر ممر تجاري خليجي يربط الأسواق الأوروبية بآسيا، وتوقيع اتفاق تجارة حرة بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي.

ويملك الطرفان أرضية اقتصادية خصبة لمزيد من التعاون، فالاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون يمثلان معاً 20 في المئة من الاقتصاد العالمي ويغطيان أكثر من نصف الاستثمارات الاجنبية المباشرة على مستوى العالم، في حين يُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الثاني لدول مجلس التعاون الخليجي بعد الصين عام 2023 وتبلغ الاستثمارات الخليجية في أوروبا 38 في المئة من الاستثمارات الأجنبية في القارة عام 2022، أما الاستثمارات الأوروبية فتبلغ 41 في المئة من إجمال الاستثمارات الأجنبية في الخليج.

ومع ذلك فإن الارتقاء بالعلاقة مشروط بوضوح الرؤية وموثوقية الالتزامات بعيداً من الخطاب الغامض، وحتى الآن وفق مراقبين، فإن أوروبا على رغم مصالحها الكبيرة في الخليج، فإنها لا تزال تعمل على هامش الصراع، ومن المحتمل أن يكون هذا النهج قابلاً للاستمرار على المدى القصير، وفق الورقة المنشورة في "كلية لندن"، لكنه يثير تساؤلات طويلة الأمد حول قدرة أوروبا على التوفيق بين انكشافها الاقتصادي ومحدودية فاعليتها في بيئة جيوسياسية مستقطبة.

وتعد الصناعة الدفاعية من المجالات التي دفعت الحرب نحو مزيد من التعاون بين الخليج وأوروبا، فعلى رغم أن الخليج يمثل إحدى أكبر الأسواق المستوردة للصناعات الدفاعية الأوروبية، فإن تبادل الخبرة وتوطين الصناعة ظلا محدودين، غير أن ظروف الحرب مهّدت لتعاون أوسع، برز أخيراً في دعم الاتحاد الأوروبي للدور الذي قامت به أوكرانيا في مشاركة الخبرة للتصدي للمسيّرات الإيرانية، وفي ظل مشكلة المخزون الأوروبي العسكري وتراجع الالتزام الأميركي في مواجهة روسيا، فإن التعاون مع الخليج قد يفتح فرصاً مهمة للجانبين في قطاع الدفاع.

المزيد من تقارير