ملخص
دانتي غابريال روسيتي الذي وُلد عام 1828 ليرحل عن عالمنا عام 1882، يعد من الوجوه البارزة في الفن الإنجليزي خلال القرن الـ19، إذ جمع بين الشعر والرسم في تجربة فنية متفردة
قد لا يكون اسم دانتي غابريال روسيتي واسع الشهرة في سياق تاريخ الفن الإنجليزي، ومع ذلك إن ضممنا اسمه إلى قائمة الفنانين "ما قبل الرافائيليين" التي كان واحداً من أقطابها وربما في مقدمهم، قد تتوضح الأمور بصورة أفضل، خصوصاً إن نحن تنبهنا إلى تشابه الأسماء بينه وشاعر النهضة الإيطالية الأكبر وصاحب "الكوميديا الإلهية" دانتي أليغييري، الذي عاش قبله بعدة قرون.
ومهما يكن من أمر فإن تشابه الأسماء لم يكن صدفة، كما لم يكن صدفة أيضاً أن يحمل روسيتي اسمي علم إيطاليين واضحين، ويكون إنجليزياً في الوقت نفسه. فالمسألة ليس فيها أحجية ولا غرابة. إذ إن روسيتي وُلد في إنجلترا ابناً لمثقف ومناضل سياسي إيطالي كان قد نفى نفسه من موطنه إلى إنجلترا، حيث عاش وأنجب ابنه وسماه دانتي تيمناً بالتحديد بالشاعر الإيطالي الكبير، وهي تسمية حددت على أية حال مصير ومسار وهوى وهوية الابن طوال حياته، إلى درجة أنه حين شب عن الطوق، لم يكتف بأن يكون شاعراً بدوره، ومترجماً نقل من الإيطالية إلى الإنجليزية، التي باتت لغته، كتاب دانتي "الحياة الجديدة"، ناهيك بأنه كرسام كرس عدداً من لوحاته لرسم مشاهد مستقاة من ذلك الكتاب بالتحديد. ولكن ليس انطلاقاً من هاجس فردي بل ضمن إطار التيار الذي أسسه مع زملاء له رسامين ومبدعين في أصناف إبداعية أخرى، من أمثال ويليام هولاندا هانت وجون إيفريت ميليز، وتحت رعاية الناقد والفنان الكبير المعاصر لهم جون راسكين، وتحت مسمى "ما قبل الرافائيليين" تيمناً بالنهضوي الكبير رافائيل لرفضهم كل ما اتسمت به المدارس الفنية من بعده.
وهنا، قبل التوقف عند واحدة من أشهر وأجمل لوحات دانتي روسيتي هذا، نعود إلى حياته وسيرته.
تجربة فنية فريدة
فالحال أن دانتي غابريال روسيتي الذي وُلد عام 1828 ليرحل عن عالمنا عام 1882، يعد من الوجوه البارزة في الفن الإنجليزي خلال القرن الـ19، إذ جمع بين الشعر والرسم في تجربة فنية متفردة.
وقد وُلد داخل العاصمة الإنجليزية لأسرة ذات أصول إيطالية، كان ربها واسع الاهتمام بتراث وأعمال دانتي أليغييري، بينما كان يعيش في ذلك المنفى، وهو ما يفسر اختياره اسم دانتي لابنه.
ونشأ الفتى في بيئة مشبعة بالأدب الإيطالي وهو ما انعكس بوضوح على فنه، وجعله مميزاً بين الجماعة التي كان أحد أبرز مؤسسيها، دافعاً إياها إلى مساعي العودة إلى نقاء الفن قبل عصر رافائيل، مع التركيز على التفاصيل الدقيقة والألوان المشبعة والموضوعات الروحية والأدبية.
ومن هنا نلمس في لوحاته حضوراً قوياً للرمزية، إذ تتداخل العاطفة مع الأسطورة والتاريخ والدين. والحقيقة أن مسار حياة هذا الفنان يخبرنا أن اسم دانتي لم يكن مجرد تسمية لديه، بل تحول ليصبح برنامجاً جمالياً. فقد استلهم روسيتي أعمال دانتي الكبير بصورة مباشرة سواء في لوحاته أو قصائده.
ولعل من أشهر أعماله لوحة "بياتا بياتريكس" التي تعد نوعاً من التحية الفنية لشخصية بياتريتشي، حبيبة دانتي التي ملأت أشعاره ورافقته في أحد أقسام "الكوميديا". وفي هذه اللوحة لا يرسم روسيتي امرأة فحسب، بل يجسد حالاً صوفية من الحب الروحي، إذ تتحول التجربة العاطفية إلى رؤية تكاد تكون دينية.
لغة الفنان الذاتية
والحقيقة أن لوحة أخرى تحمل اسم "بيتاريس" لروسيتي تكشف عن نوع من التماهي بينه وسلفه الشاعر الكبير، وهذه اللوحة هي تلك التي رسمها عام 1853 وعنوانها "الذكرى السنوية الأولى لموت بياتريس".
بيد أن بياتريس في هذه اللوحة ليست في الحقيقة سوى كناية عن إليزابيث سيدال التي كانت رحلت قبل عام من رسم هذه اللوحة. وإليزابيث هذه في حقيقة أمرها حبيبة روسيتي نفسه وزوجته، التي ماهى الرسام - الشاعر في ذكراها بينها وحبيبة الشاعر النهضوي.
ولعل الغريب في الأمر أن إليزابيث على رغم رحيلها ورسم روسيتي لذكريات بياتريس كنوع من التكريم لها، أي لإليزابيث، ها هو يرسم هذه الأخيرة هنا في الصورة حاضرة يلفت الشخصان الحاضران في اللوحة انتباه الرسام نفسه إليها، فلا يكاد يصدقهما وهو الغارق في حزنه متقمصاً أشجان دانتي أليغييري وكأنها أحزانه وأشجانه الخاصة.
ولعل ما يجدر التنبه إليه هنا هو ذلك التوليف في لوحة مائية الألوان، لا يزيد مقاسها على 61 سم عرضاً و42 سم ارتفاعاً، بين عدد كبير من التفاصيل الصغيرة التي يحمل كل منها أبعاداً ودلالات مُفعمة بالمعاني، بل بركام من معاني تحطم النفس وتحمل أبعاد الشجن المؤسي الذي يسيطر عليها.
ونعرف أن ثمة من بين النقاد ومؤرخي الفن من اشتغل طويلاً على تفكيك دلالات وأبعاد كل تفصيل من تفاصيل هذه اللوحة بصورة مدهشة، ليستخلصوا ما قد يبدو في نهاية الأمر أشبه بقاموس للرموز والدلالات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نافذة على فلورنسا
صحيح أن كل نبتة وقطعة أثاث وكل كتاب وورقة بما في ذلك ألوان الملابس والستائر، تحيل إلى معنى يتعين إدراكه، من منظور رسامنا الذي جعل اللوحة قصيدة رمزية مدهشة، غير أن ما يتعين التوقف عنده بصورة أساسية إنما هو النافذة التي ليس من الصدفة أن تبدو وكأنها إطار يحيط بنوع من البورتريه الذي يضم ذلك الشخص المركزي في اللوحة، والذي سيبدو وكأنه مزيج من دانتي أليغييري نفسه ودانتي روسيتي في إمعان من الرسام في خلق لعبة التماهي التي نجدها أساس في عالم هذه اللوحة ككل، وتحديداً في لوحة تغلب عليها لغة الذات.
فالمدينة التي تظهر من خلال النافذة، بمبانيها وأجوائها ولو من بعيد في اللوحة، ليست في حقيقتها سوى فلورنسا التي عاش دانتي الكبير وكتب فيها، وفيها أغرم كما يريد روسيتي أن يقول لنا بحبيبته بياتريتشي. ولا يمكن بالتالي أن يكون النهر الماثل خلف النافذة سوى نهر الآرنو نفسه، نهر مدينة فلورنسا الشهير.
ولكن، وكأن كل هذه الرموز لا تكفي، يمكن للعين أن تلمح في الزوايا وعلى الجدران، وحتى على خشب النافذة، نوعاً من سيرة مضمرة لدانتي وكتاباته، وحتى تفاصيل الحملات العسكرية التي خاضها وهو مجند في جيوش المدينة. غير أن ذلك كله لا يمكنه إلا أن يختم بالإشارة إلى أن الغرفة كلها التي يدور فيها حدث الذكرى الذي يصوره الرسام كتعبير عن قصيدة شعر لم يكتبها، وعن تماهيه المطلق مع سلفه المبدع الكبير كما عن التماهي بين زوجته وحبيبته المفقودة وحبيبة دانتي أليغييري، إنما هي غرفة روسيتي داخل لندن والتي استعارها كمكان للتلاقي بين عالمين ينتمي إليهما شخصياً وفنياً وروحياً، وزمنين يريد أن يقول لنا في نهاية المطاف إنهما لا يمكنهما أن يكونا سوى زمنيه الخاصين به. ناهيك بأن حزن دانتي القديم إنما هو حزنه الخاص، وحياة الشاعر النهضوي لم تكن إلا صدى وانعكاساً لحياته هو. ويفيدنا تاريخه بأن حياته على المستوى الشخصي كانت مضطربة ومليئة بالتوتر، علماً أن علاقته مع زوجته التي كانت كذلك ملهمته الفنية انتهت بصورة مأسوية بفعل وفاتها المبكرة، مما أثر بعمق على نفسيته وفنه.
ونعرف أنه بعد موتها آثر العيش في عزلة، لا شك أن لوحته التي نتحدث عنها هنا عبرت عنها خير تعبير، مفسرة نبرة الحزن والتأمل في حياته بأعمق ما يكون.