ملخص
كان من نتائج ذلك أن هدايا مطلع السنة التي كانت تتبادل في أوائل أبريل انتقلت إلى أول يناير على أن الناس ظلوا يتزاورون في أبريل، ويتبادلون الهدايا المزورة على سبيل المزاح والدعابة. ومن هنا تلك العادة الجارية في أوروبا وحتى اليوم، والواردة علينا في أوائل هذا القرن، مع ما ورد علينا من عادات الغرب، المعروفة بـ"كذبة نيسان" أو "كذبة أبريل".
ورد ذكر أبريل (نيسان) في التقاويم الآشورية والبابلية والكلدانية، وفي التقاويم العبرية كذلك. وهو من الأشهر التي حافظت على اسمها في مختلف اللغات السامية. ولقد كان هو مطلع السنة عند الشعوب السامية جميعها وحتى اليهود الذين فرض عليهم موسى بدء السنة الدينية بالربيع، أي في أول أبريل. وكذلك كان بعض الأوروبيين يبدأون به سنتهم، كما كان غيرهم يبدأونها بمارس (آذار)، جرياً على التقويم الروماني القديم، حتى ظهور الإصلاح اليولياني الذي بدأها بأول يناير (كانون الثاني).
على أن بعض الدول الأوروبية تلكأت في اتخاذ هذا التقويم الجديد، وترددت مدة طويلة في تغيير مفتتح سنتها، فظلت إنجلترا تفتتحها في الـ25 من مارس حتى عام 1751. وكانت فرنسا تختم سنتها أحياناً بعيد البشارة، أي في الـ25 من مارس كذلك، وأحياناً تبدأها بعيد الفصح الذي يقع على الغالب في أبريل، وكان الناس يتبادلون هدايا رأس السنة في أوائل الشهر، حتى اتخذ شارل التاسع عام 1567 قراراً بتعيين بدء السنة في أول يناير. وطبق القرار في فرنسا أولاً بتردد، ثم عم سائر أوروبا على مهل، ولم تجر عليه روسيا إلا في عهد بطرس الأكبر.
كذبة أبريل
كان من نتائج ذلك أن هدايا مطلع السنة التي كانت تتبادل في أوائل أبريل، انتقلت إلى أول يناير، على أن الناس ظلوا يتزاورون في أبريل، ويتبادلون الهدايا المزورة على سبيل المزاح والدعابة. ومن هنا تلك العادة الجارية في أوروبا، وحتى اليوم، والواردة علينا في أوائل هذا القرن، مع ما ورد علينا من عادات الغرب، المعروفة بـ"كذبة نيسان" أو "كذبة أبريل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما تعليل هذه الدعابة بـ"سمكة أبريل"، فقد حاول بعضهم شرحها بأن شمس أبريل تنتقل من برج الحوت، أي السمكة، في أواخر هذا الشهر. والواقع أن الشمس تترك برج الحوت في أواخر مارس لا أواخر أبريل، وهو أول شرح لتلك العادة. فكان الأحرى أن يشيروا في مطلع أبريل، إلى أن برج السمكة قد أزالته الشمس ولم يبقَ له من حقيقة، فكأن تلك الهدايا مزورة، والأخبار موضوعة، والوعود كاذبة.
اسمه ومعناه
وبعد هذا التعديل، أصبح أبريل رابعاً في أشهر السنة الشمسية، يقع بين مارس ومايو (أيار). ومعنى اسمه في الجذور السامية - وقد يرد فيها، وفي الكلدانية بخاصة، بشكل "نيسانو" - يقترب من معنى الإزهار وتفتح الأكمام والأفنان وإرسال الربيع، وكلها من خصائص الزمن الربيعي الذي يقع فيه. ويقرب من ذلك مؤدى اسمه باللاتينية "أبريليس" (Aprilis)، على رأي من يخرجه من فعل aperire وفيه معنى الانفتاح، ولعلهم أشاروا إلى تفتح الأرض عن نباتها الزاهر. وبعضهم يخرجه من اسم "أفروديت" أو الزهرة، إلهة الجمال والحب، وقد كان فيه أيام خاصة بتكريمها.
ويبجل قدومه في لبنان ودول المشرق بالبهجة والفرح، إذ فيه تستقر أركان الربيع، فيعتدل الكلأ، وتنتعش الزهور البرية، ويكون "الزارع" قد تغلغلت جذوره وصلب ساقه، فلا يخشى عليه من الاقتلاع، أثناء الاحتشاش، وفي أبريل تكثر أسراب السنونو وغيرها من طيور الربيع، ويبدو الجو أصفى، وفي الصحارى هو كثير الصفاء، فينصرف الفلاحون والعمال إلى أعمالهم، وقد قيل "اغتنموا في شمس نيسان". وإلى زراعهم على حد القول السائر "في نيسان اطفئ نارك، وافتح شبابيك دارك، واستمتع في الشمس لنهارك".
وللشمس في أبريل منافع جمة دفعت العجوز إلى تفضيلها على شمس فبراير (شباط) وشمس مارس، مع شدة الحاجة إليها في هذين الشهرين الباردين، على حد ما قول من اختص العجوز بها "شمس شباط لكنتي، وشمس آذار لبنتي، وشمس نيسان إلي ولشيبي".
دفء الربيع وتقلبه
وإذا طال الجفاف قلق المزارعون على المواسم، وتشوق الفلاح إلى مطرة واحدة، و"المطرة في نيسان تحيي الإنسان"، بل "ربة نيسان تسوى السكنى والغنى"، ذلك أن لا قيمة لكل ما تخزنه السمكة، ولكل ما ينبت به الفدان، إن ضن أبريل بقطرة تروي الزروع العطشى، بل إن "المطرة في نيسان تسوى القرة والصيصان".
وأبريل، على ما قيل في بعض الحكايات "تسوى القرة والصيصان". وخلاصة المثل، على ما يرويه شيوخ بعض القرى الزراعية في لبنان، أن أحد رجال الإقطاع من المتجبرين كان طلب من بعض الصاغة فصنعوا له "قرة وصيصاناً"، أي دجاجة وفراخها، من الذهب الخالص المرصع بالجواهر الكريمة، وأوقفها على صينية من الفضة، فبرزت دقيقة الصنع، تامة التشكيل، فأعجب بها كل الإعجاب، وأخذ يباهي بها وجمال منظرها، ولا يفل ذكر ما كلفته من غالي الثمن.
وكان أن دخل عليه بعض خلصائه في فترة من أبريل زاد قلقها واشتد حرها وطال تشوق الناس إلى المطر فيها حتى خيف على المواسم، فأقبل الأمير جرياً على عادته يباهي بقرته وصيصانه، ويسأل الحاضرين كم يقدرون ثمنها، حتى صاح أحدهم "مطرة نيسان تسوى القرة والصيصان". ولهذا فهم لا يتصورون أبريل من دون مطر: "نيسان بلا شي مثل العروس بلا حلي"، أي مهما تكن العروس جميلة فلا بد من حفلة طرب وسرور، ولهو وألعاب ورقص.
ومن الأعمال الزراعية في هذا الشهر تقليم بعض الأشجار، وتأخير من الكروم في المناطق الباردة، وغرس التين في الجبال العالية. ومن هنا القول السائر "من صار ورق التين كف غراب، قص واطب"، وقد كان هذا العمل وافر الأهمية أثناء ازدهار موسم الحرير في لبنان، وكان لشهر أبريل الدور المهم في العناية بدود القز في مختلف أطواره.
وكانت المرأة تنصرف بكليتها للسهر على هذا الموسم الأساس في الاقتصاد اللبناني آنذاك، حتى كان الرجل يعاون امرأته في أعمالها اليومية العادية، ويعمل الجميع كي تبقى منصرفة إلى العناية بدود القز، وهو معنى القول السائر حتى اليوم "في نيسان الحكمة للنسوان".
عند الشعوب الأخرى
وإذا كان أبريل عند العرب وسائر الشعوب السامية زمناً لابتداء الحياة ومطلعاً للسنة في تقاويمهم القديمة، فإن نظرة مماثلة، أو قريبة منها، يمكن تتبعها عند أمم أخرى في الشرق والغرب، إذ ارتبط هذا الفصل بتحولات الطبيعة، وببدايات العمل الزراعي، وبأعياد دينية وشعبية تعبر جميعها عن معنى واحد هو عودة الحياة وتجددها.
ففي بلاد فارس وما جاورها من أقاليم آسيا الوسطى، عرف مطلع الربيع بعيد "نوروز" ومعناه "اليوم الجديد"، وهو واقع عند الاعتدال الربيعي. وقد جرت العادة فيه على تنظيف البيوت، وإعداد الموائد الخاصة، وتبادل الزيارات، وهو ما يدل على اعتباره بدءاً لدورة زمنية جديدة، لا من حيث الحساب وحده، بل وبما يشهده الناس من تبدل في الطبيعة.
وفي شبه القارة الهندية، ولا سيما في مناطقها الشرقية والجنوبية، تقع في هذا الفصل أعياد رأس السنة الزراعية، ومن أشهرها عيد "بيهو" في آسام، حيث تنظف الحقول، وتهيأ الأرض للزراعة، وتغسل المواشي وتزخرف، وتلبس الثياب الجديدة، في دلالة واضحة على أن هذا الزمن هو زمن الابتداء والعمل. ولا يخفى ما في هذه الطقوس من صلة وثيقة بدورة الزرع والحصاد، التي كانت عماد الحياة في تلك البلاد.
وكذلك الأمر في بلاد جنوب شرقي آسيا، حيث تحتفل شعوب تايلاند ولاوس وكمبوديا بما يعرف برأس السنة التقليدية في منتصف أبريل، ويغلب على هذه الاحتفالات رش الماء، وهو وإن بدا في ظاهره لعباً ولهواً، فإنه يفسر عندهم على أنه تطهير من آثار العام الماضي، واستقبال لعام جديد في حال من الصفاء.
أما في الصين وبلاد الشرق الأقصى، فإن أوائل أبريل تشهد عيد "تشينغمينغ"، وهو عيد تنظيف القبور وزيارة الأسلاف، حيث يخرج الناس إلى المقابر، ينظفونها، ويقدمون القرابين الرمزية. ولا يخفى أن هذا العيد، وإن ارتبط بذكرى الموتى، فإنه يقع في زمن تتفتح فيه الطبيعة، فكأنما يراد به وصل الماضي بالحاضر، في لحظة تتجدد فيها الحياة.
وفي اليابان، يتزامن هذا الفصل مع تفتح أزهار الكرز، وهو حدث ينتظره الناس كل عام، ويخرجون لمشاهدته والجلوس تحته، في تقليد يعرف بـ"هانامي"، وقد اكتسب مع الزمن طابعاً اجتماعياً واضحاً، حيث تجتمع العائلات والأصدقاء في الهواء الطلق، احتفالاً بما يرونه من جمال الطبيعة وزينتها.
نحو الأماكن المغلقة
وإذا رجعنا إلى أوروبا قبل عصورها الحديثة، وجدنا أن كثيراً من شعوبها القديمة كانت تقيم في هذا الفصل احتفالات مرتبطة بقدوم الربيع. فالكلت مثلاً كانوا يحتفلون بعيد "بيلتين" في أواخر أبريل بإشعال النيران وإقامة الطقوس الجماعية، في إشارة إلى انتهاء فصل البرد واستقبال زمن الخصب. وكذلك عرفت في أنحاء أخرى من أوروبا عادات رفع الأعمدة المزينة بالأزهار، وإقامة الرقصات الجماعية في الهواء الطلق.
وفي بلدان أميركا اللاتينية، فإن زمن أبريل لا يزال يحتفظ بطابعه الاحتفالي، ولا سيما في مواسم مثل "أسبوع الآلام"، حيث تقام المواكب، وتزين الطرقات بالزهور، وتمارس طقوس جماعية ذات طابع ديني وشعبي في آنٍ واحدٍ، تجمع بين الحزن والفرح، في صورة قريبة من فكرة العبور من الموت إلى الحياة.
أما في بعض مناطق أفريقيا، إذ تقوم الحياة على تعاقب المواسم بين الجفاف والمطر، فإن هذا الزمن يمثل الانتقال من حال إلى حال، إذ تبدأ الأرض في استقبال الأمطار، أو تتهيأ لذلك، وتتحرك الجماعات نحو العمل بعد فترة من الانتظار، وتقام احتفالات تعبر عن هذا التحول، وإن اختلفت أشكالها من منطقة إلى أخرى.
غير أن هذه النظرة أخذت في التبدل مع شيوع التقاويم الحديثة، ولا سيما التقويم الميلادي الذي استقر على جعل أول السنة في يناير، وهو زمن يقع في قلب الشتاء في أكثر أنحاء العالم. وبذلك انتقل ابتداء السنة من زمن يشهد تحولات محسوسة في الطبيعة، إلى زمن لا يدل بذاته على شيء من ذلك. وقد ترتب على هذا التحول تغير في بعض العادات، إذ أصبحت الاحتفالات برأس السنة تقام في البيوت والأماكن المغلقة، وتضفى عليها طقوس جديدة، بينما كانت في الأزمنة القديمة تقام في الهواء الطلق، وفي الحقول والمواقع المفتوحة، حيث يشارك الناس جميعاً في مشاهدة ما يطرأ على الطبيعة من تبدل.