ملخص
المدن العتيقة في تونس ليست مجرد أحياء قديمة، بل فضاءات حية تختزن التاريخ والعمارة والعادات والحرف التقليدية، وتشكل ركيزة مهمة للهوية والتراث الوطني وتلعب دوراً اقتصادياً مهماً، وأُحصي نحو 30 مركزاً حيوياً قديماً داخل تونس
يضم غالب محافظات تونس مدناً عتيقة أو ما يعرف بالمدينة العربي، وهي القلب النابض للنسيج العمراني لها، ويعود معظمها إلى العصور الإسلامية الأولى خلال القرنين الـ18 والـ19، مع التأثر بالحضارتين الأندلسية والعثمانية، إلا أن هذه الكنوز التاريخية التي تزخر بها تونس من شمالها إلى جنوبها تتطلب إمكانات كبيرة للمحافظة عليها من أخطار الاندثار وإغراءات الحياة المعاصرة، مما جعل هذه المدن أحياناً عبئاً عمرانياً وبخاصة في جهات بعيدة من العاصمة، في ظل أخطار سقوط عشرات المباني التاريخية واندثارها ومحاولات تشويهها بإدخال أنماط عصرية لا تتماشى وروح هذه المدن.
والمدن العتيقة في تونس ليست مجرد أحياء قديمة، بل فضاءات حية تختزن التاريخ والعمارة والعادات والحرف التقليدية، وتشكل ركيزة مهمة للهوية والتراث الوطني وتلعب دوراً اقتصادياً مهماً، وأُحصي نحو 30 مركزاً حيوياً قديماً في تونس.
مدينة تونس... الأكثر حظاً
وتترأس المدينة العتيقة في تونس قائمة المدن بفضل كبر مساحتها وأهميتها التاريخية، وهي مُدرجة ضمن التراث العالمي لليونيسكو وتضم جامع الزيتونة وأسواقاً تقليدية وقصوراً ومدارس تاريخية، وتعد هذه المدينة أكثر حظاً من مثيلاتها داخل المحافظات الأخرى لعدة اعتبارات.
في هذا الصدد يقول رئيس قسم المعالم والمواقع الإسلامية في المعهد الوطني للتراث منتصر جمور "في المحافظات التونسية غالباً ما نجد المدن العتيقة، وهي نسيج عمراني تقليدي يظهر لنا النواة العمرانية التي بدأت بها كل المدن وتوسعت انطلاقاً منها"، مضيفاً "لكن الأهمية التاريخية والاقتصادية والسياحية لهذه المدن العتيقة تختلف من منطقة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال تعد مدينة تونس العتيقة أكبر مدينة في كل البلاد لا تزال تحافظ على النمط المعماري الأصلي وتحافظ على نسيجها السكاني، وكذلك مدينة سوسة العتيقة وأيضاً مدينة القيروان، وهي المدن الثلاث المسجلة على لائحة التراث العالمي باليونيسكو.
وتابع المتحدث أن بقية المدن "أقل أهمية من حيث القدم والقيمة التاريخية والتراثية، لكن هذا لا يعني أنها غير مهمة ويجب إهمالها. هذه المناطق لها دور اقتصادي وتاريخي كبير على غرار مدينة صفاقس العتيقة والمنستير وزغوان وغيرها من المدن".
ويقول منتصر جمور إن "ما يميز المدن العتيقة في تونس عن غيرها من المدن الأخرى في العالم أنها لا تزال تحافظ على وجودها، لأن السكان القدامى لم يتخلوا عن منازلهم وهم يمارسون كل الأنشطة التجارية والسياحية والدينية، فنجد المدارس والمستشفيات ودور الثقافة والبنوك وغيرها من الخدمات على عكس مدن قديمة داخل بعض البلدان الغربية التي هجرها سكانها".
أخطار محدقة
وبخصوص أبرز الأخطار التي تهدد هذه المدن، بحسب جمور،" تدهور بعض المباني التراثية التي تتطلب صيانة دقيقة، وهي عملية ليست بالسهلة وذات خصوصية فنية وتاريخية وتستوجب يداً عاملة متخصصة لها دراية بترميم هذه المعالم دون المساس بالخصوصيات التراثية".
وأضاف المتخصص "أيضاً يجب الاعتماد على مواد طبيعية صديقة للبيئة من أجل الترميم وكل هذا يحتاج موارد كبيرة، وهي عملية مشتركة بين الجميع وبخاصة إذا كانت ملكاً للخواص"، موضحاً أن عمليات الصيانة تنفذ وفق مواصفات عمرانية تتماشى مع الخصوصيات المعمارية للمدينة العتيقة للعمل على عدم تشويهها، وهذا يتطلب مراقبة دورية وحملات توعية للفاعلين ولسكان هذه المدن بقيمة هذه المباني التاريخية".
وأثنى منتصر جمور على دور المجتمع المدني الذي يقوم بعدد النشاطات التي تعمل على تثمين والمحافظة على المدن العتيقة وبخاصة في مدينة تونس العتيقة، ومن الخطوات الأخرى المهمة التي تجعل هذه المدن تتماشى وروح العصر، وفق رأيه، "محاولة دمج عدة تقنيات حديثة وبخاصة في التظاهرات الثقافية التي تسعى أساساً للمحافظة على النسيج العمراني لهذه المناطق التراثية"، ومن هنا يؤكد الجلاصي "إمكانية التوفيق بين المحافظة على الطابع المعماري الأصيل ومتطلبات الحياة الحديثة".
وأفاد رئيس قسم المعالم والمواقع الإسلامية في المعهد الوطني للتراث أنه خلال عام 2025 زار المدينة العتيقة بتونس أكثر من 5 ملايين سائح، ويعد جمور "مدينة تونس متحفاً مفتوحاً وترتكز على السياحة الثقافية ويعيش فيها السائح حياة العائلة الأرستقراطية القديمة، في تجربة فريدة من نوعها يتعرف خلالها على العناصر الثقافية لهذه المدينة".
بالنسبة إلى المدن العتيقة في عدة جهات من تونس، يرى المتحدث أنه من أجل رفع الحركة السياحية والاقتصادية لها نفذ مشروع تهيئة لتثمين المسالك الثقافية داخلها على غرار محافظتي زغوان والكاف وغيرهما، ودعا إلى ضرورة التشجيع على الاستثمار داخل هذه المناطق من أجل تهيئتها واستدامتها وجعلها أكثر حركية.
وقال جمور إن المعهد الوطني للتراث يعمل على مشروع مهم يتمثل في إحياء المراكز العمرانية القديمة في عدد المحافظات تحت إشراف وزارة التجهيز والإسكان بالتنسيق مع وزارة الشؤون الثقافية والبلديات.
ومن المدن القديمة الأخرى داخل تونس نجد المدينة العتيقة في محافظة سوسة بالساحل التونسي والمحصنة بأسوار، وتضم الرباط والجامع الكبير، وهي مثال بارز للعمارة العسكرية والدينية في العصر الأغلبي.
أيضاً من أقدم المدن الإسلامية في أفريقيا مدينة القيروان العتيقة، وتشتهر بجامع عقبة بن نافع والأحياء العتيقة ذات الطابع الروحي والعلمي، وكذلك مدينة صفاقس العتيقة بالجنوب التونسي وهي محاطة بأسوار متينة ذات طابع تجاري وحرفي، وتعد من أفضل المدن العتيقة حفظاً في تونس.
ثم تأتي محافظة نابل بالوطن القبلي وتضم مدينة عتيقة تعكس التراث الأندلسي وتشتهر بالصناعات التقليدية كالفخار والنسيج، ثم محافظة قفصة ومدينتها العتيقة بالجنوب الغربي للبلاد، وهي مرتبطة بالتاريخ الروماني والإسلامي وتجاورها واحات عريقة.
وفي الكاف بالشمال الغربي لتونس وهي مدينة عتيقة ذات طابع جبلي، تمتاز بحصونها ومعالمها الدينية القديمة، وأيضاً بنزرت وتجمع مدينتها العتيقة الطابعين العثماني والمتوسطي وتتميز بالميناء القديم، وتوجد المدينة العتيقة بزغوان وغيرها من المدن الأخرى.
أشغال شاقة
وتضمن المدن العتيقة عدة مشاريع سياحية واقتصادية يعيش أصحابها تجاذبات كبيرة بين ضرورة الربح ومجاراة العصر وبين إكراهات الحفاظ على الطابع المعماري للمكان.
وضمن هذا السياق تقول المستثمرة ليلى بن بلقاسم إنها "اقتنت منزلين يعودان إلى القرن الـ15 وسط مدينة تونس العتيقة، وحُوِّلا إلى نُزلين سياحيين أو بما يعرف بيوت ضيافة".
ووصفت بن بلقاسم رحلة الحصول على التراخيص وعلى ترميم هذه المعالم بالأشغال الشاقة، وقالت "تعرضت إلى كل المصاعب في هذه الرحلة، أولاً عندما يقرر أحدنا شراء منزل عمره 300 سنة أو أكثر أول تحدٍ يواجهه هو البحث عن كل الورثة وإقناعهم بالبيع، ثم تبدأ رحلة الحصول على ملكية العقار ثم عملية الترميم، وهي الأصعب".
وتؤكد المتحدثة "يجب الحصول على موافقة البلدية وجمعية صيانة المدينة، وهنا تحدٍ آخر يتمثل أساساً في النزاع بين الطرفين حول كيفية الترميم"، وترى أن "مدة الانتظار من أجل إنهاء إجراءات ترميم منزل أثري في المدينة العتيقة تصل إلى عامين، مما يجعل الاستثمار في هذه المنطقة أصبح غير مرغوب فيه لبعضٍ".
وترى بن بلقاسم أن "أكبر عبء أصبح يعرقل المستثمرين داخل هذه المناطق هو إدراج المدن العتيقة ضمن الإرث العالمي لليونيسكو، وهذا يعني أن عملية الترميم ستكون مراقبة بدقة شديدة تصل أحياناً إلى تكبيل أصحاب العقارات والتفريط فيها أو يتصرف بعض السكان بطرق فردية دون الرجوع إلى السلطة للحصول على رخص"، مشيرة إلى أن "اتباع الإجراءات القانونية أصبح أمراً معقداً وطويلاً جداً حتى من أجل تغيير نافذة أو بناء حائط صغير".
وأفادت ليلى بن بلقاسم أن عملية الترميم التي قامت بها للمعالم الأثرية كانت بالتعاون مع جمعية صيانة المدينة التي وفرت لها المشورة المعمارية وأيضاً الحرفيين المتخصصين في ترميم المعالم والنقوش، مضيفة أنها "في بداية بعث المشروع قبل الثورة تحصلت على قرض مالي في إطار برنامج لتشجيع المستثمرين من أجل ترميم مثل هذه المنازل واستغلالها، لكن بعد الثورة لم يتواصل هذا البرنامج وقمت بترميم المنزل الثاني من طريق تمويل شخصي".
نقاط سوداء
من جانبها، تقول مديرة جمعية صيانة المدينة ومديرة مؤسسة التراث والمدن التاريخية للمدن العربية سلاف العويديدي أنه "مهما كانت حال المدن العتيقة، فهي تبقى ذات أهمية تاريخية كبيرة ويجب المحافظة عليها ولا نتركها فريسة سهلة للحداثة على كل المستويات وبخاصة على المستوى العمراني".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف العويديدي أن "مدينة تونس العتيقة لا تزال تحافظ على نسيجها العمراني على عكس المدن العتيقة الأخرى بمناطق أخرى من البلاد، والتي يوجد بها أحياناً ما يسمى النقاط السوداء وهي عبارة عن مبانٍ متداعية للسقوط بسبب عدم صيانتها".
وبخصوص المحافظة على هذه المدن تقول المتحدثة إن سكان هذه المدن يجب أن يكون مستوى وعيهم بأهمية هذا التراث عالياً جداً، وعن إغراءات الحياة الحديثة في البناء والمعمار تؤكد "نسعى كجمعية إلى مرافقة وتوجيه أصحاب المنازل والمشاريع عندما يقومون بتغييرات أو ترميم من خلال إعطائهم أفكاراً تتماشى وروح العصر، وفي الوقت نفسه تحافظ على الخصائص العمرانية للمكان".
وشددت العويديدي على أهمية توعية الناشئة الذين يسكنون ويدرسون داخل المدينة العتيقة بأهمية المكان الذي يعيشون فيه وضرورة الحفاظ عليه، وأكدت أهمية دور البلديات للمحافظة على المدن العتيقة في كل الجهات، مضيفة أن بلدية تونس على عكس عدة مدن أخرى تقوم بدور مهم جداً للمحافظة على المدينة العتيقة وتثمين معالمها الأثرية، وترى أيضاً أن دور الجمعيات يختلف من مدينة إلى أخرى، مواصلةً "وهذا يضبطه التمويل المالي الذي يلعب دوراً أساساً في تثمين هذه المدن الموجودة في غالب المحافظات التونسية".
وأضافت مديرة جمعية صيانة مدينة تونس أن" المدينة تزخر بتراث معماري كبير جداً يحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام، وهذا يتطلب إمكانات مادية وبشرية كبيرة، وحالياً يوجد مشروع كبير جداً لترميم جامع الزيتونة المعمور والأسواق المحيطة به وأيضاً جامع عقبة بن نافع بالقيروان، وذلك بإشراف وزارة الثقافة وبتمويل سعودي".
وتبلغ مساحة مدينة تونس نحو 270 هكتاراً (2.7 كيلومتر مربع) وتعد من أكبر المدن العتيقة في العالم العربي، وتضم نحو 700 معلم تاريخي ومدينة تونس العتيقة أو تونس القديمة أو المدينة العربي، وهي الجزء العتيق من مدينة تونس وقلب العاصمة التونسية، وتعد الآن مركزاً عالمياً للتراث وصنفت منذ عام 1979 ضمن لائحة مواقع التراث العالمي لليونيسكو، وتأسست عام 698 حول جامع الزيتونة، الذي يعد أقدم المعالم الدينية بالعاصمة داخل المنطقة المغاربية.
اكتسبت مدينة تونس العتيقة أهمية كبرى عبر التاريخ، فإضافة لكونها أول مدينة عربية إسلامية في المغرب العربي، كانت أيضاً عاصمة لكثير من السلالات الحاكمة في المنطقة، منهم بنو خراسان والحسينيون، وهي بذلك مثلت نموذجاً للمجتمع الإنساني الشاهد على نتاج التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في الفن المعماري.
وتزخر مدينة تونس العتيقة بالمعالم الأثرية التي تروي تاريخ تونس عبر القرون، ومن أبرزها القصبة والأسواق مثل سوق العطارين وسوق البركة وسوق الباي، والبيوت والقصور مثل دار حسين ودار الأصرم ودار عثمان، وأيضاً الجوامع والمساجد أهمها جامع الزيتونة وجامع يوسف صاحب الطابع وجامع القصبة، وكلها معالم أثرية تحتاج إلى المحافظة.
غياب شبه تام للصيانة
بعيداً من العاصمة بالجنوب التونسي تشهد مدينة صفاقس العتيقة واقعاً تعيساً يهدد شموخها وأسوارها التاريخية، المارون من هنا يلاحظون الجدران المتداعية للسقوط والمعالم الأثرية المهجورة خوفاً من سقوطها، ويقول ابن المدينة والناشط في المجتمع المدني رياض حاج طيب "المدينة العتيقة تغرق في الإهمال، وفشلت البلدية حتى في نظافتها فتراكمت الفضلات في كل أرجائها".
وأضاف حاج طيب "حتى سور المدينة التاريخي لم ينج من الإهمال، وظل أسير تقاعس إدارة ضعيفة لم تستطع حتى حمايته أو ترميمه، وتركت العابثين يعزفون فوقه سيمفونية الخراب".
ويواصل حاج طيب بمرارة "رقعة صغيرة من أرض صفاقس كانت ربوة، وتحولت إلى مدينة بأسواقها ومساكنها ومعالمها الدينية والأثرية من تحفة معمارية شاهدة على عصور قاومت الاستعمار وصارت اليوم تعاني الإهمال الشديد".
وفي هذا الصدد قام أيمن الفخفاخ بمبادرة تطوعية بالتعاون مع جمعية صيانة مدينة صفاقس من خلال تقييم الحال التي عليها المباني والأسوار التاريخية، ووضع حلول عملية للتثبت من الهياكل المهددة بالاندثار، ويقول إن "الإهمال المتواصل والغياب شبه التام للصيانة جعل السير في أزقة مدنية صفاقس القديمة مخاطرة كبيرة، حيث إن غياب خطة واضحة للحفاظ على هذا التراث يجعل المدينة عرضة للكوارث".
ومن أبرز المباني الأثرية التي عاينها الفخفاخ منزل الباشا الذي يعود إلى القرن الـ19، حيث ظهرت عليه شقوق كبيرة، وأيضاً برج الحراسة الشمالي الذي يوجد في سور المدينة والذي يعاني تآكلاً شديداً، إضافة إلى التصدعات في أزقة سيدي منصور.
ومن جانبها، نظمت بلدية صفاقس خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي ورشة عمل حول إعادة تهيئة وتوظيف المدينة العتيقة كقطب سياحي وثقافي واقتصادي، ويحتوي مشروع إعادة تهيئة وتوظيف المدينة العتيقة على صيانة المباني التاريخية، وصيانة الشبكات العمومية وتهيئة الأزقة والساحات وتحسين الواجهات وحماية المنشآت التاريخية وأيضاً تهيئة المسلك السياحي وتهيئة السور ومداخل المدينة العتيقة، إضافة إلى خلق أنشطة متنوعة لإعادة إحياء المدينة العتيقة.
على غرار مدينة صفاقس القديمة يواجه غالب المدن العتيقة في تونس أخطار الاندثار مما جعل مهمة الحفاظ عليها تحدياً صعباً أمام السلطات المعنية.