Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انهيار النظام الصحي يعرض حياة السودانيين للخطر

يعمل الأطباء تحت ضغط هائل وبإمكانات محدودة في وقت يواجه فيه المرضى خطر الوفاة

يعمل الأطباء تحت ضغط هائل (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

"لم يعد الطب هنا علماً فقط، بل صموداً. أحياناً تشعر أنك تقف في معركة غير متكافئة بين ما تعرفه طبياً وما تملكه فعلياً".

يواجه النظام الصحي في السودان، في ظل الحرب الدائرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، انهياراً واسعاً نتيجة استهداف طرفي النزاع للمستشفيات، فضلاً عن النقص الحاد في الكوادر والإمدادات الطبية، مما حرم ملايين المواطنين من الحصول على العلاج.

في هذا الواقع المتدهور يعمل الأطباء تحت ضغط هائل وبإمكانات محدودة، في وقت يواجه فيه المرضى خطر الوفاة بسبب غياب الرعاية الصحية. وعلى رغم المحاولات المحدودة لإنقاذ الحالات الحرجة عبر مبادرات متفرقة، فإن استعادة النظام الصحي تبقى مرهونة بدعم مستدام وإعادة بناء شاملة.

معركة غير متكافئة

يقول الطبيب محمد الأمين، الذي يعمل في أحد المستشفيات الحكومية في الخرطوم، إن "اللحظة التي أدركتُ فيها انهيار المنظومة الصحية لم تكن عند نقص الدواء، بل عندما توقف المكان نفسه عن أداء وظيفته". ويضيف "كنا في منتصف المناوبة عندما سمعنا صوت انفجار قريب. لم تكن تلك المرة الأولى، لكن الضرر هذه المرة كان مباشراً، إذ خرج جزء من المستشفى عن الخدمة، واضطررنا إلى نقل المرضى على وجه السرعة، بعضهم كان في حالات حرجة. لم يكن لدينا وقت للتفكير، بل كنا نحاول إنقاذ من يمكن إنقاذه". وتابع "بعد ذلك، لم يعد السؤال كيف نعالج المرضى، بل أين؟ توقف عدد كبير من الأقسام، وتعطلت الأجهزة، وغادرت بعض الكوادر. أصبحنا نعمل بأدنى الإمكانات، نحاول سد الفجوة، لكنها كانت أكبر منا".

 

 

ويزيد الطبيب السوداني "لم يعد الطب هنا علماً فقط، بل صموداً. أحياناً تشعر أنك تقف في معركة غير متكافئة بين ما تعرفه طبياً وما تملكه فعلياً".

نقص حاد

في السياق ذاته أفاد هاشم محمد، وهو طبيب يعمل في مستشفى ميداني بأم درمان، بأن "العمل اليوم مختلف تماماً عما كان عليه قبل الحرب. في السابق، كان لدينا الحد الأدنى من الأدوات التي تمكّننا من تطبيق ما تعلمناه، أما اليوم فنضطر أحياناً إلى اتخاذ قرارات طبية في ظل نقص حاد في كل شيء. نواجه مراراً حالات تحتاج إلى تدخل عاجل، لكننا نصطدم بعدم توفر الأجهزة أو الأدوية اللازمة. وفي بعض الأحيان، نُجبر على المفاضلة بين المرضى، وهو أمر بالغ القسوة إنسانياً ومهنياً".

وأوضح أن "ساعات العمل طويلة، والضغط النفسي مرتفع، وكثير من الكوادر تعمل بصورة متواصلة مع فترات راحة محدودة، وفي بيئة غير آمنة. ومع ذلك، يواصلون العمل لأن البديل هو ترك المرضى من دون أي رعاية. كما أن هناك صعوبة في التواصل مع المرضى وذويهم، خاصة عندما نعجز عن تقديم العلاج المطلوب، وهو ما يجعل شرح الوضع أكثر تعقيداً، لا سيما في حالات الطوارئ". وشدد على أنه "على رغم كل ذلك، هناك إصرار من عدد كبير من الأطباء على الاستمرار، ليس لأن الظروف مناسبة، بل لأن الحاجة أكبر من أن تُتجاهل. غير أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر من دون دعم حقيقي، سواء على مستوى الإمدادات أو الحماية أو الدعم النفسي للكوادر الطبية".

حياة أو موت

في ظل تراجع الخدمات، يواجه المرضى تحديات متزايدة في الحصول على العلاج، مما يؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات خطرة أو الوفاة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال المتخصص في الصحة العامة الرشيد أبو بكر إن "أحد أخطر آثار تدهور النظام الصحي يتمثل في معاناة المرضى الذين يعتمدون على علاج مستمر، مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم والفشل الكلوي وسائر الأمراض المزمنة، إذ يجدون أنفسهم فجأة من دون إمكان للوصول إلى العلاج أو المتابعة. وفي حالات الطوارئ، يكون الوضع أكثر خطورة، لأن تأخر الحصول على الرعاية أو غيابها قد يكون مسألة حياة أو موت. وهناك تقارير متزايدة عن وفيات كان يمكن تفاديها لو توفرت خدمات صحية أساسية". وأضاف، "نشهد تراجعاً في خدمات الوقاية، مثل التطعيمات، مما يفتح الباب أمام أخطار صحية إضافية على المدى المتوسط، بخاصة بين الأطفال. فالمشكلة لا تقتصر على غياب المرافق، بل تشمل أيضاً صعوبة الوصول إليها، إذ قد تكون المستشفيات العاملة بعيدة أو يتعذر بلوغها بسبب الوضع الأمني أو ارتفاع كلف النقل". وتابع، "بوجه عام، لا تقتصر الأزمة الصحية الحالية على المرضى داخل المستشفيات، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، في ظل تزايد الأخطار الصحية وغياب منظومة قادرة على الاستجابة".

محاولات الإنقاذ

على رغم التحديات تظهر مبادرات فردية ومؤسسية لسد الفجوة، من خلال إنشاء مستشفيات ميدانية وتقديم دعم محدود من بعض المنظمات الإنسانية.

 

 

وقال صالح أشرف، المسؤول في إحدى المنظمات الإنسانية، إن "هناك جهوداً تُبذل على الأرض، لكنها لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياج. فقد جرى إنشاء بعض المرافق الصحية الموقتة وتوفير إمدادات محدودة، غير أن التغطية لا تزال جزئية. ويتمثل التحدي الأكبر في الاستمرارية، إذ إن تقديم دعم لمرة واحدة لا يكفي في ظل أزمة ممتدة". وأضاف "نحن بحاجة إلى تدخلات طويلة الأمد تركز على إعادة تشغيل المرافق الأساسية، ودعم الكوادر، وتأمين سلاسل الإمداد. إضافة إلى أن التنسيق بين الجهات المختلفة لا يزال محدوداً، مما يؤدي أحياناً إلى تكرار الجهود في بعض المناطق مقابل نقص حاد في مناطق أخرى".

 

 

وأشار إلى أنه "من الضروري أيضاً التفكير في إعادة بناء النظام الصحي بصورة تدريجية، وليس الاكتفاء بالاستجابة الطارئة، لأن ما فقده السودان ليس مجرد مستشفيات، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى إعادة تأسيس. وما نشهده اليوم لا يتجاوز كونه محاولات للحد من الانهيار، وهي بحاجة إلى دعم أكبر لتتحول إلى بداية تعافٍ حقيقي".

انهيار الخدمات

من جانبه أشار الخير طه، المسؤول في وزارة الصحة، إلى أن "المؤشرات الحالية تعكس حجماً غير مسبوق من التدهور في القطاع الصحي. ووفقاً للبيانات المتاحة، فإن ما بين 60 و70 في المئة من المرافق الصحية في مناطق النزاع قد تأثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالتدمير أو التوقف بسبب نقص الكوادر والإمدادات". وأضاف أن "ولاية الخرطوم وحدها شهدت خروج عدد كبير من المستشفيات المرجعية عن الخدمة كلياً أو جزئياً، ما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الاستيعابية للنظام الصحي. فبعض المستشفيات التي كانت تخدم مئات الآلاف، بل ملايين السكان، توقفت عن العمل، مما خلق فجوة كبيرة في تقديم الخدمات. وقد أدى تدمير مستشفى واحد إلى حرمان نحو مليوني شخص من الوصول إلى خدمات صحية منتظمة". وتابع، "تشير التقديرات إلى انخفاض كبير في معدلات التغطية الصحية، خاصة في الخدمات الأساسية مثل رعاية الأمومة والطفولة وعلاج الأمراض المزمنة. فعلى سبيل المثال، لم يعد عدد كبير من مرضى الفشل الكلوي قادراً على الوصول المنتظم إلى جلسات الغسيل، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على حياتهم".

واستطرد "إلى جانب ذلك، تأثرت سلاسل الإمداد بصورة كبيرة، إذ نعاني نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية، مع صعوبة إيصالها إلى بعض المناطق. إضافة إلى أن نسبة معتبرة من الكوادر الطبية غادرت مواقعها، سواء بسبب النزوح أو الظروف الأمنية، مما زاد الضغط على المرافق التي لا تزال تعمل".

وختم بالقول، "نحن أمام وضع صحي بالغ الخطورة يتطلب استجابة عاجلة قائمة على بيانات دقيقة، لأن استمرار هذا التراجع سيؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، ليس فقط بسبب الإصابات المباشرة، بل أيضاً نتيجة غياب الخدمات الصحية الأساسية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير