Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنقرة تطرق أبواب القرن الأفريقي في الصومال

ركزت المباحثات على تسريع برامج التدريب الجارية للجيش وتحسين جاهزيته للاستجابة للتحديات الأمنية الراهنة في خليج عدن والشق الجنوبي من البحر الأحمر

الصومال قد يمتلك أكثر من 30 مليار برميل من احتياطات النفط والغاز في مياهه الإقليمية (أ ف ب)

ملخص

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للعاصمة الصومالية تعد أول زيارة لرئيس غير أفريقي لمقديشو منذ عقود، في خطوة عكست اهتمام تركيا المتزايد بالصومال.

تشهد  العلاقات  التركية - الصومالية تطوراً ملحوظاً في الفترة القليلة الماضية، بخاصة في مجالي التعاون العسكري والأمني، إضافة إلى الاستثمار في مجال الاستكشافات البترولية، مما يطرح عديداً من الأسئلة حول المشروع التركي في منطقة القرن الأفريقي عموماً والصومال على وجه الخصوص، وما إذا كان يقتصر على التعاون الثنائي أم يرتبط بإعادة ترتيب الدور التركي في إطار نظرة أشمل تتعلق بالتوترات القائمة في منطقتي خليج عدن والبحر الأحمر، لا سيما بعد دخول جماعة "أنصار الله الحوثي" إلى خط المواجهة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، فضلاً عن التوترات التي شهدتها المنطقة منذ إعلان إثيوبيا عن مشروعها لإيجاد منفذ بحري في البحر الأحمر أو خليج عدن. فقد لعبت أنقرة دوراً رئيساً في تجميد "مذكرة التفاهم" التي وقعتها إثيوبيا مع حكومة إقليم أرض الصومال المطالبة بالانفصال، والهادفة إلى تمكين أديس أبابا من إيجاد منفذ بحري في السواحل الصومالية، مقابل اعترافها باستقلال الإقليم الشمالي الصومالي، مما تسبب في أزمة دبلوماسية بين مقديشو وأديس أبابا.

مباحثات عسكرية

في السياق، التقى قائد القوات البرية الصومالية، الجنرال سهل عبدالله عمر، نظيره التركي الفريق أول متين توكيل، في اجتماع ثنائي رفيع المستوى بهدف تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

وخلال المباحثات، ركز المسؤولان العسكريان على مجالات رئيسة عدة، بينها تعزيز التنسيق العملياتي المشترك في منطقة خليج عدن وتطوير قدرات الجيش الوطني الصومالي، وتكثيف جهود التعاون في المجال الاستراتيجية والتخطيط الدفاعي. وأشار موقع إخباري صومالي إلى أن المباحثات ركزت بصورة خاصة على تسريع برامج التدريب الجارية للجيش الصومالي وتحسين جاهزيته وتحديث الإجراءات العسكرية للاستجابة بصورة أفضل للتحديات الأمنية الراهنة في خليج عدن والشق الجنوبي من البحر الأحمر.

الاستثمارات النفطية

وتزامن هذا التطور مع إعلان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، أن سفينة الحفر التركية "تشاغري بك" ستصل إلى الصومال الجمعة، لتبدأ أولى عمليات الحفر البحري.

وأضاف أن النفط المستخرج من الصومال سيُستخدم في مشروع سيعود بالنفع الكبير على الصومال وشرق أفريقيا وتركيا.

فهل يمثل الوجود التركي عامل استقرار في منطقة القرن الأفريقي ومداخل باب المندب، وهل يمكن النظر إليه بصورة مستقلة أم كجزء من ديناميات الأمن الدولي في هذه المنطقة المرشحة لمزيد من المواجهات في إطار الحرب القائمة بإيران ومنطقة الخليج العربي؟

تعاون متعدد

من جهته، يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي عبدالرحمن أبو هاشم، أن العلاقات الصومالية– التركية تُعد من أبرز نماذج التعاون المتعدد الأبعاد في منطقة القرن الأفريقي، إذ تشمل قطاعات اقتصادية وسياسية وأمنية متشابكة.

ولفت إلى أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للعاصمة الصومالية تعد أول زيارة لرئيس غير أفريقي لمقديشو منذ عقود، في خطوة عكست اهتمام تركيا المتزايد بالصومال.

ويضيف على الصعيد الأمني، تمتلك تركيا قاعدة عسكرية في مقديشو تُعرف باسم قاعدة "تركسوم"، حيث تُشرف على تدريب القوات المسلحة الصومالية ضمن برامج طويلة الأمد تهدف إلى إعادة بناء الجيش الوطني. كذلك تعزز التعاون في الفترة الأخيرة عبر مشاركة البحرية التركية في دعم أمن المياه الإقليمية الصومالية.

أما على المستوى الاقتصادي، يرى أبو هاشم أن التعاون يشهد نمواً ملحوظاً، إذ تشارك الشركات التركية في مشاريع البنية التحتية وإعادة الإعمار، إضافة إلى تنامي التبادل التجاري، فضلاً عن الاهتمام المتزايد بقطاع الطاقة، بما في ذلك التنقيب عن النفط.

ويضيف أنه على المستوى التعليمي فقد أتاحت الجامعات التركية فرصاً واسعة للطلاب الصوماليين عبر برامج المنح التعليمية، بهدف تعزيز الروابط الثقافية والمعرفية بين البلدين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سياق إقليمي معقد

وفي السياق ذاته، يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي أن الشراكة التركية الصومالية تأتي في سياق إقليمي معقد، إذ تواجه الصومال تحديات تتعلق بوحدة أراضيها، خصوصاً مع تحركات بعض الأطراف الدولية نحو تعزيز علاقاتها المباشرة مع إقليم أرض الصومال من دون التنسيق مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو. كذلك تلعب إثيوبيا دوراً مؤثراً في المشهد، سواء عبر التوترات الحدودية أو دعم بعض الأقاليم الصومالية بصورة غير مباشرة، مما دفع مقديشو لتقوية علاقاتها الدبلوماسية والاستراتيجية مع قوى إقليمية، أهمها أنقرة.

وأشار إلى أن هذا المسعى يهدف بالأساس إلى ترسيخ سيادة مقديشو وتعزيز حضورها في مختلف الأقاليم الصومالية، مما يجعل الدعم التركي إحدى الركائز الأساس في استراتيجيتها.

ويوضح أنه لا يمكن إغفال التنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي، إذ تتقاطع مصالح قوى إقليمية إسرائيل وإثيوبيا وغيرهما من جهة، في مقابل دول أخرى تسعى إلى دعم جهود الحكومة الصومالية الرامية للحفاظ على السيادة الصومالية ووحدة أراضيها من بينها تركيا ومصر وغيرهما، مما يفسر تسارع وتيرة التحركات التركية– الصومالية.

عامل توازن إقليمي

بدوره يرى المحلل السياسي الصومالي محمد عبدي، أن الطفرة التي تشهدها العلاقات بين أنقرة ومقديشو تنطلق من أرضية إدراك مشترك حول التحديات التي تواجه المنطقة ككل، مشيراً إلى أن مجالات التعاون لا تقتصر على قطاع بعينه بل تتنوع بين الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى التعاون في المجالات العسكرية والأمنية.

ويرى عبدي أن حكومة حسن شيخ محمود نجحت في إحباط مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وحكومة إقليم أرض الصومال، بمساعدة تركية، وأن "إعلان أنقرة" الموقع بين مقديشو وأديس أبابا في العاصمة التركية، بمثابة "أهم الإنجازات التي تحققت خلال الأعوام الأربعة الماضية"، لجهة اعتراف إثيوبيا بالحدود السيادية الصومالية، موضحاً أن التوصل لهذا الاتفاق كان إحدى ثمرات التعاون الثنائي التركي – الصومالي.

ويضيف المحلل الصومالي أن الحضور التركي في الصومال ينبغي النظر إليه بوصفه عامل توازن في مواجهة أي مساعٍ أحادية قد تمس بوحدة الصومال، سواء عبر مشاريع انفصالية أو ترتيبات أمنية خارج إطار الدولة الفيدرالية. ولفت إلى أن هذه الديناميكية تتجاوز الإطار الثنائي لتؤثر مباشرة في معادلات الأمن والاستقرار في منطقتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

إذ لا يمكن النظر إلى الحضور التركي في الصومال بمعزل عن التوترات القائمة في محيط البحر الأحمر، موضحاً أن هذا الدور من شأنه الإسهام في إعادة ترتيب موازين القوى في منطقة تشهد تنافساً كبيراً بين قوى إقليمية ودولية.

حماية المصالح

ويوضح المحلل الصومالي أن اتفاقية التعاون الاقتصادي والعسكري الموقعة بين أنقرة ومقديشو في فبراير (شباط) 2024، تنص على التزام تركيا بمساعدة الصومال في الدفاع عن مياهه الإقليمية ضد أي أخطار داهمة من بينها التدخل الأجنبي في سيادته، إضافة إلى مواجهة التحديات المتعلقة بالقرصنة والتهريب. كذلك تلتزم تركيا بموجب بنود الاتفاقية بتدريب وإعادة بناء القوات البحرية الصومالية، بما في ذلك تسليحها بعتاد تركي يتضمن فرقاطات للبحرية الصومالية.

في المقابل، يرى عبدي أن الاتفاقات المبرمة بين الطرفين تضمن لـ"أنقرة مصالح استراتيجية من بينها التمدد في المياه الإقليمية الصومالية، في خليج عدن ومداخل مضيق باب المندب، مما يضمن تأمين سفنها التجارية المحملة بالمنتجات التركية المصدرة إلى القارة الأفريقية، بخاصة في ظل التحديات الأمنية التي يشهدها البحر الأحمر، مما يُحتم على أنقرة تعزيز وجودها العسكري في هذه المنطقة عوض الاعتماد على القوات الأوروبية الموجودة في جيبوتي".

عوائد اقتصادية

من جهة أخرى، يشير المحلل الصومالي إلى أن التعاون التركي الصومالي لا يقتصر على المجالات الأمنية والعسكرية فحسب، بل ثمة اتفاقات اقتصادية مهمة وواعدة تسعى تركيا من خلالها إلى استخراج النفط والغاز الصومالي، الذي تقدر بعض التقارير البحثية، بينها تقرير تابع لجهة في الحكومة الأميركية أشار إلى أن الصومال قد يمتلك أكثر من 30 مليار برميل من احتياطات النفط والغاز في مياهه الإقليمية، مما شجع أنقرة على توقيع اتفاقات حصرية للاستثمار في هذا المجال المهم، على أن تحصل على نحو 30 في المئة من عائداته الاقتصادية.

ويُقدر عبدي أن نجاح تركيا في استخراج البترول والغاز الصوماليين من شأنه أن يعيد ترتيب التحالفات القائمة ويعيد تشكيل الموازين الإقليمية في القرن الأفريقي، مرجحاً أن تفضي اكتشافات الطاقة إلى تقليل ذريعة الصراعات في المنطقة  وبوجه خاص مع الجارة إثيوبيا، إذ سيفتح ذلك مجالات واسعة لاعتماد الأخيرة على مصادر الطاقة القريبة من حدودها، عوض استيرادها من مناطق أخرى من العالم عبر ميناء جيبوتي، مما يقلل من كلفة فاتورة  الاستيراد  والمرور المفروضة عليها كونها دولة حبيسة.

ويختم المحلل الصومالي إفادته لـ"اندبندنت عربية" بالإشارة إلى أن الروابط السياسية والعسكرية والاقتصادية القائمة بين أنقرة ومقديشو يمكن وصفها بالتحالف الاستراتيجي، الذي تشكل في وقت وجيز لدرء تحديات تتعلق بوحدة وسيادة الصومال، وفي المقابل يسمح بحضور تركي فاعل وقوي في منطقة تعد من أهم ممرات الملاحة الدولية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير