Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يغير الإغلاق المبكر عادات المصريين؟

تساؤلات عن إمكان الاستمرار على هذه الحال بعد انتهاء الأزمة مثل كثير من دول العالم على رغم خصوصية المجتمع المصري

يجد المصريون متعتهم في المجال العام والمناطق المفتوحة (أ ف ب)

ملخص

مع الإغلاق المبكر الذي جرى اعتماده في مصر أخيراً ترشيداً للطاقة طرح البعض تساؤلاً عما إذا استمر هذا الوضع، أو حتى من دون استمراره فهل يمكن ﻷهل مصر التي لا تنام أن يغيروا من عاداتهم ويتبعوا إغلاقاً مبكراً مثلما يحدث في كثير من دول العالم أم أن الثقافة والعادات ستنتصر؟

منذ أن أُعلن أخيراً في مصر عن قرارات الإغلاق المبكّر في التاسعة مساءً بهدف ترشيد الطاقة فإن حالاً من الجدل انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي النقاشات العامة، بخاصة مع ظهور قطاع من المصريين أغلبهم يعيش في الخارج، أو له تجربة في الإقامة فترة بإحدى الدول الأوروبية، حول أن كثيراً من دول العالم المتقدم تغلق متاجرها في موعد مبكّر قد يصل إلى السادسة مساءً، وأن الحياة لها نظام متبع من الجميع، معددين أهمية وفوائد النوم المبكّر، وممارسة الأعمال باكراً، مقترحين لماذا لا يعمم هذا الإغلاق مثلما هو متبع في كثير من دول العالم؟

قوبل هذا الطرح باتفاق محدود من بعض المصريين وبمعارضة شديدة من أغلب قطاعات المجتمع التي فندت هذا المقترح بأنه لا يصلح ولا يتناسب على الإطلاق مع ثقافة الشعب المصري، ولا مع الوضع الاقتصادي الذي يجبر كثيراً من الناس على العمل في وظيفة إضافية، لتحسين وضعه المادي غالباً في واحد من الأماكن التي سيجري إغلاقها، طرح بعضهم أيضاً اختلاف طبيعة الطقس، بخاصة في الأعوام الأخيرة مع الارتفاع المتصاعد في درجات الحرارة، الذي يجبر الناس على قضاء كثير من مصالحهم في المساء والقيام بكل الأنشطة الترفيهية وحتى الاجتماعية، مثل اللقاءات العائلية وغيرها، إضافة إلى الاحتفالات الاجتماعية المختلفة، مثل حفلات الزفاف وأعياد الميلاد وغيرها بعد اعتدال الجو وانخفاض درجة الحرارة نسبياً. وفي الوقت نفسه عرض آخرون الأثر الكبير الذي يمكن أن يترتب على قطاعات اقتصادية مهمة من بينها السياحة، إذ إنه تُعرف القاهرة بأنها المدينة التي لا تنام، وبأن الحياة الليلية فيها واحد من أهم عوامل التميز والجذب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التساؤل الذي يمكن أن يطرح هنا هو أنه في ظل ما هو متوقع من حدوث أزمة عالمية في الطاقة حال امتداد الحرب وتصاعد الأحداث فإن وضع الإغلاق المبكر هنا سيطول أمده باعتباره أمراً خارجاً عن الإرادة، فهل يمكن أن يتكيف المصريون مع هذا الوضع، ويعتمدوه نهجاً لحياتهم لتتغير ثقافة المصريين المحبة للسهر والحياة الليلية أم أن الشعب المصري سيكون عصياً على التغيير وستنتصر العادات الممتدة منذ أعوام؟ وهل يمكن من الأساس نقل ثقافة معينة من مجتمع بعينه له طابع وظروف وقواعد وتطبيقها على مجتمع آخر يختلف بالكلية؟

تغيير العادات

من منظور أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة سعيد المصري، "القرار المتخذ حالياً لم يكن بغرض تغيير حياة الناس وعاداتهم، إنما جاء تواكباً مع أزمة معينة تتطلب ترشيد الاستهلاك، لكن لو كان هناك افتراض لتطبيقه بصورة دائمة فإن الأمر لن يكون بالسهل، لأن الناس ستتحايل وتوجد بدائل وحلولاً، وسيفشل في بعض المناطق التي لن يتماشى معها بأي حال من الأحوال، بصورة عامة تغيير نمط الحياة في أي مجتمع يكون بالاستدامة والاستمرارية فالناس ستعترض ثم تتحايل ثم تتكيف هذا في حال كان هناك إرادة سياسية قوية للتنفيذ والمتابعة الدقيقة".

 

ويضيف "المقارنة بدول أوروبا لا تصلح، لأن النظام مختلف كلياً، بالفعل تغلق المحال والمتاجر في توقيت مبكر قد يكون السادسة أو السابعة مساءً، لكن هذا مرتبط بوجود نظام ساعات العمل، وأن المجتمع قائم بشكل كامل على العمل الرسمي، وما يغلق هو المحلات التجارية فقط، أما المناطق الترفيهية مثل المطاعم والمسارح والسينما فتظل تعمل باعتبار أن العاملين الذين أنهوا عملهم في ساعات العمل المعتمدة في الدولة يذهبون لها مساءً، في مصر الوضع يختلف كلياً فالاقتصاد غير الرسمي طاغ في المجتمع وقطاع ضخم من العمالة غير منتظمة والتحكم فيه بهذا الشكل أمر شبه مستحيل، إضافة إلى أن ثقافة المصريين وعاداتهم وتقاليدهم وطبيعة بيئتهم تختلف كلياً، ويجب مراعاة ذلك، وأخذه في الاعتبار عند اتخاذ أي قرار يمس نمط حياتهم".

ويتابع المصري "في حال افتراض الإغلاق مبكّراً فإن كل أشكال التحايل ستجري على هذا الوضع، فهناك من سينقل العمل وربما العمال إلى أماكن ليس عليها حظر، وهناك من سيحول نشاطه التجاري لمنزله وسيبتكر الناس كيراً من الحيل، لأن كل هذا يجري بشكل غير رسمي".

مقارنة ظالمة

المتابع تعليقات زوار مصر من العرب والأجانب ومقاطع الفيديو التي يقومون بتصويرها من مصر يجد إلى جانب المواقع السياحية والأثرية فإن هناك جانباً منها يركز على الطابع الخاص لمصر وخصوصيتها في أنها المدينة التي لا تنام بشكل يثير التساؤل والتعجب عن كيف لا تهدأ المدن الكبرى وكيف تستمر الحركة ويظل الناس في الشوارع إلى الساعات الأولى من الصباح، تصيب بعضهم حال من التعجب من أنه إذا أردت أي شيء في أي وقت فستحصل عليه، لأن الحياة تكاد تكون مستمرة طوال الليل والنهار.

وفق رؤية عضو المجلس القومي لحقوق السكان أيمن زهري "الحياة في مصر مستمرة طوال الليل والنهار بالفعل، لكن بنظام يشبه فكرة الورديات، المصريون لا يظهرون جميعاً في المجال العام، إنما بشكل متتابع، هناك فئة تعمل باكراً وتنهي يومها وتعود إلى منازلها، وأخرى تعمل في منتصف اليوم أو تقضي حوائجها، وكذا ثالثة يكون لديها عمل في المساء، إضافة إلى اعتماد كل جوانب الترفيه في المساء، حينما تغير هذا الوضع مع الإغلاق الموقت حالياً فإن فترة المساء تعتبر جرى إلغاؤها وانتقل أفرادها للصباح، ونتج من هذا ازدحام كبير، واختناقات مرورية غير عادية في مناطق متفرقة من المدن وحتى المدن الجديدة بسبب تغيير النظام القائم وتكدس أغلب الناس في وقت واحد".

 

ويضيف زهري "ما يثار عن المقارنة بأوروبا لا يصلح بأي حال من الأحوال لأسباب عدة، من بينها الفارق في التعداد السكاني بين مصر وأغلب دول أوروبا، فمصر يزيد سكانها على الـ100 مليون شخص، ويتركز سكانها في مساحة محددة مقارنة بالمساحة الكلية للبلاد بعكس كثير من دول أوروبا التي عدد سكانها أقل وينتشرون في مساحات واسعة، وكذلك اختلاف طبيعة الطقس، فالأجواء الحارة طوال شهور الصيف تجبر الناس على قضاء كثير من مصالحهم، وكذلك القيام بالأنشطة الاجتماعية، وكل ما يتعلق بالترفيه مساء بعد اعتدال الجو".

ويتابع "الأمر هنا لا يتعلق فقط بساعات العمل، لكن بثقافة الناس وطبيعتها، المصريون يجدون متعة في المجال العام والمناطق المفتوحة، فعلى سبيل المثال المقاهي يمكن اعتبارها بمثابة نوادٍ للمصريين، وهناك أزمة حقيقية في عدم وجود مجال عام ومساحات مفتوحة يتجمع فيها الناس فيخلقون لأنفسهم بدائل، هناك قطاع من المصريين من كبار السن والمتقاعدين تكون هذه المقاهي هي المتنفس الوحيد لهم وأغلب قطاعات الشعب غير مشتركة في نوادٍ، والمتنزهات العامة محدودة فلا يمكن إغلاق المتنفس الوحيد للناس، تطبيق هذه القرار بصورة دائمة هو أمر غير منطقي، ولا يتلاءم مع الصورة الذهنية لمصر. الناس تعرف القاهرة بأنها المدينة التي لا تنام، من الضرورة البحث عن حلول، ومن الممكن أن يكون هذا الموقف دافعاً إلى العمل على التحول لمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، لأن مصر قادرة على ذلك، ولديها كل الإمكانات المتاحة".

وضع موقت

مثل كل بلاد العالم فإن كل الأعمال الحكومية والمصانع والمؤسسات العامة والخاصة على اختلاف نشاطاتها تعمل في الصباح الباكر ويتوجه موظفوها إلى مقرات عملهم باكراً، لكن قطاعات كثيرة من الأعمال ذات طابع مختلف تنشط في النصف الثاني من اليوم، وتزدهر في فترات من المساء، من بينها قطاع كبير من الأنشطة التجارية بمختلف أشكالها، وكل أشكال الترفيه، مثل الحفلات والسينما والمسارح، والمطاعم والمولات وحتى المراكز الطبية والخدمية، يتطلب هذا في أغلب الأوقات الاستعانة بوردية مسائية إضافية، باعتبارها ساعات الذروة التي يكون بها ضغط أكبر، يمتد أثر هذا إلى قطاعات أخرى قد لا ترتبط بالنشاط الأساس، مثل سائقي التاكسي وتطبيقات النقل المختلفة، وفي الوقت نفسه فإن بعض الأماكن التي تضم نشاطات معينة يمارسها الناس بعد انتهاء أعمالهم ستتضرر بشكل كبير، مثل الصالات الرياضية والنوادي وبعض القطاعات الخدمية.

يشير بعض المتابعين إلى الضرر الاقتصادي البالغ الذي يمكن أن يقع على فئات كثيرة واقع عليها بالفعل ضغوط اقتصادية كبيرة في الأعوام الأخيرة، وكيف أن هذا الوضع سيحملها فوق طاقتها، في حين أن قطاعاً آخر يرى أن المجتمع بحاجة إلى حال من التنظيم، وأن الأمر سيسبب ارتباكاً في البداية، لكن مع الوقت سيعاد تنظيم شكل وطابع الاقتصاد في المجتمع المصري.

 

فمن وجهة نظر أستاذ الاقتصاد السياسي كريم العمدة  "الإغلاق الحالي هو وضع موقت وكان سابقاً موعد إغلاق المحلات ما بين الساعة العاشرة والحادية عشرة وقد يمتد لمنتصف الليل في أيام الإجازات، وهذا موعد مناسب ويحقق مصلحة الجميع، لكن لا بد من أن تغلق بعض النشاطات في موعد مبكر مثل الورش وما يشابهها، بخاصة الموجودة في مناطق سكنية، لأنها تسبب ضرراً وإزعاجاً، الوضع في مصر يحتاج إلى شيء من التنظيم بشكل يحقق الفائدة، ويتناسب مع طبيعة المجتمع، فلا يمكن نقل نموذج أو تجربة من دولة أخرى أو مجتمع آخر طبيعته مختلفة وتطبيقها بشكل متطابق على المجتمع المصري لاختلاف كل الظروف".

ويستكمل "من ضمن طبيعة مصر أنها بلد سياحي، ومن الطبيعي أن تستثنى الأماكن السياحية من الإغلاق في جميع الأحوال لاعتبار أن لها طبيعة خاصة، وأنها ستنعكس على المجتمع بكامله بالفائدة، لكن وضع بعض القواعد التنظيمية لساعات العمل لن يضر، بل على العكس سيكون في صالح الجميع وسيتكيف معها الناس مع الوقت".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات