روحاني يعود لخيار المواجهة ضد صقور النظام

الرئيس الإيراني يلوّح بسلاح الاستفتاء العام... للوقوف على رأي الشعب في بعض القضايا الاستراتيجية المصيرية

الرئيس الإيراني حسن روحاني عاد خلال المؤتمر الصحافي الأخير إلى سياسة المواجهة مع القوى المحافظة في النظام (أ.ف.ب.)

يبدو أن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اختار الانتقال من مرحلة "المداراة" والتزام خيار الصمت في مواجهة الضعوط التي يمارسها جزء من النظام ضد إدارته السياسية والاقتصادية، إلى مرحلة "المواجهة" والحديث المباشر عن مصادر وجهات وقفت وتقف وراء الأزمات والمشاكل التي واجهتها وتواجهها حكومته في التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية، على حدّ سواء.

في مؤتمره الصحافي الأخير والذي تأخر لمدة سنتين، عاد روحاني لطرح موضوع "الاستفتاء العام" والوقوف على رأي الشعب الإيراني في بعض القضايا الاستراتيجية المصيرية، التي تحولت إلى مادة جدليّة وساحة صراع بين إدارته وبعض القوى داخل النظام، المحسوبة على التيار المحافظ بخاصة.

هي المرة الثانية التي يلجأ فيها روحاني إلى طرح موضوع الاستفتاء، من دون أن يكشف أو يحدد المواضيع التي يريد أن يطرحها على التصويب الشعبي، معتمدا أسلوب "الغموض البنّاء" في هذه المعركة التي تهدف إلى إيصال رسالتين واضحتين. الأولى تتعلق بمجال صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية، والتي سبق أن أشار إليها في مناسبات سابقة، بما يسمح له بحرية اتخاذ القرارات الاستراتيجية من دون الخضوع لإرادات ورغبات وسياسات جهات في النظام، قادرة على فرض تأثيرها على رأي وقرار قيادة النظام العليا. والثانية تحمل كماً من التحدي للتيار المحافظ المعارض له (روحاني)، واللعب على عامل خوف هذه الجماعة من الاستفتاء وإمكانية أن يتحول إلى آلية معتمدة، قد تفتح الطريق أمام إجراء استفتاءات أخرى تطال مواضيع لا ترغب هذه القوى في الاقتراب منها، خصوصا وأنها تعلم أن النتيجة التي ستخرج من هذه الاستفتاءات لن تكون في صالحها أو صالح التوجهات والمواقف التي تتبناها في إدارة النظام والدولة.

التصعيد الذي عاد للبروز في مواقف وتصريحات روحاني يأتي في الفترة التي عاد الحديث فيها عن الرجوع إلى تفعيل المسار الفرنسي في الوساطة بين طهران وواشنطن، لحل الأزمة الناتجة عن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض سلسلة من العقوبات الخانقة ضد الاقتصاد والنظام الإيرانيين. إذ عاد الحديث عن مساعٍ فرنسية لإعادة فتح قناة حوار أميركية- إيرانية حول المواضيع الخلافية التي طرحتها إدارة ترمب بعد قرار الانسحاب من الاتفاق النووي، وهو ما بات يُعرف في الأدبيّات السياسية الإيرانية بمرحلة "ما بعد الاتفاق النووي".

وأعاد مبعوث ترمب الخاص بالملف الإيراني، براين هوك، التأكيد عليها. وتشمل البرنامج الصاورخي والنفوذ الإقليمي ودعم الأذرع الإيرانية في المنطقة، وهي ملفات تعتبر بالنسبة إلى الأميركيين مصادر قلق يجب التوصل إلى تسوية حولها، بالإضافة إلى أن عدم حلها يشكل أيضا عائقا أمام أي تقارب إيراني- عربي (خصوصا مع دول الخليج)، والذي تحتاجه إيران في أي خطوة تسبق العودة للحوار مع واشنطن، وذلك من باب إقفال القدر الأكبر من الملفات المؤثرة على موقفها التفاوضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من تمسك روحاني وفريقه المفاوض بالشروط الإيرانية للموافقة على أي عملية تفاوضية مباشرة مع واشنطن، والتي تتلخص في العودة الأميركية عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي، ووقف جميع العقوبات الاقتصادية التي أعادت واشنطن فرضها على إيران بقرار واضح وصريح من الكونغرس، وإعادة تفعيل مسار الحوار في إطار مجموعة 5+1، والالتزام بالنتائج الاقتصادية التي أقرها الاتفاق النووي الذي يسمح لإيران بالعودة إلى تصدير نفطها بالمستويات الطبيعية المعترف بها في إطار منظمة أوبك والحصول على عائدات هذه المبيعات بالعملات الصعبة، قبل الحديث عن أي مفاوضات أخرى تشمل الملفات العالقة بينهما على المستويين الصاروخي والإقليمي، على الرغم من ذلك فإن روحاني عاد إلى لغة ولهجة التحدي على الصعيد الداخلي، عندما عاد للحديث عن استعداده لعقد أي لقاء مع أي جهة يرى فيه (اللقاء) ما يساعد على تخفيف المعاناة عن الشعب الإيراني، ويسهم في حل الأزمة التي تعاني منها إيران جرّاء العقوبات الاقتصادية، في عودة إلى ما سبق أن أعلن عنه قبل نحو شهر من استعداده لعقد لقاء مع الرئيس الأميركي.

عودة روحاني إلى طرح موضوع الحوار وكسر المحظورات السياسية، ترافق مع رفعه لسقف التصويب على بعض القوى الداخلية التي اتهمها بمساعدة الإدارة الأميركية على تشديد الخناق على إدارته، من خلال وقوفها وراء الأحداث التي شهدتها إيران قبل سنتين على خلفية انهيار بعض المؤسسات المالية والسكنية، في إشارة واضحة إلى الأحداث التي انطلقت من مدينة مشهد وعمّت نحو مئة مدينة وناحية في إيران، واستمرت لنحو شهرين، قبل أن تستطيع الحكومة والأجهزة الأمنية السيطرة عليها، وهي التي أسهمت في إرسال إشارات للإدارة الأميركية إلى إمكانية الذهاب إلى خيار الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية لإجبار الحكومة والنظام على تقديم تنازلات استراتيجية في الملف النووي والملفات الأخرى.

وبالتالي، فروحاني يقف على مفترق طرق بين الاستسلام للعراقيل التي تفرضها جماعات داخل النظام أمام إدارته ومنعه من استثمار الإنجازات التي حققتها حكومته على الصعيدين الداخلي والخارجي، خصوصا في الملفات الإقليمية التي استطاع فيها توظيف الإنجازات الأمنية والعسكرية لصالح المسار السياسي التفاوضي، بما يعزّز موقع إيران الإقليمي، إن كان في العلاقة مع الدول الخليجية أو فيما يتعلق بما يمكن اعتباره بالنتائج الإيجابية للدخول التركي إلى مناطق شرق الفرات السوريّة، وما أسهمت فيه من تسهيل عملية التفاوض بين النظام في دمشق والفصائل الكردية وعودتهم إلى الحضن السوري، بما يدعم التوجه الإيراني في التعامل مع هذه القضية، بانتظار تفعيل الحلول لأزمة محافظة إدلب في المستقبل القريب.

يبدو أن روحاني يسعى إلى تحقيق خطوات إيجابية على مسار حل الأزمات التي تواجه إيران دوليا وإقليميا، مستفيدا من الحاجة الأميركية، خصوصا لدى الرئيس ترمب، إلى تحقيق إنجاز على هذا المسار قبل الانتخابات الرئاسية، ولإدراكه أيضا أن أي تأخير في ترجمة التطورات إلى ما بعد الانتخابات الأميركية وإمكانية عودة ترمب إلى البيت الأبيض قد يعقّد الأمور ويعيدها إلى المربع الأول.

المزيد من تحلیل