ملخص
أشار موقع "بوليتيكو" إلى أنه بدأ بالفعل نشر تقارير عن تشكيل تكتلات فرعية داخل حلف شمال الأطلسي، إذ تنضم الدول الاسكندنافية ودول البلطيق إلى بريطانيا، ووفقاً لفينينكو فسيضم هذا التحالف أيضاً البرتغال واليونان وتركيا، أما التكتل الثاني فسيضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا ودول الـ "بنلوكس".
من الصعب الإقرار بأن التحالفات التقليدية لا تزال ذات أهمية، ولا سيما التحالفات القديمة عبر الأطلسي، إذ إن الصراع الحالي الدائر في الشرق الأوسط يشير إلى أن هذه التحالفات التقليدية فقدت جدواها ولم تعد مناسبة للواقع الجديد في السياسة العالمية، فعلى سبيل المثال فشلت الولايات المتحدة في ضمان انقياد حلفائها الأطلسيين لرغبتها في إشراكهم في هذه الحرب، وكذلك فشلت في ضمان أمن الدول المجاورة لإيران، وعلاوة على ذلك فهي تهدد بإعادة النظر في استمرار عضويتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتبدي أكثر وأبعد من عتب على دوله التي لم تمتنع فقط من دعمها في حربها ضد إيران، بل قامت دول عدة بإغلاق مجالها الجوي أمام طائراتها المتوجهة للمشاركة في هذه الحرب.
معاهدات التحالف
ويقول الجنرال الفرنسي شارل ديغول إن "المعاهدات الدولية مثل الفتيات الصغيرات والورود، كلاهما يذبل مع مرور الوقت، ويبدو أن منظمة حلف شمال الأطلسي تتلاشى أيضاً وبسرعة كبيرة"، كما كتب مدير "برنامج أوراسيا" بمعهد كوينسي في واشنطن العاصمة أناتول ليفين في كتابه "الحكم المسؤول".
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن في الـ14 من فبراير (شباط) 2024 "أن حلف الـ 'ناتو' عديم الجدوى تماماً ولا طائل منه، وله غرض واحد فقط وهو أنه أداة في يد السياسة الخارجية الأميركية"، مضيفاً "الآن وقد فشلت هذه الأداة وترفض العمل، فماذا عسانا نفعل بها؟ المشكلة ليست في ترمب وفريقه بل في العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وتغيير السلطة في واشنطن سيزيد الوضع سوءاً لا تحسيناً، وعلى الأوروبيين التفاوض مع ترمب لا انتظاره أن يُغير موقفه".
لقد زرعت الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران أو كشفت ببساطة عن خلافات قد تكون قاتلة، واعتبر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في الثاني من أبريل (نيسان) الجاري أن إضعاف الـ "ناتو" وتخفيف العقوبات عن روسيا سيكونان بمثابة تحقيق لرغبات فلاديمير بوتين وخطة لتحقيق حلمه، وكتب على منصة "إكس" أن "خطر انهيار الـ 'ناتو' وتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا وأزمة الطاقة الهائلة في أوروبا ووقف المساعدات لأوكرانيا ومنع أوربان من قرض لكييف، و كل هذا يشبه حلم خطة بوتين".
وهذا الأسبوع كان زعيم حزب "البديل من أجل ألمانيا"، تينو خروبالا، والمتحدث الفيدرالي باسمه، أول من أطلق نداء أثلج قلوب مستمعيه في موسكو "لنبدأ بتطبيق ما ينص عليه بيان حزبنا، سحب جميع القوات الأميركية من ألمانيا"، مشيراً إلى أنه لا يمكن اعتبار وطنه قوة ذات سيادة حقيقية طالما وُجدت قواعد أجنبية على أراضيه لا يملك عليها سلطة حقيقية.
وأشاد خروبالا بقرار الحكومة الإسبانية حظر استخدام القواعد العسكرية والمجال الجوي للبلاد في الحرب مع إيران، وقال "يُسمح للسفن التي ترفع العلم الإسباني بالمرور عبر مضيق هرمز، ولماذا مُنح الإسبان هذا الإذن؟ لأن مدريد أغلقت قواعدها بسبب الحرب مع إيران، وقد تصرفوا بصورة صحيحة"، وكان هذا رداً غير مباشر على تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخير الذي أشار فيه إلى أن "دولاً مثل بريطانيا" التي رفضت المشاركة في الحرب مع إيران، يجب أن "تنتج نفطها بنفسها".
وتسمح طهران رسمياً بمرور سفن النفط المتجهة إلى الدول المحايدة عبر مضيق هرمز، لكن من الواضح أنها لن تعتبر الدول الأوروبية الشريكة للولايات المتحدة في الـ "ناتو" محايدة حقاً، وإذا استمرت الحرب وتفاقمت أزمة الطاقة في أوروبا فستتعالى حتماً الدعوات إلى أن تحذو الدول الأوروبية الأخرى حذو إسبانيا.
وأبرز مصير دول تستضيف قواعد عسكرية أجنبية في هذه الحرب أخطار استضافة قوات مسلحة غريبة لا تخضع لرقابة الدول المضيفة، وقد بدأت فرنسا وإيطاليا بالفعل في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، فقد رفضت إيطاليا تزويد الطائرات الأميركية المتجهة إلى الحرب بالوقود، بل إن فرنسا أغلقت مجالها الجوي أمام الرحلات الجوية الأميركية المشاركة بالحرب، وكما كان متوقعاً فقد ثار غضب ترمب وكتب أن الولايات المتحدة ستتذكر أن حلفاءها لم يقدموا لها العون عند الحاجة، محذراً بريطانيا وفرنسا قائلاً "سيتعين عليكم أن تتعلموا كيف تدافعون عن أنفسكم، فالولايات المتحدة لن تقدم لكم الدعم بعد الآن، وتماماً كما لم تقدموا لنا الدعم".
وبأسلوب أكثر تحفظاً لكنه لم يخل من التهديد، صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو قائلاً "إذا كان الـ 'ناتو' يتوقع منا الدفاع عن أوروبا ضد أي هجوم ولكنه لا يسمح لنا بالوصول إلى قواعدنا عندما نحتاجها فهذا ليس الخيار الأمثل، ومن الصعب المشاركة في هذا الأمر واعتباره في مصلحة الولايات المتحدة، ولذا يجب إعادة النظر في الخطة برمتها".
أزمة عابرة أم بداية انفراط الـ "ناتو"؟
يقول عالم السياسة ومدير الأبحاث في المجلس الروسي للشؤون الدولية، أندريه كورتونوف، "لم يفقد حلف الـ 'ناتو' قيمته تماماً بالنسبة إلى واشنطن، فالولايات المتحدة لا ترغب في فقدان نفوذها السياسي في أوروبا، ولا سيما في ظل احتمال نشوب صراعات قادمة مع الصين، وفي الوقت نفسه ستشهد العلاقات داخل الحلف تغيراً".
ولم تنسحب أية دولة من حلف الـ "ناتو" منذ تأسيسه عام 1949، ومن عام 1966 إلى عام 2009 لم تشارك فرنسا في الهياكل العسكرية للحلف لكنها ظلت عضواً سياسياً فيه، وفي كتابه الشهير "رقعة الشطرنج الكبرى" جادل مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، زبيغينيو بريجنسكي، بأن التوسع الأوروبي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الـ "ناتو" وليس من دونه، وكتب عام 1997 "لا تزال أوروبا الجديدة تتشكل، وإذا بقيت جيوسياسياً جزءاً من الفضاء الأوروبي الأطلسي فسيكون توسع الـ 'ناتو' ضرورياً"، وبالطبع لقد تجاوز الـ "ناتو" أزمات سابقة، فقد منع الرئيس الأميركي الأسبق داييت أيزنهاور الاستيلاء الأنجلو-فرنسي على قناة السويس عام 1956 بممارسة ضغوط اقتصادية على لندن وباريس، وكذلك استشاط الرئيس جونسون غضباً لرفض بريطانيا إرسال قوات إلى فيتنام، وخلال سبعينيات القرن الماضي عارضت الولايات المتحدة إنشاء شبكة أنابيب غاز من سيبيريا إلى أوروبا، وأغضبت فرنسا وألمانيا إدارة بوش برفضهما المشاركة في غزو العراق عام 2003، ومع ذلك تبدو الأزمة الحالية أسوأ بكثير، فباستثناء قضية قناة السويس، حيث أوقفت الولايات المتحدة الحرب، لم تمس أي من هذه القضايا مصالح حيوية لأي طرف، لا أوروبا ولا الولايات المتحدة، وقد أدركت واشنطن تماماً أن مشاركة أوروبا في حربي فيتنام والعراق ستكون رمزية بحتة، لكن لو أغلقت أوروبا بأكملها مجالها الجوي حالياً أمام الرحلات الأميركية بالإجماع لكان من شأن ذلك أن يقوّض بصورة حاسمة حملة واشنطن ضد إيران، أما بالنسبة إلى أوروبا فلم يكن لأي من مناوشاتها السابقة مع الولايات المتحدة أية عواقب مباشرة أو واضحة على اقتصاداتها وأنظمتها السياسية، لكن الحرب في إيران محفوف بالركود الاقتصادي الذي بدوره سيزيد حدة الانقسامات والتطرف في العالم القديم.
وعدا عن ذلك فخلال غزو الولايات المتحدة للعراق استشارت إدارة جورج بوش الابن حلفاءها ظاهرياً في الأقل وقدمت حججاً، أما إدارة ترمب فقد هاجمت إيران حتى من دون إخطار مسبق لحلفائها في الـ "ناتو"، متذرعة بمبررات متناقضة تنقصها الجدية والصدقية، بحسب خبراء في الشأن العسكري.
إن رفض حكومات أوروبا الغربية شن حرب على إيران يستند إلى مزاج شعبي راسخ، إذ تعارض الغالبية الساحقة في كل دولة الحملة الإسرائيلية – الأميركية، ويتفاقم هذا المزاج الشعبي المستاء بسبب الشعبية المتدنية للغاية لترمب وهجماته الفجة على الدول الأوروبية، وهذا عامل رئيس وراء نأي الحركات الشعبوية اليمينية، مثل حزب "البديل من أجل أوروبا"، بنفسها عن الحرب أو إدانتها، فهم في نهاية المطاف يصفون أنفسهم بالوطنيين ولا يمكنهم تحمل الظهور بمظهر المتواطئين في الاعتداءات على بلدانهم، وحتى في المملكة المتحدة التي تُعتبر الأكثر تأييداً للولايات المتحدة في الـ "ناتو"، أثار ترمب غضب الرأي العام بإهاناته للقوات المسلحة، حتى إن أحزاب المعارضة سارعت إلى الدفاع عن رئيس الوزراء كير ستارمر عندما أهانه ترمب شخصياً، ويعارض ما يقارب 60 في المئة من المستطلعة آراؤهم في بريطانيا استخدام الولايات المتحدة للقواعد البريطانية في الحرب، ويمكن تفسير هذا الرد الغاضب من الأوروبيين بتزايد الانكفاء الأوروبي تجاه أطماع وطموحات إسرائيل، ولا سيما بين جيل الشباب، فحتى قبل الهجوم على إيران أبدى ما بين 63 و70 في المئة من الأوروبيين المستطلعة آراؤهم نفورهم من إسرائيل بسبب ما يحدث في غزة، وفيما يتعلق بمستقبل السياسة الأوروبية فيذكر أن هذه النسب أعلى بكثير بين جيل الشباب.
تصدع الـ "ناتو" مع وقف التنفيذ
وبينما كان رئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي يطرق الأبواب للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي مطالباً بضمانات ومزايا بدأ تصدع الحلف وتفككه، ويتزايد إدلاء كبار المسؤولين في واشنطن بتصريحات حول انسحاب الولايات المتحدة من الـ "ناتو" مما قد يفضي إلى انهياره، وخلال مقابلة مع وكالة "رويترز" صرّح الرئيس الأميركي بأنه يدرس جدياً إمكان انسحاب الولايات المتحدة من الـ "ناتو"، وقال ترمب "بالتأكيد لا شك في ذلك، وهل كنت ستفكر في الأمر لو كنت مكاني؟".
وتوقع خبراء روس في القانون أن يحاول ترمب التحايل على القانون الذي يحظر عليه التفرد في الانسحاب من الحلف، وذلك من خلال الاستناد إلى صلاحياته الرئاسية في السياسة الخارجية، وبالتالي يستطيع ترمب الانسحاب من الـ "ناتو" بقرار حاسم، ولا سيما أن فريقه يدعمه في ذلك، وقد صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الداعم الرئيس للحلف، بأنه لا جدوى من عضوية الولايات المتحدة في الـ "ناتو" إذا لم تتمكن من استخدام القواعد الأوروبية أو لم تحظ بدعم أوروبي للعملية ضد إيران، فهل يُعد هذا ابتزازاً للحلفاء الأوروبيين أم مناورة سياسية حقيقية؟
وفي المقابل فإن انفصال أوروبا عن واشنطن يعرقله في واقع الأمر الصراع في أوكرانيا والخوف من هجوم روسي، وبالتالي الرغبة في الحصول على دعم عسكري أميركي، ومع ذلك وكما يتضح فليس فقط من مصالح موسكو المباشرة، بل أيضاً من التزام جيشها بقواعد الحرب والاشتباك في أوكرانيا، عدم إقدامه على اغتيال المسؤولين الأوكرانيين وهدم الجسور وضرب البنى التحتية المدنية والصناعية، لأن التهديد الروسي المزعوم وهمي ومبالغ فيه للغاية عكس الحرب في إيران، والتي كانت عواقبها على الاقتصادات الأوروبية حقيقية وحتمية، وفق خبراء في الشؤون العسكرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكلما طالت الحرب مع إيران ارتفعت الأصوات المطالبة في أوروبا بالتوصل إلى اتفاق مع طهران، بخاصة إذا خلصت النخبة الأوروبية إلى أن ضمانات الـ "ناتو" للحماية العسكرية الأميركية لم تعد سارية، ويطرح الخبراء الروس سؤالاً حول ما سيفعله ترمب بعد الحرب مع إيران؟ وقد جرى تداول فكرة أنه "لصرف الأنظار عن نتائجها في إيران وضمان الحصول على بعض التعويضات في الأقل فسيحاول الاستيلاء على غرينلاند"، وسيكون هذا بمثابة النهاية الحتمية للـ "ناتو"، فلا يمكن لأي حلف أن يصمد أمام هجوم صريح من قائده على أحد أعضائه العاديين.
وبحسب متابعين فإن الولايات المتحدة لم تتوقف عن الدفاع عن أوروبا وحسب بل هاجمتها بدلاً من ذلك، وإذا توقفت أوروبا عن العمل كمطار احتياط لإرسال القوات الأميركية إلى أجزاء أخرى من العالم، فإن الأسباب الرئيسة لوجود حلف شمال الأطلسي ستختفي.
الأسباب الموضوعية للتصدع
لا يسع الخبراء إلا التكهن بتداعيات الصراع الراهن على الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية، لكن بات من الواضح أن هيمنة الولايات المتحدة والغرب تتلاشى وأن بنيتها المؤسسية تتفكك، وقد أساهم في ذلك رفض الغرب الاعتراف بسلطته بموجب القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، وعزوفه عن ضم مراكز أخرى للنمو الاقتصادي والنفوذ السياسي مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا إلى منظومته، والأهم من ذلك أنه بعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب الباردة وانهيار التوازن الثنائي للقوى، تحققت كتلة حرجة معقدة من التغيير، ولقد أثبت النموذج السائد للاقتصاد العالمي، بتركيزه على الاستهلاك والإقراض والتجارة العابرة للحدود، أنه قد اُستنفد، ومع تنحية مبادئ القانون الدولي تتلاشى جميع مبادئ الاقتصاد الليبرالي، وكل شيء يقترب من نهايته، بما في ذلك الاقتصاد الحقيقي، وستتفوق الأصول الحقيقية على نظيراتها الرقمية.
ومع اقتراب نهاية العصر ستصبح صورة المستقبل الرقمية شيئاً من الماضي وسيعود العالم لها، ولكن في ظل ظروف جديدة جذرياً تضمن اتخاذ قرارات عقلانية وطويلة الأجل، يواجه العالم إعادة تقييم شاملة للقيم، وقد يكون الصراع الحالي في الشرق الأوسط هو الشرارة التي تُشعل فتيلها، ولا أحد ينكر الدور الحاسم الذي تلعبه هذه المنطقة في السياسة العالمية، وكل هذا سيشكل حرباً عالمية حديثة أو حرباً جديدة مدتها 30 عاماً، ويمكن إرجاع العد التنازلي لها إلى قرار توسيع الـ "ناتو" عام 1994، وتحول جميع السياسات الغربية إلى موقف دفاعي يتماشى مع منطق "فخ ثوسيديدس".
روسيا وتصدع الـ "ناتو"
ومع ظهور أولى علامات تصدع حلف شمال الأطلسي فقد اعتبر الممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، كيريل ديميترييف، أن " تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن حلف شمال الأطلسي لم يعد شريكاً موثوقاً به، أصبحت بمثابة شاهدة قبر الحلف"، وفي الرابع من أبريل الجاري كتب ديميترييف عبر منصة "إكس" أن "شاهد قبر ترمب الوحشي يخلد ذكرى حلف الـ 'ناتو' الراحل"، وأعلنت رئيسة الاتحاد الفيدرالي فالنتينا ماتفينكو أن الحلف بحاله الراهنة لن يجرؤ على مهاجمة روسيا، وقالت في الثالث من أبريل الجاري "لن تندلع حرب عالمية ثالثة بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، إذ لن يجرؤ الحلف على مهاجمة روسيا، ولن يجرؤ أحد، بما في ذلك الـ 'ناتو' على مهاجمة روسيا، وعلى أي حال يجب أن يعلموا، وسنرد بطريقة لن تكون سيئة ولا متكافئة".
وأشارت أيضاً إلى تأييدها تصريحات الرئيس ترمب حول عدم ضرورة استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين لتوفير مظلة أمنية لأوروبا، وفي ما يتعلق برفض أوروبا دعم الحرب الأميركية ضد إيران، عزت ماتفينكو ذلك لمستودعات الذخيرة الفارغة، وقالت "جرى نقل كل الأسلحة إلى أوكرانيا للحرب مع روسيا".
ووفقاً لماتفينكو لها فإن سيناريو الصراع العالمي الذي يضم كثيراً من المشاركين أمر غير مرجح، مضيفة "لن يجرؤوا على الاقتراب منا وسيخافون، ولن يكونوا قادرين على هزيمتنا"، معربة عن اعتقادها بأنه لا توجد أسباب كافية لحرب عالمية ثالثة حتى الآن وأن التنبؤات الكارثية غير مناسبة، ومع ذلك قالت رئيسة مجلس الاتحاد إنها لا تؤمن بانهيار حلف شمال الأطلسي، لأن الحلف موجود "للهجوم والتحريض على الصراع".
وأعربت ماتفينكو سابقاً عن ثقتها في المصالحة بين الشعبين الروسي والأوكراني، لكنها أشارت إلى أن ذلك سيستغرق عقوداً، وذكرت أن أوكرانيا ستدرك يوماً ما "ما حدث بالفعل، وكيف استغلها الغرب في محاولة لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا".
وأعلن رئيس لجنة مجلس الاتحاد المعنية بسياسة المعلومات والتفاعل مع وسائل الإعلام على قناة ماكس، أليكسي بوشكوف، أن التصدعات داخل الـ "ناتو" قد وصلت إلى أعماق لم يشهدها التاريخ الحديث، وكتب "على رغم أن الادعاءات المتعلقة بموت الـ 'ناتو' مبالغة، إلا أن التصدعات داخل الحلف قد وصلت إلى عمق لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث"، ووفقاً له فإن تحالف شمال الأطلسي يمر بأزمة داخلية حادة في وقت بلغ ذروة توسعه التاريخية، مشيراً إلى أن الـ "ناتو" كان يتوسع باطراد منذ عام 1997 ويضم مزيداً من دول أوروبا الشرقية، وقال إن الأزمة الأوكرانية نجمت عن محاولة توسيع الحلف مرة أخرى، وهذه المرة ليشمل أوكرانيا.
وبحسب ما أشار السيناتور فقد "كان هذا التوسع هو الشرارة التي أشعلت فتيل الصراع العسكري الذي فشل الغرب من خلاله في هزيمة روسيا لأربعة أعوام"، مضيفاً أن هذا التوسع أدى أيضاً إلى أزمة داخل التحالف الغربي تمثلت في خلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا حول حجم ونطاق الدعم المقدم لكييف، ولا تزال هذه الخلافات قائمة من دون حل.
وأضاف السيناتور أنه "علاوة على ذلك فقد زاد الصراع السياسي حول مصير غرينلاند من حدة التوتر، وهو ما أدى إلى تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا بصورة حادة، وعقب النزاع حول غرينلاند جاء الانقسام حول إيران مما دفع الدول الأوروبية الكبرى إلى رفض دعم الولايات المتحدة"، فيما أشار بوشكوف إلى أن الأزمة داخل المنظمة تؤكد الانتظام الجيوسياسي الذي بموجبه يبدأ انحدار الإمبراطوريات في اللحظة التي تصل فيها إلى أعلى نقطة في قوتها.
آراء الخبراء
أستاذ العلوم السياسية العالمية في جامعة موسكو الحكومية أليكسي فينينكو، توقع أن انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي سيؤدي إلى تشكيل تكتلات فرعية بين الدول الأوروبية قد تقودها ألمانيا والمملكة المتحدة، موضحاً أنه في حال انسحاب واشنطن من الـ "ناتو" فيمكن لألمانيا تبرير حاجتها إلى إعادة بناء جيشها بحجة افتقار أوروبا إلى قوة برية فعالة، وفي هذه الحال ستصبح ألمانيا قوة رائدة في أوروبا، وكذلك ستشارك المملكة المتحدة في تحديث جيشها وتعزيزه.
وأشار موقع "بوليتيكو" إلى أنه بدأ بالفعل نشر تقارير عن تشكيل تكتلات فرعية داخل حلف شمال الأطلسي لتنضم الدول الاسكندنافية ودول البلطيق إلى بريطانيا، ووفقاً لفينينكو فسيضم هذا التحالف أيضاً البرتغال واليونان وتركيا، أما التكتل الثاني فسيضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا ودول الـ "بنلوكس".
وأضاف الخبير أن المواجهة الألمانية - البريطانية في أوروبا ذات طبيعة تقليدية، لذا سيتعين على الدولتين تحقيق التوازن بين المتنافسين، وخلص إلى القول "لذلك من الممكن أنه في حال حدوث ضعف حاد أو انهيار لحلف الـ 'ناتو' فسنشهد بالفعل عودة لكتلتين فرعيتين مهمتين في أوروبا".
الصحافي الروسي الدولي سيرغي لاتيشيف حلّل تصريحات الرئيس ترمب في شأن شركائه الأوروبيين، واستذكر تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2019 حول الموت الدماغي للـ "ناتو"، وقال "مع وجود ترمب في السلطة أصبح الـ 'ناتو' بلا جدوى، فما زال الحلف موجوداً لكننا لم نعد نملك تحالفاً"، وفي الـ 31 من مارس (آذار) الماضي أشار وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى أنه بعد انتهاء الصراع في إيران ستقرر الولايات المتحدة مستقبل التحالف، وكذلك ذكر الخبير ثلاثة سيناريوهات محتملة لانسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي بمبادرة من ترمب ومن دون موافقة الكونغرس، تشمل إعلان وقف المشاركة في التكتل، أو الخروج من الهياكل العسكرية للحلف، أو الصراع مع أحد حلفاء الـ "ناتو".
روسيا ترحب بتفكك الـ "ناتو"
وترى روسيا أن الانقسام المحتمل في حلف شمال الأطلسي بسبب الصراع مع إيران هو بمثابة تأكيد على التناقضات الداخلية العميقة للحلف وعلامة على ضعف النفوذ الأميركي على حلفائه الأوروبيين، وتعتقد موسكو أن رفض الدول الأوروبية دعم الولايات المتحدة يشير إلى وجود خلافات داخل التكتل، وهو ما يفيد روسيا في الوضع الجيوسياسي الحالي، ويقول التقييم الروسي إن الـ "ناتو" فقد دوره وانتهت مهمته مع تفكك نظيره اللدود "حلف وارسو" عام 1991، وإن الانقسام الراهن بين الحلفاء هو نتيجة فقدان الحلف للدور الذي أُسس من أجله، وتشير موسكو إلى أنه لهذا السبب بالذات فإن معظم دول الـ "ناتو" لم تدعم الإجراءات الأميركية ضد إيران خوفاً من العواقب السلبية.
ويشير الخبراء الروس إلى أن الوضع مع إيران يعمق الانقسامات داخل الحلف الموجود بالفعل بسبب الصراع في أوكرانيا، وينظرون إلى هذا الانقسام على أنه مكافأة تضعف موقف الغرب الجماعي في المواجهة مع روسيا، وتعتقد موسكو كذلك أن الهيمنة الأميركية حتى على الحلفاء قد تضاءلت بسبب الصراع في إيران، وأن الولايات المتحدة قوضت سلطتها بالحرب الإيرانية، وأن صدقية الولايات المتحدة قد تضررت بصورة كبيرة بسبب الحرب على إيران، ولهذه الأسباب فمنذ أكثر من شهر لم تتمكن الولايات المتحدة من التعامل مع دولة في الجنوب العالمي يقل ناتجها المحلي الإجمالي واقتصادها عن اقتصاد الولايات المتحدة بعشرات المرات، وعلاوة على ذلك شنت إيران سلسلة من الضربات القوية ضد القواعد الأميركية في المنطقة، مما يدل على أن الوجود العسكري الأميركي في هذه البلدان مثله مثل الوجود الأميركي في دول الـ "ناتو" يمثل عامل خطر ولا يضمن أمن هذه البلدان أبداً، بل يقوضه بصورة مباشرة.
وأيضاً فبسبب عجز الولايات المتحدة عن فتح مضيق هرمز، الشريان النفطي الرئيس في العالم الحديث، ورغبتها في التنصل من المشكلة من طريق نقل المهمة إلى دول أخرى، فإن هذا يدمر صورة أميركا كحامي العالم وضامن استقرار الطاقة".
أخيراً فإن التصريحات المتناقضة الصادرة من واشنطن تزيد الأمور سوءاً وتخلق انطباعاً بالفوضى والارتباك، إذ إن الولايات المتحدة لم تكن لديها إستراتيجية أخرى سوى السعي إلى تغيير النظام الإيراني، وعندما فشل ذلك في الحدوث بسرعة ساءت الأمور حتى مع الحلفاء، لأن للنصر آباء كثر، بينما الفشل في تحقيق الهدف يتيم ومدعاة للفرقة والطلاق.