ملخص
مع تهديد إيران للممرات البحرية واستهدافها ما تقول إنها مصالح أميركية في دول الخليج لم تقتصر على القواعد العسكرية وإنما كذلك المنشآت المدنية، برزت معادلة أمنية جديدة، باتت معها حماية تدفق النفط مرتبطة مباشرة بحماية الأجواء والبنية التحتية الخليجية.
جاءت زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الخليج ولقاؤها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في توقيت بالغ الحساسية، بعد نحو شهر من اندلاع الحرب وتصاعد تداعياتها على أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
هذا التأخر الزمني لا يبدو عارضاً، فهو يعكس إدراكاً أوروبياً متأخراً لحجم التحول الذي أحدثه التصعيد، خصوصاً بعد أن أصبح مضيق هرمز شبه معطل، وهو الشريان الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. إلا أن ذلك التحدي منح السعودية فرصة غير متوقعة لكثرٍ، إذ تجاوزت كونها شريك طاقة تقليدياً إلى ركيزة جيوسياسية، خففت من حدة الاضطراب في الاقتصاد العالمي فضلاً عن جوارها الخليجي، مما يفسر تركيز ميلوني الصريح على ملف الإمدادات النفطية، في ظل اعتماد إيطاليا على دول الخليج بنحو 15 في المئة من حاجاتها.
لكن الطاقة ليست سوى العنوان الأبرز، لا القصة الكاملة. فمع تهديد إيران للممرات البحرية واستهدافها ما تقول إنها مصالح أميركية في دول الخليج لم تقتصر على القواعد العسكرية وإنما كذلك المنشآت المدنية، برزت معادلة أمنية جديدة، حماية تدفق النفط باتت مرتبطة مباشرة بحماية الأجواء والبنية التحتية الخليجية.
الدفاع الجوي من أجل الصداقة أم الطاقة؟
في هذا السياق، يمكن قراءة حديث ميلوني عن استعداد بلادها لتقديم دعم في مجال الدفاع الجوي، كجزء من صفقة غير معلنة تقوم على معادلة "الأمن مقابل استقرار أسواق الطاقة". وأوروبا التي وُصفت مواقفها بالمتخاذلة، تحاول عبر زيارات بعض قادتها أمثال الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون وميلوني ترميم صورتها كشريك أمني، ولو في إطار دفاعي، خصوصاً مع تزايد تساؤلات خليجية حول غياب موقف أوروبي حاسم كمؤسسة.
وكان الأمير محمد بن سلمان بحث مع ميلوني فجر مساء أمس الجمعة، تداعيات التصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط وأخطاره على حرية الملاحة الدولية وأمن إمدادات الطاقة، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية التي أفادت بأن الجانبين "استعرضا العلاقات الثنائية بين البلدين وفرص تطويرها".
وأضافت أنه جرى كذلك "بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية، وتداعيات التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأخطاره على حرية الملاحة الدولية وأمن إمدادات الطاقة، وانعكاسه على الاقتصاد العالمي، وتنسيق الجهود المشتركة بما يعزز أمن المنطقة واستقرارها".
وجاءت زيارة ميلوني إلى السعودية في إطار جولة خليجية تشمل أيضاً الإمارات وقطر، وفقاً لما ذكرته الحكومة الإيطالية على موقعها الإلكتروني.
وأوضحت ميلوني خلال لقاء تلفزيوني قبل وصولها إلى جدة أن جولتها الخليجية تبحث إمدادات الطاقة، وأردفت أن "دول الخليج صديقة لنا واستراتيجية لمصالحنا وزيارتي لها لفتة تضامن معها".
وقالت في تصريح صحافي، "على غرار بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تعتزم إيطاليا تقديم مساعدات لدول الخليج، تحديداً في مجال الدفاع، ولا سيما الدفاع الجوي".
تفادي إغضاب ترمب
في المقابل، لا يمكن فصل الزيارة عن البعد السياسي الأوسع، فميلوني المعروفة بقربها من دونالد ترامب، تتحرك ضمن مساحة رمادية بين الدعم الغربي للحرب ومحاولات احتوائها. وعلى رغم ما تردد عن تحفظها على استخدام قواعد بلادها في الهجوم على إيران، فإن زيارتها قد تحمل أيضاً جس نبض لدور وساطة محتمل، أو في الأقل استكشاف شروط التهدئة من وجهة نظر دول الخليج التي تجد نفسها على خط النار المباشر، مما يفسر تركيز المحادثات على "تداعيات التصعيد" و"تنسيق الجهود لتعزيز الاستقرار"، وهي عبارات دبلوماسية تختصر قلقاً حقيقياً من انزلاق الحرب إلى مواجهة أوسع.
وخلال تصريحات سابقة أكدت ميلوني أن تضامنها مع الخليج "لا يقتصر على كونها دولاً صديقة، بل لأن عشرات آلاف الإيطاليين يعيشون في المنطقة، وينتشر فيها نحو ألفي جندي إيطالي، وهم أناس نريد حمايتهم، بل يجب علينا حمايتهم".
وانتقدت وسائل إعلام إيطالية وأميركية مواقف روما حيال الحرب، واحتفاظها بما يشبه الحياد على رغم علاقاتها الجيدة مع ترمب واستهداف حلفاء أوروبا في الخليج. إلا أن ميلوني ردت على انتقادات الرئيس الأميركي لـ"الناتو" وأوروبا في هذا الصدد، قائلة "ليس لدى أوروبا كثير لتكسبه من الانفصال عن الولايات المتحدة فهي قبل كل شيء تدافع عن مصالحنا الوطنية، ولكن عندما نختلف يجب أن نقول ذلك، وهذه المرة نحن نختلف".
اقتصادياً، تكشف الجولة الخليجية عن محاولة أوروبية لإعادة التموضع في خريطة الطاقة العالمية، فمع ارتفاع كلف الشحن والتأمين واهتزاز سلاسل الإمداد، تبحث روما، ومعها أوروبا، عن بدائل أكثر استقراراً، بما في ذلك الممرات البحرية على البحر الأحمر التي تملك السعودية نفوذاً استراتيجياً عليها.
الراحة على طريقة ميلوني
وميلوني التي عرفت بمواقفها الخارجة عن المألوف، تذكر الصحافة الإيطالية أن زيارتها جاءت أشبه بـ"المغامرة" وتحدياً لنصائح المسؤولين في حكومتها.
وتقول "كورير ديلا سيرا" اليومية إن أحداً لم يكُن على علم بهذه الزيارة سوى الرئيس سيرجيو ماتاريلا، إذ تقررت في ختام جولة من الاتصالات المباشرة التي أجرتها رئيسة الوزراء مع سلطات الدول العربية، حتى إن وزراءها أمس وبعد انتهاء اجتماع الحكومة، نصحوها بالراحة خلال عطلة عيد الفصح، فأجابت "ستعرفون قريباً أين سأذهب لأستريح".
وتنقل الصحيفة الإيطالية أن أجهزة الاستخبارات كانت "نصحت بشدة" بعدم القيام بهذه المهمة في منطقة الحرب، "والتي كانت جورجيا ميلوني تعتزم تمديدها لولا أن الكويت عارضت ذلك لأسباب "أمنية" وبناءً عليه، اضطرت إلى حصر جولتها في السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، حيث أرادت أن تنقل تضامنها بصورة شخصية، قائلة ضمن تصريح إلى قناة "تي جي 1" إنها دول صديقة نساعدها في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية".
وكشف تقرير "التحديات الجديدة لمنتج صنع في إيطاليا" عن أن التوتر في منطقة الخليج يمس منطقة ذات أهمية من ناحية الطاقة والاقتصاد والتجارة وهي محورية لإيطاليا، لكن الأثر الاقتصادي يمكن احتواؤه من خلال مراقبة بعض سلاسل الإمداد.
وأوضح التقرير أن أبرز الشركاء في المنطقة من ناحية التبادل التجاري هما السعودية ودولة الإمارات، إذ تمثلان معاً 55 في المئة من إجمال التبادل مع دول المنطقة.
وكانت المصالح الإيطالية تعرضت أثناء الحرب للضرر بصورة مباشرة، إذ جرى تدمير طائرة استطلاع إيطالية من دون طيار داخل قاعدة علي السالم الجوية في الكويت خلال الأسبوع الثاني من المواجهات، على رغم تقليل وزارة الدفاع الإيطالية من أثر ذلك، بوصفه "لم ينعكس على سلامة العسكريين الإيطاليين المنتشرين في المنطقة، وأن جميع أفراد القوة الإيطالية في القاعدة كانوا في أمان ولم يُصَب أي منهم بأذى"، كذلك عاد نحو 30 ألف إيطالي كانوا يعملون في المنطقة منذ اندلاع الأزمة.
لكن على رغم ذلك، أكد مسؤول حكومي إيطالي الثلاثاء الماضي أن بلاده رفضت منح الإذن للطائرات العسكرية الأميركية بالهبوط في قاعدة سيغونيلا الجوية في صقلية قبل التوجه إلى الشرق الأوسط، بينما كانت بعض القاذفات الأميركية خططت للهبوط في تلك القاعدة قبل مواصلة رحلتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ظل غياب ضمانات توقف الحرب واستمرار التضخم، ترى ميلوني وفق الصحافة الإيطالية أن التحرك المنفرد في الخليج هو السبيل الوحيد لتأمين الاحتياطات وتخفيف حدة الأزمة، متجاهلة انتقادات المعارضة ومؤكدة أن حكومتها "ليس لديها وقت لتضييعه" في السجالات السياسية الداخلية بينما يواجه أمن البلاد القومي خطراً داهماً.
وبينما فشل الأوروبيون في تنسيق موقف موحد إزاء العدوان على مصالحهم في المنطقة، تتحرك ميلوني بمفردها كما أوضحت قبل مغادرتها، مشددة على أنه "في ظل الوضع الراهن، تسعى كل أمة إلى الحفاظ على احتياطاتها من الطاقة".
وحين اتهمها الحزب الديمقراطي المعارض بالهروب من روما وبالإخفاق في التحرك بالتنسيق مع أوروبا، جاءت الأنباء التي تفيد بأن إيران سمحت بمرور سفينة فرنسية عبر مضيق هرمز لتؤكد صحة وجهة نظرها، "وهذا دليل على أن باريس تفاوضت بمفردها مع طهران". ففي نهاية المطاف، "كل يبحث عن مصلحة عائلته أولاً"، وفقاً لصحيفة "كورير" الإيطالية.
سيكتشف الأوروبيون أنها حربهم
ويرى المحلل السياسي في "بوليتيكو" ماتياس دوبفنر أن أوروبا مخطئة في اعتقادها بأن إيران "ليست حربنا"، محذراً من أن أوروبا ستتعين عليها مواجهة التهديدات العالمية بمفردها إذا لم تدعم أميركا في إيران.
ويؤكد أنه "على رغم كل الغموض الذي يكتنف أهداف أميركا وإسرائيل النهائية في إيران، فأنا مقتنع بأمر واحد، في مثل هذا الوضع الحرج، حيث ينقذ الأميركيون أوروبا من مأزق حقيقي، من الأفضل التكاتف. لا ينبغي لأوروبا أن تطعن الحكومة الأميركية في الظهر وهي تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف".
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة الأميركية عن مسؤول دفاعي رفيع المستوى من دولة عضو في "الناتو" أن "الولايات المتحدة تتواصل مع جميع حلفائها في ’الناتو‘ بحثاً عن مزيد من بطاريات الدفاع الجوي" لحماية حلفائها ومصالحها في الخليج.
وليس معروفاً ما إذا كانت رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت هذا الملف تحديداً أثناء جولتها الخليجية حتى الآن، إلا أنها أبدت استعدادها لدعم جهود الدفاع الجوي في الخليج بوجه خاص.
وتصدت الدفاعات الخليجية بكفاءة كبيرة لنحو 5 آلاف تهديد متنوع بين المسيّرات والصواريخ الموجهة إليها من إيران منذ بداية الحرب، مما قلل من حجم الخسائر المادية والبشرية، وجعلها ضئيلة قياساً بكمية الاستهداف. ولا تزال معظم المدن الخليجية، خصوصاً السعودية تعيش كما كانت قبل الحرب، على رغم تعرضها يومياً للاستهداف.