ملخص
رحلة ومؤلفات الكاتب المصري الراحل مصطفى محمود من الشك إلى الإيمان نقاشات فكرية على مدى عقود، ويعد برنامجه "العلم والإيمان" من أشهر أعماله، وأثيرت نقاشات عدة حوله مع الإعلان عن مسلسل يتناول سيرته الذاتية ومشروع جارٍ لإعادة طبع مؤلفاته.
بعدما أعلن عن إنتاج مسلسل مصري يتناول سيرة ومسيرة الكاتب المصري الراحل مصطفى محمود، أثير كثير من الجدل، خصوصاً أنه واحدٌ من الكتّاب الذين دارت حول أفكاره عديد من السجالات الفكرية التي ارتبطت بقضايا الإلحاد والإيمان على مدى عقود ولا تزال مستمرة حتى بعد رحيل صاحبها عام 2009، ما جعل تقديم عمل فني حوله يشهد حالة ما بين التأييد والمعارضة من الناحية الفكرية إلى جانب الفنية، خصوصاً أن كان قد جرى الاتفاق على تقديم ذاك العمل منذ سنوات إلا أنه شهد تأجيلات عديدة. فمن هو مصطفى محمود صاحب البرنامج التليفزيوني الأشهر "العلم والإيمان"؟ ولماذا تثير أفكاره النقاش دائماً؟ وإلى أي التيارات الفكرية ينتمي؟ وهل حقاً المجتمع بحاجة إلى تقديم سيرته الذاتية أم لا؟
مصطفى محمود المولود في ديسمبر (كانون الأول) عام 1921 بمحافظة المنوفية، درس في كلية الطب وتخرج عام 1953، وتخصص في الأمراض الصدرية، لكنه ترك ممارسة الطب وتفرغ للكتابة والبحث مع بداية الستينيات، لكن له مؤلفات تعود للخمسينيات قبل التفرغ بصورة كاملة.
والنظر إلى المنتج الفكري لأي كاتب أو مفكر لا بد من ألّا ينفصل عن السياق العام حوله في المجتمع الذي يعيش فيه، وعن الأفكار السائدة في العالم خلال هذه الحقبة. ومع بداية الخطوات الأولى لمصطفى محمود مع نهايات الخمسينيات وبدايات الستينيات كان هناك تزايد للتيار المادي والفكر الوجودي، وكانت مصر في أوج الحقبة الناصرية، كذلك شهدت البلاد أزمات سياسية متعددة على رأسها نكسة 1967، ومع عقد السبعينيات ونصر أكتوبر ولاحقاً سياسات الانفتاح الاقتصادي والتحول إلى مفهوم دولة العلم والإيمان، تغير المجتمع وأفكاره كلياً عن المرحلة التي بدأ فيها مصطفى محمود نشر منتجه الفكري الذي تنوع بين العلم والدين والسياسة والقضايا الاجتماعية.
جدل الفكر والتصنيف
مصطفى محمود يُعد واحداً من أكثر المفكرين المصريين الذين أثارت أفكارهم جدلاً، ولم يتفق عليه أحد، فبعضهم يراه طبيباً وعالماً، وبعضهم الآخر يصنفه مفكراً إسلامياً، وآخرون يرونه واحداً من ذوي الفكر الأصولي الداعم للتيارات الدينية والمروج لأفكارها، وهناك أشخاص يصنفونه مفكراً باعتباره يطرح أفكاراً وتصورات فلسفية قد تقابل بالقبول أو الرفض من المجتمع.
والنقطة الأساسية التي كانت حجر الزاوية في هذا الاختلاف حول الشخص هو أن أفكاره انتقلت من النقيض إلى النقيض، ومن أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وقال هو عن نفسه "احتاج الأمر إلى 30 عاماً من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين".
في الخمسينيات نشر كتابه "الله والإنسان"، مقدماً أفكاراً مفادها وجود تعارض بين العلم المادي ووجود الله، ليُتهم بالإلحاد، إذ اعترض الأزهر على الكتاب ووصل الأمر إلى القضاء الذي منع تداول الكتاب، لكن لاحقاً خلال السبعينيات أعيد تداوله، وبعد نحو عقدين من نشر هذا الكتاب تغيّرت أفكار صاحبه، وتحوّل من الشك إلى الإيمان ليصدر واحداً من أشهر كتبه "حوار مع صديقي الملحد".
ومن بين أكثر المعارك التي خاضها الكاتب الراحل رأيه في قضية الشفاعة، فهوجم من كل التيارات الإسلامية التي اتهمته بإنكار السنة والأحاديث النبوية، ويذكر أنه جرى تأليف أكثر من 10 كتب للرد على الطرح الذي قدمه. وعلى الجانب الآخر، لم يسلم مصطفى محمود من انتقاد قطاع من المثقفين والتنويريين الذين رأوا في بعض من أفكاره شيئاً من الرجعية مثل بعض آرائه عن المرأة، إضافة إلى عدم اتفاقهم مع توجه ربط العلم بالدين.
من بين أشهر ما قدمه مصطفى محمود برنامج "العلم والإيمان" الذي وصل عدد حلقاته إلى 400 حلقة، واستمر عرضه على التلفزيون المصري لأكثر من 25 عاماً، وكان يهدف إلى عرض ظواهر علمية وربطها بالجانب الديني، وهو تيار كان آخذاً في الانتشار منذ نهايات فترة السبعينيات، وله رموز ومريدون، إضافة إلى تيار آخر يرفض الأمر بصورة شبه قطعية، ويرى أنه يحمل كلاً من العلم والدين بما لا يحتمل.
وتذكر أجيال الثمانينيات والتسعينيات برنامج "العلم والإيمان"، وتنظر إليه على أنه جزء من ذكرياتها بداية من موسيقى التتر الشهيرة التي لا تزال مرتبطة في أذهانهم بالبرنامج مروراً بالبداية المعتادة التي لا يغيرها مقدمه "أهلاً بكم"، ويشار إلى أن تتر البداية لبرنامج "العلم والإيمان" كان من تأليف الموسيقار محمد عبدالوهاب بناءً على طلب من مصطفى محمود نفسه، ثم رفضه بعدما انتهى منه باعتباره لحناً راقصاً، ولجأ الى مقدمة الناي الحزينة للعازف المصري محمود عفت لتصبح المقدمة الشهيرة التي لا تزال عالقة في الأذهان حتى الآن .
وخلال الآونة الأخيرة تبنّت "مكتبة ديوان" إعادة نشر الأعمال الكاملة للراحل مصطفى محمود ضمن مشروع أكبر لإعادة نشر مؤلفات كبار الكتاب والمفكرين، وبالفعل جرى إصدار مجموعة من المؤلفات، وإبصار هذه الأعمال النور أعاد صاحبها لدائرة الضوء وأتاح فرصة للأجيال الجديدة للاطلاع عليها والتعرف إلى فكر مؤلفها.
ويقول الكاتب ومدير النشر في "مكتبة ديوان" أحمد القرملاوي "لا تعيش أعمال كل الكتاب وتكون عابرة للزمن وتشهد إقبالاً سواء على القراءة أو على النقد والتحليل، وهذا دليل على عدم ارتباطها بمرحلة زمنية معينة، ومصطفى محمود من هؤلاء الكتاب لأن كتاباته متنوعة سواء في الفكر السياسي أو الديني والفلسفة والحب والعلاقات والرحلات، إضافة إلى القصة والرواية وغيرها، فهو يخاطب شريحة واسعة من القراء إن لم تكُن مهتمة بمجال منها فستجد مجالاً آخر يلائمها، وكل هذا بأسلوب سهل وسلس غير معقد يلائم القارئ العادي، بل يمكن أن تكون مدخلاً جيداً للقراءة للشباب صغار السن، فضلاً عن أنها تطرح تساؤلات وتدعو إلى التفكير".
ويضيف "لا شك في أن مصطفى محمود شخصية جدلية، فهناك من يدعم أفكاره، ومن ينتقدها، وهناك وجهات نظر متباينة حوله، لكنه بالنهاية قدم منجزاً عاش لسنوات وحتى الآن لا يزال يخضع للقراءة والنقد والتحليل ويثير الجدل، وهذا في ذاته نجاح ودليل على أنه شخص مؤثر سواء اتفقنا أو اختلفنا مع أفكاره فلا يوجد شخص، بخاصة في مجال الفكر سيجمع عليه الناس".
بين الشك واليقين
في الفترة الأخيرة كشف عن مشروع لإنتاج مسلسل يتناول سيرة مصطفى محمود على أن يعرض خلال رمضان المقبل الذي يُعد الموسم الأكبر للدراما في مصر، والمسلسل المقترح هو إعادة إحياء لمشروع سابق طرح منذ عام 2012، لكنه تعثر لأسباب مختلفة، ولم ينفذ، ليقوم الورثة وهم أبناء الكاتب الراحل أدهم وأمل بإنهاء التعاقد مع الشركة التي كانت ستقوم بالإنتاج، وخوض المشروع بإنتاج جديد عبر الشركة المتحدة.
المسلسل المقترح وفق ما جرى الإعلان عنه سيكون من كتابة محمد هشام عبية ومن إخراج كاملة أبو ذكري وكان من المفترض أن يقوم بالبطولة الفنان خالد النبوي الذي ظهر بالفعل في مقاطع تتضمن إعداداً للشخصية، إلا أن المخرجة أعلنت أخيراً عدم استقرار الرأي على الممثل الذي سيقوم بالدور.
ومنذ الإعلان عن مشروع المسلسل، ثارت سجالات على مواقع التواصل الاجتماعي بين فئات من الجمهور العادي والكتاب والمثقفين، فبينما رحّب قطاع من الناس بالفكرة باعتبارها توجهاً حسناً لتقديم سير الكتاب والعلماء والمفكرين بدلاً من الاقتصار على أعمال درامية تتناول سير الفنانين وأحياناً الشخصيات السياسية أو التاريخية فقط، أشار آخرون إلى أن هذا العمل لا بد من أن يكون ذا مواصفات خاصة، وأنه تحدٍّ درامي كبير للكاتب والممثل والمخرج، باعتبار أن الشخصية لها جوانب متعددة وتحولات فكرية، ولا بد من أن يكون العمل قوياً بكل عناصره، وإلا سيصاحبه الفشل الذريع.
وذهب فريق ثالث إلى التساؤل عن لماذا مصطفى محمود الآن؟ وما الجدوى من اختيار هذه الشخصية في هذا التوقيت وهي محل خلاف وجدل، في حين كان من الممكن أن تقدم سيرة لواحد من العلماء المصريين الذين يجمع عليهم الناس على نحو أكبر مثل العالم أحمد زويل الحائز "نوبل"، أو الطبيب مجدي يعقوب طبيب القلب العالمي المعروف دولياً أم غيرهما من العلماء المصريين؟
بمجرد الإعلان عن أي عمل فني يرتبط بسيرة ذاتية أيّاً كانت طبيعة الشخصية، عادة ما تصاحبه مشكلات عدة قد تكون نزاعات بين الورثة ومنفذي العمل في انتقادهم للطبيعة التي يقدم بها الشخص، أو انتقادات من الجمهور للممثل الذي قام بالدور أو لنوعية الإنتاج، وأحياناً انتقاد تبني العمل لوجهة نظر أو منظور يهدف إلى توجيه الناس نحو فكر معين، بخاصة ضمن الأعمال الخاصة بالشخصيات السياسية أو التاريخية.
ويشير الناقد الفني رامي المتولي إلى أنه "في مجتمعنا أعمال السير الذاتية عموماً تواجهها مشكلة تقديم الشخص بصورة مثالية على نحو مبالغ فيه، ولا يرتبط هذا فقط بالأشخاص في العصر الحديث، إنما حتى الشخصيات التاريخية التي عاشت منذ آلاف السنين، فلا يقدمها العمل باعتبار أن لها جانباً جيداً وآخر سيئاً، إنما على طول الخط تقدم في قالب مثالي، كثيراً ما يكون غير مقنع للجمهور، على عكس أعمال السير الذاتية في الغرب التي لا تضع قداسة مجتمعية أو دينية للأشخاص، فتظهر الأعمال بها الخير والشر والصواب والخطأ ويصور الشخص الذي يُقدم عمل عنه على أنه إنسان طبيعي يصيب ويخطئ".
ويتابع المتولي "في ما يتعلق بالمسلسل المقترح عن مصطفى محمود فهذا تحدٍّ كبير جداً لأن الشخصية خلافية، إذ إن التنويريين في عصره انتقدوه وانتقدوا فكره الذي لم يروه تقدمياً، بينما دعمه قطاع آخر، بخاصة في الأفكار التي تربط العلم بالدين، باعتباره كان يخدم هذا التوجه الذي كان صاعداً خلال السبعينيات، وكان متوافقاً مع الفكر والمناخ العام، لكن حالياً بعد مرور أعوام لو وضع الشخص على ميزان النقد وطرحت أفكاره للتحليل والنقد، فكيف سيكون الوضع؟ الشخصية جدلية ومؤثرة وإنتاج مسلسل عنها أمر له وجاهة، لكن العبرة هنا في طريقة التناول وليست بمجرد الاختيار".
ويضيف أن "هذا العمل لا بد من أن يكون ذا مستوى عالٍ إنتاجياً، وعلى مستوى الكتابة والإخراج، إضافة إلى اختيار ممثل قادر على تقديم الأبعاد المختلفة لهذه الشخصية، وفي الوقت نفسه لا بد من أن تقدم شخصية مصطفى محمود بأوجهها كافة، لا الاقتصار على جانبها المثالي كما هو معتاد حتى لو جرى ليّ ذراع الحقيقة كما حدث ضمن أعمال سير ذاتية سابقة متعددة لأشخاص على اختلاف توجهاتهم".
لا شك في أن الأجيال الجديدة ربما تعرف مصطفى محمود بصورة سطحية أو لم تسمع عنه على الإطلاق، ويمكن أن يكون المسلسل المزمع تنفيذه يمثل إطلالة لهم على تراثه ووسيلة للتعرف إلى منجزه الفكري، سواء اتفقوا معه أو اختلفوا، لكنه سيبرزه على السطح ويضعه في مرمى "الترند" بعد مرور أعوام على رحيله.
ويوضح الناقد رامي المتولي أن "هذا المسلسل إذا خرج إلى النور، فسيثير كثيراً من الجدل والسجالات في جميع الأحوال حول الشخص ومنتجه الفكري، وستتعرف إليه الأجيال الجديدة بالفعل، وستنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو عدة عن مصطفى محمود وبعض أفكاره بصورة مختصرة كعادة الـ’سوشيال ميديا‘ مثل قضايا الوجود وأصل الانسان وجدلية الارتباط بين العلم والدين وغيرها، لكن قد يطرح بعضهم تساؤلاً وهو لماذا تقديم عمل عن سيرة مصطفى محمود الآن تحديداً، بخاصة في ظل محدودية الأعمال التي تتناول سير العلماء، فتقريباً لم ينتج أي عمل عن سيرة عالم منذ مسلسل مصطفى مشرفة عام 2011".
لم يقتصر إرث الراحل مصطفى محمود على منجزه الفكري وبرنامجه التلفزيوني الشهير وعشرات الكتب التي قام بتأليفها، لكنه يمتد إلى الجامع الشهير بمنطقة المهندسين بالقاهرة في الميدان الذي أصبح يحمل اسمه ويُعد من أشهر ميادين المنطقة والذي أنشأه عام 1979، والجمعية الخيرية التي فضلاً عن نشاطها الخيري تضم عيادات ومستشفى مفتوح للجميع.وفي الطابق الأخير من المبنى الذي يضم المسجد والجمعية الخيرية والمركز الطبي، تقع الجمعية الفلكية التي أسسها الراحل مصطفى محمود، لتضم مجموعات من التلسكوبات وتنظم فعاليات للمهتمين بالرصد الفلكي، وعلى مدى أعوام كانت وجهة لمحبي هذا المجال من الهواة والمتخصصين على السواء وكان من أهم أهدافها نشر الثقافة العلمية في مجال الفلك لغير المتخصصين.