الجزائر حيص بيص!

وضع تصور لترشيح "بوتفليقة ثانٍ" على الطاولة

الجزائر على المحك الآن... أن تكون أو لا تكون (رويترز)

"لدينا حياتان، تبدأ الثانية عندما ندرك أن لدينا واحدة فقط" - الشاعر البرازيلي ماريو دي أدرادي

إذا كانت تونس الإبنة المدللة للجغرافيا، فإن الجزائر هي الإبنة الغضوب للتاريخ! فرنسا أَدخلتْ الجزائريين، غصباً، إلى التمدن الأوروبي، منذ عام 1830 وحتى عام 1962، والقُصر الجزائريون قَسراً يُمدَنون، وبعد كفاح جزائري مسلح في عام 1954، وقمع فرنسي "حضاري"، أُخرجَ الممدِنون، من بلاد مدنوها لقرابة قرن ونصف القرن! خروجهم جاء ضمن ثورة، لاقت دعماً دولياً، ووطدها فلاسفة ومفكرون، بتوافق وجهد فكري مميّز، مثلما فعل فرانز فانون، الذي تُدرّس نظراته الثاقبة في المسألة الجزائرية، كنظرة إلى العالم الثالث، وتحديداً في القضايا الثورية، السيسيولوجية الفكرية والسياسية.

عقب الاستقلال، أمسك قادة "جيش التحرير الوطني" بزمام الحكم في الجزائر، وامتلأت رؤوس هؤلاء بأيديولوجيا نظرية لتحرير العالم الثالث. وقد يكون أجج أوهامهم حينها، رائد القومية العربية، الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
هذا الحمل الثقيل، وطده "جنون عظمة" شعب ما بعد التحرير، وخففت من وطأته ثروة النفط، التي بُددت من أجل تلك الأوهام، ومنها الثورة الزراعية، بقيادة العقيد هواري بومدين. بذلك باتت الجزائر بعد الثورة، بين مطرقة حمل ثقيل، متمثل بالماضي الاستعماري الوعر، وبين سندان المهمة المستقبلية الكبرى وهي: تحرير العالم الثالث!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دفع الجزائريون الغالي والنفيس، وجنوا قبض الريح، فالجزائر اليوم لا تزال في حالة ما بعد الاستعمار، أي منذ عام 1954 يقودها "جيش التحرير الوطني"، وتعيش انقلاباته وصراعاته الدامية. رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح هو الرئيس والقائد والزعيم الفعلي، لجزائر ما بعد الحراك الشعبي في فبراير (شباط) الماضي. وحقق الجيش الجزائري مكاسب من حراك أكتوبر (تشرين الأول) 1988 الدامي، فالعشرية السوداء، ثم حالات الربيع العربي، ما منح الحراك الجزائري، حالةً من الصراع السلمي على السلطة، صعبةً ومعقدة للحمولة التاريخية، نظراً إلى التراث العنيف المميز بكفاح مسلح طويل، ناتج من ثقل البلاد، الجيوسياسي، الديموغرافي، فالعسكري.            

الجزائر، على المحك الآن، أن تكون أو لا تكون. قايد صالح وحكام البلاد، ورثة فرنسا، يرون أن السلامة تكون في اعتماد مبدأ "مكانك راوح"، وأن غير ذلك "مغامرة"، مذكرين ضمناً بالعشرية السوداء، وبمآل الربيع العربي. شعب الحراك الجزائري، الذي أسقط الرئيس التاسع (عبد العزيز بوتفليقة)، الحي الميت، ويتظاهر في ماراثون لم ينته بعد، يعمل من أجل "السلامة في التغيير"، ولا يبدو في المشهد طرف سوداني (ثالث).

الدولة الجزائرية الحديثة فازت في عام 1962، بمرحلة ما بعد الاستعمار، بالفشل، عاشت آمالاً عظام، خاضت تجارب ثقيلة، منها حربها مع المغرب غبّ الاستقلال، لم تنته تقريباً حتى اليوم. تورط "جيش التحرير" في انقلابات منذ انقلاب العقيد بومدين على الرئيس الأول أحمد بن بلة، وتُوِّجت المأساة في أكتوبر (تشرين الأول) 1988 وربيبتها العشرية السوداء. وانطلاقاً من ذلك، إضافةً إلى الأوضاع العربية والإقليمية والدولية المتفاقمة حالياً، تبدو المسألة الجزائرية في ورطة، إذ تحتاج ماسة إلى معجزة، توازي بثقلها ثورة نوفمبر (ضد فرنسا)، ولكن بمنحى سياسي، الأمر الذي يبدو أنه غير متوافر، وغير مستطاع توفيره. ولو تصورنا أن قايد صالح، الحاكم المطلق للجزائر حالياً، فرض مبدأ إرساء المركب في ميناء "مكانك راوح"، فإن المعطيات تؤشر، إلى أن البحر الجزائري، والإقليمي، عاتي الأمواج، ما سيساهم في أن تكون كلفة ترشيح "بوتفليقة ثانٍ" للرئاسة أعلى بكثير من كلفة "بوتفليقة الأول"، الأمر الذي سينتج منه مزيداً من الركود والفساد، فالانقسامات والتشتت.

ويبدو أن وضع تصور لترشيح "بوتفليقة ثانٍ" على الطاولة، كما السهل الممتنع، وسيساهم في نجاحه تناقص ضخامة الحراك الجزائري الرافض لإجراء انتخابات رئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. كما ساهم فشل الحراك الجزائري في بلورة نفسه، مثلما حصل في السودان، وتوجس الجزائريين من نعت حركتهم بـ "ثورة"، في تشديد قبضة قايد صالح في الإمساك بزمام الفرس الجامح.

12/12/2019 موعد، انتخابات الرئيس العاشر للجزائر، وترشح التوقعات والمعطيات، مجيء بوتفليقة ثانٍ إلى الحكم، ولكن لنكن موضوعيين وواقعيين، فحتى فبراير (شباط) 2019، كان المرشح الحي الميت، الرئيس التاسع "بوتفليقة الأول" سائراً في طريقه إلى ولاية خامسة متتالية، وكان المطلوب دولياً (الرئيس السوداني السابق) عمر البشير، يجول في رقعة الشطرنج. ولننظر إلى رقعة الجزائر والأطلس، فمنذ فبراير جال "حصان اللامتوقع" على تلك الرقعة، مغيراً كل المعادلات.

الباب مفتوح على مصراعيه، والواقع أنه بكل يد مضرجة يدق، ومن غياهب المجهول، يأتي معلوم غير معللّ، كـ"قيس" ليلى التونسية، ولعلَ من عاش ستينيات القرن العشرين، يذكر فيلم "معركة الجزائر" وأغنيته الشهيرة: "عالم مجنون، مجنون، جداً، جداً...".

المزيد من آراء