تونس... الشعب يعاقب نفسه

"المبالغة في التمظهر الحضاري نتج منها عدم إدراك الشباب أن مقاطعته مشاركة سلبية تؤدي إلى ما لا يريد"

مواطن تونسي يتابع أخبار الانتخابات الرئاسية في إحدى الصحف المحلية في العاصمة (رويترز)

السجين السياسي قلب الصندوق!

ما زلنا نُراهن على الحصان الخاسر، المهم ما أنجزناه، وما كسبنا، وكل نقد ومراجعة، سفاهة، وذات منطق ناتج من مراحل من الاستعمار إلى وريثته الديكتاتورية المحلية. ومن هذا يطغى التمجيد والتكبير، فنزيح العقل النقدي، الذي يُعيد قراءة ما حدث، يبحث فيه، يعيد تفكيكه، ويحفر تضاريسه، ومن ثم يستخلص النتائج.
لذلك كثيرٌ مما كُتب عن الانتخابات التونسية، نهجهُ أن "قطرة ديمقراطية تبل الريق"، وكأن الديمقراطية أبريق من زجاج، نخاف أن يتهشم وتسف ماءه الصحارى العربية الكبرى. ولكن قناعتي أن الربيع العربي جاء ليؤسس للديمقراطية، وإن في موجاتٍ متتالية، بين تقدم وتراجع، وحرصاً مني على المكانة المتقدمة لتونس في هذا الربيع، سأضيء الجانب المظلم من هذا القمر التونسي.

مفاجآت تونسية

وجاءت الانتخابات التونسية بمفاجآت، أهمها نسبة المقاطعة، التي وصلت تقريباً إلى 55 في المئة من أكثر من 7 ملايين ناخب، كان يُفترض مشاركتهم في الانتخابات. وكأن شباب تونس قاطع الديمقراطية، هذه هي المفاجأة الأهم، وما نتج منها من مفاجآت كان أهمها حصول "رجل قانون" (قيس سعيد)، على نسبة تقارب 19 في المئة من الأصوات، سمحت له بتصدر الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، فيما حلّ "سجين قانون" (نبيل القروي) ثانياً، بحصوله على 16 في المئة تقريباً، وبالتالي فإن 81 في المئة، لم يعطوا صوتهم، لرجل القانون الذي لو فاز في الجولة الثانية، سيكون الرئيس الثالث لتونس، الآتي من المجال القانوني، فالرئيسان السابقان الحبيب بورقيبة والباجي قايد السبسي، محاميان. أما المفاجأة، ذات العيار الكبير، فكانت حصول "سجين سياسي" على المرتبة الثانية، ما رشحه، وهو خلف القضبان، مرة ثانية، لخوض الانتخابات الرئاسية. ولطالما كان نبيل القروي، مثل قنبلة موقوتة، حملتها السلطات التونسية في حجرها، لينفجر، ويُفجر العملية الانتخابية برمتها، وهو أحد رجال، ما يُسميها التونسيون، "المنظومة"، (السيستم بلهجة ساسة تونس)، وكان خروجه الشعبوي، ما قصم ظهر المنظومة التونسية، الحاكمة والمعارضة، فمهّد بطريقة غير مباشرة، لانبثاق قيس سعيد، الشخصية غير المعروفة نسبياً، في الوسط السياسي التونسي، بخاصة أن القروي، حُوّلَ عقب اليوم الانتخابي إلى "سجين سياسي".
إذاً في المحصلة، تونس الآن منقسمة بين شعبَويَين، أحدُهما شخصية وثوقية قاطعة، وهناك إجماع على أنها شخصية محافظة، والآخر رجل أعمال، متهم بالفساد، واستغلال المال لشراء الذمم، شعبويته انتهازية، إلا أن كلاً منهما ما زال ملكاً من دون تاج، ما هو بتقديري في هذه الحالة محصلة الانتخابات التشريعية.   

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"انتخابات البحث عن بورقيبة"
 

لم تكن الانتخابات التونسية، أول انتخابات ديمقراطية عربية، ولا آخرها، لكن يُفترض أن تكون أول انتخاباتٍ ناجحة مستمرة، لذلك لا بد من تخليصها من شوائب الادعاء والتملق، فلم يكُن مثلاً، ما أُظهر على أنه مناظرة بين المرشحين، إلا مجرد وقت دعائي تلفزيوني، يُقدم فيه المرشح نفسه.
كذلك فإن المبالغة في الضوابط والتمظهر الحضاري، نتج منها في ديمقراطية ناشئة، عدم إدراك الشباب أن مقاطعته هي مشاركة سلبية، تؤدي إلى ما لا يريد. كما أن التركيز المفرط على انتخابات الرئاسة، جعلت من الانتخابات التشريعية، كأنها من لزوم ما لا يلزم، فهكذا تمظهر قيس سعيد كشخصية شعبوية، تبارى في بيعته شعبويون، كالمرشح الخاسر الصافي سعيد، وأحزاب كحركة النهضة الإسلامية، التي أطلق زعيمها راشد الغنوشي عليه، لقب "العصفور الفريد". وانطلاقاً من هذه المعطيات تجسد المشهد التونسي، كمَن يبحث عن بورقيبة آخر، "المجاهد الأكبر"، "رئيس مطلق لمدى الحياة".
الحقيقة أن الانتخابات التونسية بدأت، ونهايتها الأهم ستكون الانتخابات التشريعية، التي لو ينجح التونسيون في أن يؤسسوا بنتيجتها لمجلس تشريعي نوعي، فسيخرجون من عنق الزجاجة، لأن ما بعد الانتخابات شر وأعظم، فالمعركة المقبلة ستكون حول الدستور، الذي يراد تضمينه صيغة نظام رئاسي، نادى به "الرجل الدستوري" قيس سعيد، والشعار الذي يرفعه "سلطة الشعب!". لذلك أعتقد أن تونس ستدخل معركتها الحاسمة بعد الانتخابات.
وما بيّنته هذه الانتخابات، على أي حال، هو أن العالم تداخل، حتى أنه لم يعد قرية واحدة، بل موبايل واحد، فما أشبه انتخابات تونس، بانتخابات فرنسا، وبزوغ نجم ماكرون، ببزوغ نجم القروي، وما أشبههما بالانتخابات الأميركية، التي فاز بها، الحصان الذي راهن الجميع على خسارته السباق، دونالد ترمب، الذي يُذكرني به قيس سعيد.
في المحصلة، نجاح الديمقراطية في تونس، لا نراهن عليه فحسب، بل يشكل الضرورة القصوى، ليستعيد الربيع العربي أنفاسه، فمنطقتنا بحاجة إلى فوز تونس، كمثل حاجتها إلى السلم.             

المزيد من آراء