ملخص
بين قصص الضحايا وأدلة المقابر الجماعية، يتشكل أحد أخطر ملفات الانتهاكات في ليبيا، فهل يكون تدويل هذا الملف بداية حقيقية لإنهاء الإفلات من العقاب؟
لا يزال الكشف الصادم عن مقابر جماعية في العاصمة الليبية داخل سجون كانت تتبع سابقاً لميليشيات "الدعم والاستقرار" بزعامة الراحل عبدالغني الككلي، الشهير بـ"غنيوة"، يحدث أصداءً واسعة، تجاوزت النطاق المحلي إلى المستوى الدولي، بعد صدور بيان لمنظمات إنسانية وحقوقية دولية ومحلية في باريس، يطالب بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، ونقل الملف برمته إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان الشفافية وتحقيق العدالة.
وصدور هذا البيان دعم دعوات كثيرة سابقة إلى تسليم الملف للعدالة الدولية بعد تكرر حالات إفلات مسؤولين عن جرائم مماثلة من العقاب وعجز السلطات المحلية عن محاسبتهم على ما اقترفت أيديهم.
إدانة دولية
البيان الذي أصدرته ست منظمات وهي منظمة "صوت حر" للدفاع عن حقوق الإنسان في باريس و"إفدي" الدولية لحقوق الإنسان من بروكسيل و"مركز الشهاب" لحقوق الإنسان بلندن و"جمعية ضحايا التعذيب" ومقرها جنيف، إضافة إلى منظمة "عدالة" لحقوق الإنسان، عبرت جميعها فيه عن "بالغ إدانتها واستنكارها لجريمة اختطاف وتعذيب وقتل المواطنين محمود علي الطاهر وعبدالعاطي علي محمد القبلي اللذين عثر على جثمانيهما في مقبرة جماعية بتاريخ الثامن من مارس (آذار) الماضي بمشروع الهضبة في العاصمة الليبية طرابلس، وفق ما أكدته تقارير الطب الشرعي ونتائج تحليل البصمة الوراثية (DNA)".
المنظمات نبهت إلى أن "هذه الجريمة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ولقواعد حقوق الإنسان الأساسية، وترقى إلى مستوى الجرائم الجسيمة التي تتطلب المساءلة الجنائية"، مشددة على أن "استمرار ظاهرة الاختفاء القسري والاحتجاز غير القانوني وانتشار المقابر الجماعية، كلها تشكل تهديداً خطراً للسلم المجتمعي وسيادة القانون".
كذلك طالبت بـ"فتح تحقيق عاجل، شفاف ومستقل، بإشراف جهات قضائية متخصصة، للكشف عن ملابسات هذه الجريمة وتحديد جميع المسؤولين عنها وتقديم المتورطين كافة، سواء كانوا منفذين مباشرين أو متواطئين، إلى العدالة من دون تأخير وضمان عدم إفلاتهم من العقاب".
ودعت "المنظمات الحقوقية الدولية إلى توثيق هذه الانتهاكات ومتابعتها بصورة مستمرة مع حث السلطات المعنية على اتخاذ إجراءات فورية لوقف كافة أنواع الانتهاكات بحق المدنيين، وتعزيز احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون".
دعوة إلى تدويل الملف
وجاءت الدعوة الأخيرة إلى دخول المنظمات الحقوقية والإنسانية في الملف بالتوازي مع دعوات داخل ليبيا وخارجها إلى تولي محكمة الجنايات الدولية ملف المقابر الجماعية بالكامل، إذ يقتصر دورها حالياً على تقديم مساعدات لوجستية وإرسال فرق تقنية للبحث عن مكان المقابر والكشف عن هوية المدفونين فيها، مما يساعد في تحديد الجهات المسؤولة عنها.
ويدعم هذا المسار تأكيد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان خلال آخر إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي حول الملف الليبي، أن التحقيقات في ليبيا مستمرة وقد تستكمل عام 2026، وقبول السلطات الليبية اختصاص المحكمة في الجرائم المرتكبة حتى 2027.
ويعززه أيضاً إعلان المحكمة الجنائية الدولية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025 نقل القيادي في "قوة الردع الخاصة" خالد محمد علي الهيشري من ألمانيا إلى لاهاي حيث يواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتعذيب في سجن "معيتيقة" بين أعوام 2015 و2020. وتُعد هذه الخطوة تطوراً بارزاً في ملاحقة المسؤولين عن انتهاكات المقابر الجماعية في ليبيا.
كل هذه المؤشرات اعتبرت دلالة على أن ملف الجرائم، بما فيها المقابر الجماعية، لم يعُد محصوراً داخل ليبيا وربما لن تكون للسلطات المحلية علاقة به خلال الفترة المقبلة.
بيئة مشجعة
وتؤكد كل التقارير الحقوقية المحلية والدولية أن المقابر الجماعية تمثل دليلاً مادياً على نمط ممنهج من الانتهاكات، يشمل الإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاحتجاز غير القانوني، وتؤكد أيضاً أن هذه الجرائم لا تحدث بصورة عشوائية، بل ضمن بيئة تسمح بالإفلات من العقاب وغياب المساءلة، مما شجع على تناميها، وتدعم المطالب بتحويل الملف إلى القضاء الدولي.
فعلى رغم خطورة هذه الجرائم، ظل واضحاً عجز السلطات الليبية عن التعامل معها، مما أدى إلى استمرار الانتهاكات في ظل تقاعس المعنيين عن التحقيق والمحاسبة، بحسب ما يرى الصحافي المتخصص في الشؤون الأمنية والحقوقية سراج الفيتوري.
ويرجع الفيتوري أسباب هذا الفشل إلى "تحميل جهات أمنية وعسكرية مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن الانتهاكات وغياب خطوات فاعلة لملاحقة الجناة خلال الأعوام الماضية، وهذا العجز لا يرتبط فقط بالإمكانات، بل أيضاً بتداخل السلطة مع الفاعلين المسلحين، مما يضعف استقلالية القضاء".
ولهذه الأسباب مجتمعة يعتقد الفيتوري بأن "التدويل يمكن أن يسهم في تقليل الإفلات من العقاب، بالتالي يشكل رادعاً لتكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً، نظراً إلى استقلالية التحقيق وعمل المحاكم الدولية بعيداً من الضغوط السياسية المحلية والتركيز على المسؤولية القيادية وليس فقط المنفذين"، مضيفاً أن "حفظ الأدلة وتوثيق المقابر الجماعية وفق معايير دولية يمنعان ضياع الأدلة أو التلاعب بها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحديات أمام التدويل
من جهته يحذر أستاذ القانون عبدالحميد بن صريتي من تحديات يمكن أن تعترض سياق التحقيقات التي تجريها مؤسسات العدالة الدولية، من بينها "صعوبة الوصول إلى مواقع الجريمة في بعض المناطق وعدم تعاون بعض الأطراف المحلية وبطء الإجراءات القضائية الدولية ووجود مطلوبين لا يزالون طلقاء".
ويشدد على أن "المقابر الجماعية يمكن أن تشكل نقطة تقاطع بين العدالة الانتقالية والعدالة الدولية، فالأولى تركز على الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر والمصالحة، بينما الثانية تختص بالمحاسبة والعقاب ولا يمكن تحقيق استقرار حقيقي من دون الجمع بين المسارين".
بن صريتي يختتم بقوله إن "المقابر الجماعية في ليبيا تكشف عن أحد أكثر فصول الصراع قسوة، لكنها في الوقت ذاته تمثل فرصة نادرة لإعادة فتح ملف العدالة. ففي ظل تراكم الأدلة وتزايد الضغوط الدولية، قد يتحول هذا الملف إلى نقطة انطلاق نحو إنهاء الإفلات من العقاب، غير أن تحقيق ذلك يظل مرهوناً بمدى القدرة على ترجمة هذه الأدلة إلى مسار قضائي فاعل، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، يضمن إنصاف الضحايا ويمنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل".
أزمة عميقة
ويعتبر ملف المقابر الجماعية والانتهاكات المرتبطة بصراعات الأعوام الماضية من أكثر الملفات تعقيداً في ليبيا، وتشير تقارير دولية متواترة إلى أن المقابر الجماعية لم تعُد حالات معزولة، بل جزءاً من نمط واسع من الانتهاكات. ففي مدينة ترهونة وحدها، جرى استخراج أكثر من 260 جثة من مقابر جماعية منذ عام 2020، وجرى التعرف إلى 160 منها فقط، بينما لا يزال 67 شخصاً في عداد المفقودين.
والعام الحالي، اكتُشفت مقبرة جماعية تضم 21 مهاجراً في مدينة أجدابيا غرب بنغازي، وتؤكد هذه الأرقام أن الظاهرة ليست مرتبطة بمرحلة زمنية واحدة، بل ممتدة ومستمرة حتى اليوم.
في الوقت ذاته، تكشف المقابر الجماعية في ليبيا عن وجه خفي لعقد من الصراع، لكنها في الوقت ذاته تفتح نافذة نحو العدالة، فبين عجز محلي مستمر وتحركات دولية متصاعدة، يبدو أن هذا الملف قد يتحول إلى أحد أهم مسارات المحاسبة التي ظلت مطلباً عصياً لأعوام طويلة.