ملخص
بعد الأسبوع الأول للحرب دأب الرئيس الأميركي وبعده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القول إن العملية العسكرية المشتركة قد أدت النتائج المطلوبة والمخطط لها، إلا أنها لن تؤدي إلى إحداث تغيير في النظام الحاكم، وأن واشنطن على العكس من تل أبيب، على استعداد للتعامل مع السلطة الإيرانية التي شهدت تغييراً كلياً في الأشخاص الذين يمسكون ويتخذون القرار في إيران، ووصول قيادات جديدة أقل تشدداً، بحسب تعبير ترمب.
قد تكون العملية الديمقراطية هي الضحية الأولى للحرب التي شنتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد النظام الحاكم في إيران، وعلى عكس كل التوقعات والتقديرات التي يذهب إليها كثير ممن يعتقدون بأن مرحلة ما بعد الحرب قد لا تشهد تغييراً للنظام، لكن منظومة السلطة والحكم لن تكون كما في السابق نتيجة ما أصاب أسسها من تصدعات، وستجعلها مجبرة على التجاوب مع المتغيرات الحاصلة بآليات مختلفة.
بعد الأسبوع الأول للحرب دأب الرئيس الأميركي وبعده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القول إن العملية العسكرية المشتركة قد أدت النتائج المطلوبة والمخطط لها، لكنها لن تؤدي إلى إحداث تغيير في النظام الحاكم، وأن واشنطن على العكس من تل أبيب، على استعداد للتعامل مع السلطة الإيرانية التي شهدت تغييراً كلياً في الأشخاص الذين يمسكون ويتخذون القرار في إيران، ووصول قيادات جديدة أقل تشدداً، بحسب تعبير ترمب.
قد يكون كلام ترمب عن تغيير القيادات الإيرانية صحيحاً وواقعياً، وقد جرى بجراحة عسكرية تولتها الآلة العسكرية المشتركة بين وزارتي الحرب في واشنطن وتل أبيب، لكن ما نتج منها لم يتجاوز حدود التغيير في الأشخاص وليس في العقائد والمواقف، وأن الرهان على براغماتية وواقعية القيادات الجديدة هو رهان ناقص لا ينسجم مع قراءة الشخصية الإيرانية نفسياً، والتي لا تغادر هذه البراغماتية حتى في أشد مواقفها العقائدية والأيديولوجية، وإنما يكمن الاختلاف في آليات تطبيقها وكيفية ترجمتها بين شخصية وأخرى.
وإذا ما كان المرشد السابق علي خامنئي يوصف بأنه القائد الذي عمل على بلورة المشروع الإيراني السياسي والعسكري والإقليمي على مدى ثلاثة عقود، فإنه في الوقت ذاته كان يعتبر الشخص الأكثر قدرة على تدوير الزوايا في هرمية السلطة والنظام، نتيجة ما يتمتع به من قدرة على إدارة التناقضات الداخلية بين أركان منظومة الحكم بدقة، ويعرف الوقت المناسب الذي يرفع فيه مستوى التشدد، ومتى يعمل على كبحه لمصلحته خطاب أكثر ليونة داخلياً، وبجرعة براغماتية أعلى خارجياً، من دون التخلي عن مشروعه في بناء سلطة ودولة منسجمة مع رؤيته العقائدية والأيديولوجية واستغلال أي فرصة لذلك.
ولعل المسار الذي شهدته رئاسة الجمهورية من تبدلات بين الخطاب الإصلاحي والمعتدل وبين الخطاب المتشدد والمحافظ يشكل أفضل دليل على هذه البراغماتية، من محطة انتخاب محمد خاتمي الإصلاحي عام 1997 مروراً بانتخاب محمود أحمدي نجاد المحافظ عام 2005، ثم حسن روحاني المعتدل عام 2013، وبعدها العودة للمحافظ إبراهيم رئيسي عام 2021، وصولاً إلى مسعود بزشكيان عام 2024 الذي لم يجد الفرصة لبلورة خطابه التسووي بين الإصلاح والالتزام بإرادة وتوجيهات وتوجهات المرشد الأعلى.
وإذا ما كانت العقود الثلاثة الماضية قد سمحت لخامنئي الأب ببناء منظومة قيادته على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، من خلال تكريس دولة رديفة تدار من داخل مكتبه "البيت" سمحت له بتركيز القرار في قبضته، إلا أنه كان يبدي حرصاً على عدم تعطيل عمل ودور مؤسسات الدولة الرسمية، وترك هامش كبير وواسع من حرية العمل لها وحتى الشراكة في صنع وبلورة القرارات الإستراتيجية بما ينسجم مع رؤيته ولا تمس أساس سطلته وصلاحياته.
قد تكون نتيجة التغيير في القيادة الإيرانية الذي يتحدث عنه الرئيس الأميركي أن العملية العسكرية نجحت في ضرب التوزان الدقيق الذي كان يقوده المرشد السابق، لكن النتيجة العملية والواقعية نقلت عملية وآلية الحكم في النظام من تشاركية مضبوطة ومدروسة بين المرشد والدولة، إلى آلية قائمة على ثلاثية ضيقة تتولى إدارة وقيادة النظام، تتوزع بين المرشد الجديد مجتبى خامنئي ومؤسسة "حرس الثورة" بقيادة الجنرال أحمد وحيدي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر التي حولت الدولة ومؤسساتها من شريك في صنع القرار إلى مجرد جهاز تنفيذي لا يملك حتى الحد الأدنى من التأثير على مسار الأحداث والأمور والتطورات، ناهيك عن قدرته في لعب دور في صنعها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مثلث القيادة الجديدة التي ترى في الحرب فرصة سانحة من أجل تثبيت سلطته وقيادته في المرحلة المقبلة، سيعمل من أجل التوازن بين ما يريده من أهداف في هذه الحرب القائمة مع واشنطن وتل أبيب، وبين التحديات التي قد يواجهها على المستوى الداخلي في ظل ما يعتقده ويقدره من حجم استحقاقات كبيرة شعبياً واقتصادياً وسياسياً، ولذلك فإن القيادة الجديدة تنطلق من مسلمة أساسية إذا جاز التعبير، تقوم من ناحية على أن ما لم يقدمه المرشد السابق من تنازلات في الملفات الأساس لا يمكن أن تقدمه هذه القيادة، لأن أي تنازل سواء في الموضوعين النووي والصاروخي، إضافة إلى النفوذ الإقليمي، يعني هزيمة قاسية للنظام ومنظومة الحكم، قد تضعه أمام خطر المساءلة الداخلية عن جدوى الذهاب إلى خيار المواجهة إذا ما كانت نتيجتها الخضوع للشروط الأميركية، والأمور لن تقف عند حدود المساءلة والمحاسبة، بل ستنتهي بالدخول في مواجهة مصيرية ووجودية.
ومن ناحية ثانية فإن هذه القيادة وانطلاقاً مما ستمارسه من حساسية مفرطة تجاه كل الأصوات التسووية من خارج رؤيتها، ستعمل على تكريس عملية تهميش السلطة التنفيذية التي تمثلها مؤسسة الرئاسة، أي أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من مركزية في القرار على حساب المؤسسات الدستورية، وبالتالي ستكون أبرز نتائج العملية العسكرية الأميركية توفير الأرضية المناسبة لعسكرة السلطة والنظام في قبضة "حرس الثورة"، وهو الهاجس الذي طالما حذرت منه القوى الإصلاحية خلال العقدين الماضيين وعملت من أجل عرقلته وإعاقته، بخاصة أن "حرس الثورة" سينتقل من مستوى الشريك مع المرشد السابق إلى مستوى المقرر مع المرشد الحالي.